Saturday, June 20, 2015

عازف الڨصبة السحرية

كان يا مكان، في قديم الزمان و سالف العصر و الأوان، رجل يقال له حمدان. و كان راعيا يخرج... 
هذه بداية جيّدة للقصّة لكنّها للأسف لا تفضي إلى شيء، لا أجد وسيلة للعبور بالمعنى إلى حيث أريد، لذلك فلتسمحوا لي يا سادة أن أبدأ من جديد. القصة تبدأ كالآتي : 
لمّا رأى حمدانُ الراعي أوّل الجرذان داخل داره، اِستوحش الأمرَ و لم يستغربه، فربّما ترك ولدُه ذلك المستهترُ البابَ مفتوحا حين غادر للّعبِ... 
هذه أفضلُ، لكن الإسهاب لا ينفعُ في قصّ الخرافات، أستسمحُكم عذرا بالإعادة. إنّ أشقّ مراحل الكتابة هي بداياتها، بل هي تلك الأسئلة التي ترافق بداياتها. يتطلّع خيال المرء فيها إلى أشكال كثيرة، و يرنو قلبه إلى إدراج هذه الفكرة و تلك حتّى رغم تناقضهما. أيتها سأترك؟ أيَّ أسلوب سوف يختارُ و أيّ لغة سوف ينتقي؟ ينفرطُ قبل أن يتشكّلَ، و أحيانا يضطرُّ المرءُ إلى أبسط السبل و أقلّها خطورة، فقط لأنّه لم يجد خيارا يفرض نفسه فرضا. من قال إن الكتابة أسمى أشكال الحرّية؟ 
و لئلاّ تملّوا القصّةَ قبل أن تبدأ، سأحاول أن أختصر المسافاتِ، و أعود بكم إلى سنوات بعيدة جدّا لا يذكرها أحدكم، و لا يذكرها أحدٌ من آبائكم أو أجدادكم. سأحدّثكم أوّلا عن المزيّنِ منصور، ليس لأنّه أوّلُ من لاحظ ظهور الجرذانِ، بل لأنّه حكيم القرية و مطبّبها و هو الذي عرف السرّ الخفيّ وراء ظهورها، و وجد في كتب الأولين التي يداوم على اقتنائها كلّما نزل إلى الحاضرة، مخرجا من الوباءِ. و لكن دعونا لا نسبق الأحداث. فحين أبدى منصور قلقه من ظهور الجرذان في القرية، تضاحك القوم من حوله، و قالوا له إنّ خيالاته تسيطر عليه، و إنه يرى ما لا يرى الناس.أحبَّ أن يخبرهم إنّ دوره في القصّة، و في كل قصّة و في كل قرية، أن يرى ما لا يرى الآخرون. لكنّه لم يشأ أن يفتعل نقاشا انتروبولوجيا قد يرى البعض أنه لا يليق بحرمة المسجد...

لكنّ الأيام تأتيك بما كنت جاهلا، كما قال طَرَفة، و صار حضور الجرذان في أركان القرية و دورها لا مزعجا فحسبُ، بل مثيرا للقلق. حتّى إذا ما ظهرت في فناء المسجد، دعا الشيخُ مختار الأهالي للاجتماع و التشاور في المسألة. قال سالم الحدّاد و هو يهرش ساقه في متعة مازوشيّة :
"اِختفاء الحنوشة هو السّبب يا سيدي الشيخ. لكن تركنا أطفالنا يعبثون بالثعابين بإسم الحريّة، فانظروا نتيجة استهتارنا! لقد كانت الثعابين سيدة الموقف هنا. صحيح أنها تشبعنا لسعا، و ربما يموت أحدنا و هو نائم، لكنّنا لم نعان من كثرتها، و لم يهدّدنا حضورها بوباء قد لا يبقي و لا يذرُ!"
أما حميد الخمّاس فكان له رأيٌ آخر : إنّ الله لا يضربُ قرية بوباءٍ إلا لانتشار الفسق فيها و الرذيلة. إنني أشمّ رائحة الموبقات كلّما مررتُ بجانب المقبرة. و صار بعضهم لا يجدُ حرجا في النفخ على القصبة في شوارع القرية جالبا معه الشياطين. لقد انتشر الغشُّ يا سيدي الشيخ، و صار البعضُ يطفّف في الميزان، هل تصدّق هذا يا سيدي الشيخ؟ لقد اشتريتُ بالأمس بطيخا بريال كامل، و كانت من الصغر ما جعلني أنهيها حين فكّرتُ في تذوّقها! أليس هذا غشّا يا سيدي؟
و وقف عبد الله ساخطا و هتف : "لعلّك تعنيني يا ولد منجيّة؟" 
بينما علّق آخر ساخرا : "هذا الغشُّ سببه معدتك يا حميد و ليس الميزان!"
منع الشيخ مختار من أن يتحوّل الاجتماع إلى عراك، و وبّخ المشاغبين فلاذوا بالصمّت. كانت تلك فرصة ليتكلّم منصور المزيّنُ. قال في هدوء : المشكلة ثقافية يا سادة.
نظر إليه الحضور و بدا لهم أنهم أساؤوا السمع، فواصل في ثقة يُحسدُ عليها :"لقد عدتُ إلى كتب الأولين، و فحصتها و محّصتها، و خرجت باستنتاج مفاده أن الوباء يعودُ كلّما افتقر الناسُ إلى الذوق، و التزموا بالجهل و التكالب على متاع الدنيا. لقد كان آباؤنا يطوّرون أساليبهم في حفظ المؤن، و كانت أمهاتنا أكثر انتباها لنظافة الدار و براعة في تجميله، أما اليوم، فنطوّر أساليبنا في زيادة المؤن، و صار هاجس نسائنا هو التفنّن في استهلاكها. لقد قتلنا الكيف فينا من أجل الكمِّ، تخلّصنا من ثقافة آبائنا الحقيقيّة و استبقينا قشورها، ذلك أننا عاجزون عن النفاذ إلى عميق الأمور."

نظر القوم طويلا إلى منصور المزيّن و الصمتُ رفيقهم، ثم قال أحدهم :"أعتقد أن أكياس الخُمس هي السبب." و قال آخر :" ربما اقتربنا بديارنا من مصرف النفايات أكثر من اللازم، لمَ لا نحرقها؟" بينما اقترح ثالث أن يطلبوا العون من الحاضرة. الحقيقة أنهم لا يحملون ضغينة على المزيّن الذي يشرف على تطبيبهم، و تزيينهم، لكنّهم لا يفهمونه. وحده حمدان الراعي، يشعر بقيمة كلماته و يزنها في ذهنه حقّ وزنها. و لئن لم يختلف كثيرا عن أهل القرية في جهلهم بما يقول الرجل. قال له خفية "عمّ منصور، كيف نستعيد ملكة الذوق فينا؟" فنظر له المزيّن طويلا، ثم طلب منه أن يتبعه.


هنا يعاودني ذلك الفراغ القاتل الذي يحدث حينما تنتقل بالسرد إلى طبقة موالية، حيث لا بدّ أن يكون الانتقال طبيعيا سهل الانقياد و سريعا، لأنّ قارئ القصة القصيرة ليس كقارئ الرواية، و مع افتقار القصة نفسها للأحداث المتسارعة، يهرع المرءُ إلى أبعد من خياله ليستدرّ منه تفاصيل صغيرة، قد لا تفيد القصة في شيء، و لكنّها أهمُّ ما فيها، و هي ما يصنع الفارق بين عمل و آخر. ماذا حدث في اجتماع منصور المزيّن بالراعي حمدان؟ تفاصيل صغيرة، لم تذكرها القصّة الشهيرة، مثلما لم تذكر أنّ العازف الشابّ ليس غريبا عن القرية، و إنما هو أحدُ أبنائها، و لعلّه من أوحى إلى أبي القاسم الشابي بذلك البيت الشهير عن الخطيب الذي يوقظ شعبه يريد صلاحه. لكنّ هذه مسألة أخرى...

أزاح منصور ستارا في آخر حانوته، فظهرت من ورائه مكتبة ضخمة أثارت دهشة الفتى، فهتف في تعجب "هل قرأت كلّ هذا يا عمّ منصور؟" و همّ أن يضيف تلك الدعابة السمجة عن آخر كتاب قرأه لولا أن أسكته المزيّنُ بإشارة من يده. ثمّ أشار إلى صورة في كتاب بين يديه و قال "أترى هذا العازف يا حمدان؟ إنه أنت في زمن سحيق، و اليوم تعود من جديد لتواصل مهمّتك في محاربة الرداءة. لقد استمعتُ إلى عزفك على القصبة، و عرفتُ أنّ فيك روح فنّان أصيل. و لم يبق إلاّ صقل موهبتك و استخراج كنوزها!"
نظر إليه حمدان مبهورا بكلماته التي لم يفهم منها شيئا. سأله في تردّد خائف "هل تعني، أنني.. كنتُ هذا الرجل؟". تجاهل المزيّنُ سؤاله و قال له "لقد انتشر الخوف في قلوب الناس بأسرع من انتشار الجرذان، و صار كلّ مزكوم مشبوها. بالأمس كادوا يحرقون أرملة و ابنتها لأن الحمّى أقعدتهما. و غدا يعلم  الله أين سيذهب الخوف بالإخوة. أولاد سعيد يعتبرون أولاد ناجي همُ بؤرة القذارة، بينما يصرّ أولاد ناجي أنّ الله أنزل عقابه لفسوق أولاد سعيد الذي تجاوز الحدود، و ربما يصل الأمر بالفريقين إلى حرق بعضهم البعض".

معذرة. لقد تقابل الرجلان بعد الاجتماع فلا يعقل أن يحدث كلّ هذا الذي قاله أثناء سيرهما إلى الحانوت. أرجو أن لا تمتهنوا عرقلة القصّ و أن تتجاوزوا عن أشياء بسيطة كهذه، عوّضوا "ثم طلب منه أن يتبعه" بشيء من قبيل "ثم طلب منه أن يزوره بعد غد (لأنّ المزيّن لا يعمل يوم الإثنين طبقا لمنشور وزارة الصناعات التقليدية)". هل تتخيّلون الكتاب يروي ما شاهده في عالم آخر حقا؟ إنّه يخلق يا سادة، و في الخلق دوما عيوب. أين كنّا؟
أجل، هناك في الحانوت، راح الراعي يتبع توصيات المزيّن الغامضة، إنّ للفنّ غرفة خفيّة في عقولنا لا تدخل إليها ذواتنا إلا متخمّرة لا واعية. و يبدو أن في هذه الغرفة المقدّسة أصوات الأجداد الأوائل، و أسماءهم و حكمهم. طوبى لمن دخل إليها و عرف كيف يسير في أعماقها، طوبى لمن بلغ ذلك النور الإلهي في تخومها و عاد بقبس واحد منه. لقد كتب الله عليه الخلود في الدنيا.
لكنّ السير في غرفة كهذه مرهق لا يطيقه كثيرون، و كان حمدان في كل مرّة يضيق ذرعا بنفخه في القصب بينما يأتيه خبر إحراق المؤن، و رائحة الجيف التي باتت تملأ الطرق. هتف الشابُّ في ضيق :"ألا نفعل شيئا أكثر جدوى من العزف على رائحة هلاكنا يا عمّ منصور"؟ فأجابه الرجل في هدوء : "هكذا أنتم الشباب دوما، تريدون حلولا عاجلة، تريدون أن يتمّ كلّ شيء بفرقعة الأصابع".

لكنّ ضغوط الراعي، أتت أكلها، و وافق المزيّنُ بعد يومين على الخروج إلى الشارع و التجريب. خرج الناس يستطلعون مصدر الصوت الغريب، و راح بعضهم يتساءل عمّ يفعله الفتى تحديدا و هو يتجوّل في شوارع المدينة، منشدا بألحان توحي بالألفة حينا و بالغرابة حينا آخر في مزيج مدهش. و هتف أحدهم حانقا حينما لم يقطع حمدان عزفه ليجيبهم "هذا الفتى الرقيع لا يعبأ بمحنتنا و يعزف على القصبة! و غدا سيرقص على جثثنا"! تصاعدت همهمات موافقة من كلّ صوب. لقد
قدّم الراعي لهم فرصة ذهبية لإفراغ غضبهم و خوفهم و جزعهم. من غير هذا الشابّ الرقيع الذي لا ينتمي لأيّ من العرشين، يستحقّ العقاب على ما حلّ بهم؟ من غير هذا الطائش المستهتر بمعاناتهم من يستحقّ أن يقدّم قربانا لله و أضحية مقابل غفرانه؟ رماه أحدهم بحجر فأصاب وجهه، سقط على الأرض يتأوّه، لكنّه نهض و تناول قصبته من على الأرض، و عاد للعزف. لا أحد من هؤلاء المحيطين به لاحظ خروج الجرذان، أما هو، فما إن رآها، حتى أيقن من صدق عمّ منصور، و عرف أن لا حائل بينه و بين قصبته إلا الهلاك. كان الهلاك فعلا قريبا...

و عكس القصة التي تعرفون، فقد استمات الأهل في رجم العازف بالحجارة، أدموا قدميه، كسروا أضلاعا من صدره، و بدا أنه ينشج كلما نفخ، أسقطتهم حجارتهم أرضا، هلّلوا و كبّروا، رأوا جيش الفئران التي تحاول أن تتبعه، فأيقنوا أنه الساحر الذي جاء بها. صرخ حميد الخمّاس في حماس "إنه سبب البلاء! لقد قلت لكم، هذا الساحر هو الوباء الذي حاق بنا! اُرجموه يرحمكم الله! لا تمسوه إلا بحجارتكم!" أصابت الحجارة قصبته فتهشمت، ثم لحق بها جزء من فمه. حاولت دموعه أن تنزل بفعل المرارة، لكنّ الحجارة هشمت عينه، لا يستطيع الصراخ لأنّ أخرى أصابت حنجرته، بعد ذلك بحجر، لم يكن الراعي بحاجة إلى الصراخ، لقد ذهب به ذهنه إلى أعماق تلك الغرفة السرّية داخل عقله، و فتح بوابة الله فيها.
تصاعد الهتاف المنتصر و المبشّر بقرب الخلاص من أفواه الأهالي، و رأوا الجرذان تلوذ بالفرار باحثة عن مخابئها. لن يعرفوا أنهم خسروا فرصتهم بطردها إلا منذ الغد، حينما عادت للعبث بالمؤن، و المواعين و كلّ شيء في شراسة أكبر. مرة أخرى كان تأويلهم لما حدث غريبا. قالوا إنّ الساحر الشيطانيّ سخّرها لتنتقم، و هو للأمانة تأويل يتناسب منطقيا مع رؤيتهم لما حصل. تسارعت الأحداث خلال تلك الأيام العصيبة، و ظهرت عوارض الوباء على البشر، و منع الشيخ الناس من الرحيل التزاما بقول النبيّ، لكنّ الفوضى باتت كبيرة، لقد أنذرت القرية للفناء، لكن في يوم الجمعة، حدث الأمر الغريب.

خرج الرجال و النساء أفواجا إلى المسجد طلبا لرحمة الله و غفرانه، و تخلف الأطفال عن الموعد. أغلبهم طلب أن يظل في فناء المسجد، و لم يفهم الآباء لذلك سببا، لكنّهم أذعنوا حفاظا على الخشوع في صلاتهم القادمة. اللهم احفظ أطفالنا! آمين! اللهم أبعد عنهم الوباء فإنهم أبرياء ممّا جنت أيدينا! آمين! آمين! آمين! أمين! يا أمين! أين أنت يا أمين؟ أين راح الأولاد يا قوم؟ جزع الناس و عمّت الفوضى. بحثوا قرب البئر، فلم يجدوا إلا جثث الجرذان. بحثوا عند المقبرة فلم يجدوا لهم أثرا، بحثوا في كلّ شبر، فبدا أن الأرض قد ابتلعتهم جميعا، و لم يجدوا إلاّ قصبة مهشّمة ملقاة قرب المسجد. لقد ذهب الشيطان بأطفالهم كما ذهبوا بابنه، ذلك الراعي الجهنّميّ. هكذا قال المؤوّلون منهم، و لم يعرفوا أنّ أطفالهم إنما فضلوا الهروب عن هذه القرية الظالم أهلها، لم يعرفوا أن الله استجاب لتضرّعهم و رحم أطفالهم بقرى بعيدة لا يضرب فيها المرء لاستئناسه بالقصبة. لكنّنا عرفنا ما حدث لهم و قد وجدنا القصة في أوراق مدفونة في مكان ذهب خبراء الأركيولوجيا أنه كان يوما دكان حلاّق أو مزيّن أو ما شابه ذلك.


20 حزيران 2015

Wednesday, June 10, 2015

وينو البترول؟

عندما ذهب أحمد صباحا إلى المدرسة كعادته، لم يكن يعرف أين هو البترول. اتّخذ مقعده بجانب صديقه أيّوب ليواصلا لعبة بدآها خلسة يوم أمس. أحمد يكره حصّة القراءة، لأنه.. يكره ذلك. يشعر بضجر عاصف، و يتمنّى يوما لو يصرخ في المعلّمة أن تعفيَه من قراءة قصة مريم التي تنتظر الصباح الجديد، مرارا و تكرارا، لكنّه يغتال أمانيه حينما يتذكر عصا المعلّمة.
فجأة دخل المدير، جمّد ظلّه الدماء في العروق، و انتشر الصمت كالهشيم، بينما هتفت المعلمة في حماس : وقوف!
لم يبد المدير أي اهتمام بكلّ ذلك، شأن من تعوّد على تأثير سلطته في الآخر. تقدم نحو المدرّسة و أشار إلى ما يحمل، ففهمت قصده، و جلست في مكتبها، لتفسح له مجال الحديث. قال المدير في لهجة صارمة : هذم اليوميات متاع الشبيبة المدرسية، مائة فرنك، حتّى شيء، حكاية فارغة، ما غير ما تقولوا لي ما عنديش، و الا بابا ما عطانيش. عندكم من هنا لآخر الجمعة تشروهم. مفهوم؟
ثم استدار إلى المعلمة سائلا : هاك المجلاّت، كملوا خلصوهم؟
اِنتفض أحمد في وجل و المعلمة تشير إليه في ضجر، و تقول : مازال أحمد كالعادة.
أمعن المدير النظر في رأسه المطأطئ، ثم قال بهدوء : أحمد، غدوة ما تجيبش 700 فرنك، ما تدخل إلاّ ببوك. تسمع فيّ؟
أومأ برأسه في استسلام، و راح يفكّر في وسيلة لطلب المال من والده دون أن ينال صفعة على وجهه. أما السباب فلم يعد يهمّ، لقد ألفه بأكثر ممّا ألف كلام كتب القراءة المنمّق. عاد أحمد إلى المنزل، دون أن يعرف أنّه تلقّى أولى دروس التنقيب على البترول...

***********

حينما سمع منصور طلب ابنه الوقح، همّ بصفعه في سخط، لولا أن تذكر أن الولد اللعين يقف بعيدا بالفعل، نظر إليه شزرا و قال له : مازلت تجبد لي هالحكاية نجبد لك **** عينيك! ماو قلت لك قلهم بابا ما عندوش!
أجابه الطفل و هو يستعدّ للهرب : قالوا لي غدوة ما تجيبش دينار، ما تجي كان ببوك! 
ألقى على ابنه بحذائه لكنّه لم يصبه. أرهقته مطالبه، أرهقته مطالب هذا المنزل اللعين. لعن اليوم الذي فكّر فيه أن يستقرّ، و أن يؤسس عائلة. تلك المرأة اللعينة. النساء دوما سبب المصائب. تذكر شجار الأمس حول تغيير المرحاض. تلك الفاجرة تريد مرحاضا كما في ديار الأثرياء. من اللعينة التي وسوست لها ذلك؟ إنه التلفاز حتما. إنه التلفاز الذي يفتح العين على ما لا طاقة لها به. تذكر أنه ضيّع حلقة الأمس من المسلسل اليوميّ، ففتح التلفاز الكبير الشامخ قبالته. طالعه مشهد سيارة يكاد بريق لونها يتلف عينيه. تشبه تلك التي يملكها رئيسه في العمل، و يجبره على قيادتها كلّ يوم. لكنّ صاحبها لا يشبه رئيسه في شيء. يتصنّع البؤس تصنّعا، يحاول أن يوهمنا أن المال ليس كلّ شيء، و أنه لا يجد سعادته رغم هذه السيارة التي يقودها. الملاعين! يستغفلونه، كأنه لا يراهم أمامه و لا يتابع حياتهم بتفاصيلها و هو بزيّ السائق الذليل. أي بؤس هذا الذي يعيشه أمثالهم؟

سمع صوت زوجته القادمة، فترك دينارا على الطاولة، و هو يعرف أنها ستعطيها للولد. غادر المنزل و هو ساخط. سوف يشرب أقل من المعتاد بسبب طلبات الولد الخرقاء، و هو لا يحب أن يتمادى في الاستهلاك، لكي لا يضطرّ ليبوح لتلك الشمطاء بأجره الحقيقيّ. سوف لن يطرف لها جفن إلا بجعله يصرف كلّ شيء، و يُحرم من كلّ شيء، فقط لو علمت بحقيقة أجره، فسوف تعرف أين هو البترول!

**********

وقف أمام السيارة ينتظر خروج رئيسه. فتح له الباب في احترام و قال : صباح الخير سي الهادي. فأطلق الرجل سبابا بذيئا، و هو يقول (بما معناه) : لا بورك فيه من صباح نحس. انطلقت العربة، بينما "سي الهادي" لا ينفكّ يلعن المصنع و العمّال و قوانين الاستثمار المزرية. صرخ فجأة : ما ذنبي إن زاد ثمن النفط؟ يعلمون أنني لا أستطيع أن أرفع في أسعار المنتوج، و إلا ما اشتراه أحد. ماذا أفعل؟ و غدا سيأتي العمّال مطالبين بالزيادة! أصلا يجب عليّ أن أسدد زيادة البترول من رواتبهم!

كان هذا يعني أنه لن يقدر أن يطلب من سي الهادي شيئا من الزيادة. قد يطرده لو فعل. ماذا تراه يفعل؟ فاجأه صخب يتعالى من داخل المصنع. طلب منه رئيسه أن يذهب و يشهد ما يحدث، و يعود إليه مساء ليرويَ له كلّ شيء. خجل أن يسأله أن يعطيه ثمن سيارة الأجرة على الأقل، فاكتفى بالقول : تهنّى سي فلان! بينما غابت السيارة عن ناظريه.

سيجد حتما مادّة لا بأس بها بين هؤلاء القوم. كلاما كثيرا يستحق أن يجازى عليه أفضل جزاء. الصراخ يملأ المكان. الجميع يردّد شعارات مختلفة. يريدون الزيادة أساسا، لكنّه يعرف أنهم لن يظفروا إلا بالقليل. حينما يرتفع ثمن البترول و يشحّ، تمتدّ أيدي هؤلاء بالدماء تعويضا، عن طواعية أو عن غير طواعية. ستتردّد الشائعات عن اعتزام صاحب المصنع إعلان إفلاسه، سيخاف أغلبهم من مغبة التمادي و سيحجمون عن مواصلة الاحتجاج. سيضغط على السلط للقبض على بعض أولئك الذين لا سند لهم. مخرّبون، دعاة فوضى، ربّما ارهابيون أو متآمرون. في كلّ الحالات، فإن رئيسه لن يخسر، إنه الجهة الرابحة دائما. و هو دوما مع الجهة الرابحة. أين هو البترول؟ إنه مع الجهة الرابحة!

**********

في المساء، طلب منه رئيسه أن يذهب إلى مقهى الكابتن ماجد، ليحضر له ضيفا. وقف قبالة المقهى بالسيارة السوداء اللامعة، و ظلّ هناك حتّى طرق أحدهم بابها. نظر من وراء البلوّر المعتّم، ففاجأه وجه مدير المدرسة. ذات المدير الذي دفع دينارا كي يتحاشى رؤيته! أعاد الرجل طرق الباب، فأخفى وجهه بقبعته البالية، و فتح الباب الخلفيّ للسيارة.
لم يشأ أن ينخرط معه في الحديث و حاول أن يتحاشى قوله ما أمكن، حتى بلغ به المنزل. بسرعة آلية فتح له الباب و هرع إلى جرس المنزل. يجب أن يتخلّص من هذا الموقف السخيف، يجب!
ـ مرحبا، مرحبا! وينك يا راجل؟ عندك مدّة ما طليتش!
أشاح بوجهه، و هو يتراجع ليترك المكان للرجلين، لكنّ رئيسه استوقفه قائلا : أوكة خليت لك فلوسك عند نجاة، برّة خوذهم.
عرفه المدير هذه المرة، لا بدّ أنه عرفه! أسرع إلى الداخل و هو يكاد يسمع المدير يقول : بو تلميذ عندي مهبّلني... كانت نجاة تعدّ شيئا من العصائر، للضيف و مضيّفه. حينما رأته، فبادرته بالسؤال : منيرة في الدار؟ فهم لعبتها الماكرة فقال لها في صرامة : باهي، هاتي الفلوس الساعة. و لو كان نسمع بيك قلتي لها حاجة و الله ما نتفاهم معاك! يزينا مالحوايج التركية، تهريت! تهريت! مطّت المرأة شفتيها في حنق. و دفعت له النقود و هي تغمغم : نقص بركة مالصياح!
تجاهلها و غادر المكان، فاستوقفه حديث الرجلين 
ـ و الله مازالوا ما خلصوش اليوميات اللي مديتهم لهم اليوم.
ـ هيه برمجهم اليوميات هذم. موش لازم اليوميات، نشوف لك مفكّرات؟ كتب موازية؟ يلزمني نمشي شوية دولاب. ماك تعرف، حتى من رئيس البلدية يلزمني نتصرّف معاه باش يعطيك هاك الرخصة.
ـ لا عاد سي فلان، ماو تفاهمنا فيها عاد هذيكة.
ـ هاك ترى في الاوضاع و الضغط. صدّقني الكلّه مالبترول!


Thursday, April 30, 2015

عن لغز الحياة

لم يسمَّ "فؤاد" عبثا، فهو يتشكّل في فضاء الدنيا كقلب ضخم، و في فضاء ذاكرتنا كموجة عاتية من العاطفة. لا يملك فؤاد شيئا كثيرا من الحكمة، و لعلّه يملك حكمة لا نفهمها هنا، في ديار الخوف من الحياة. لو ولد في بلاد أخرى، لسمّوه "زوربا". فضخامة جسده قد تمنعه من الرقص، لكنّها لا تمنع روحه من الاهتزاز للحياة.
يندر أن لا يلحظ المرء فؤادا في مجلس هو فيه. فكل شيء في الرجل يعمل بعنف و اندفاع. يضحك بقوة، يعارض بشدة، يعبّر عن احتجاجه أو استحسانه بالعنف نفسه، يمازحك بعينين أغلقتهما ابتسامته العريضة النقيّة.

اِندفاع هذا الرجل نحو الحياة، يشبه اندفاع الماء في الجداول الصغيرة. يغيظ البعض أحيانا، و لكنّه يسعد البعض الآخر. في سبيل لحظات من المتعة الصافية، لا يدّخر الرجل لا جهدا و لا مالا. إنه من أولئك التونسيين الذين لا يتردّدون أمام إغراء البحر، و الرحلة، و الاحتفال. و إنّه من أولئك الذين لا يرون السعادة إلا حين يقتسمها مع أحبابه، و لحسن حظنا كنّا من بين أحبابه... لا حظّ للصدفة إذا، إذ عرفته لأول مرة خلال حفلٍ لكاظم الساهر. كنت صغيرا، و كنت أمنّي النفس بالاستماع إلى كاظم مباشرة، و لم أكن أتخيل أن فؤادا سيحقق لي ذلك، و ربما لم يتخيل هو ذلك أيضا. لا يبدي رومانسية في حديثه، لكنّني أراهن أنه مشبع بها. علاقته بكل ماهو أنثويّ تشي بذلك.

يقدّس فؤاد النساء، كما يقدّس الحياة، أو لعلّه دون وعي منه، يقدّس الحياة التي تمثّلها الأنوثة. طريقة زواجه بدت لي وسط مجتمع محافظ مرعوب من الحب و الحياة، قصة حبّ جميلة و لطيفة. أما علاقته بأمّه المرحومة، فممّا يضرب به المثل في الحب الخالص. حارب فيها الزهايمر و طارد الموت فيها قدر ما استطاع، لكن لا غالب للموت إلا الله. ينتقل كل ذلك الحبّ إلى ابنته الكبرى، تلك التي طار فرحا إذ علم بقدومها، فقد كان دوما يمنّي النفس بفتاة لتكون فاتحة عهده بالبنين. أكاد أجزم أنه كان نسويّا، يدافع عن النساء في كلّ محفل، و لقد كان بيننا سجال (عنيف كعادة الحديث معه) طويل بشأن تفضيله للنساء على الرجال في الكفاءة و العمل.. هل كان رأيه ذلك حذلقة أم تطرفا أم إيمانا؟ أعتقد أنه كان ميلا فطريا للحياة التي تمثلها تاء الأنوثة. كانت خلايا هذا الرجل تنبض بالحياة و لم يكن في ذلك من شك...

فكيف بحق الله القدير، تنقلب هذه الخلايا إلى خلايا موت و دمار؟ كيف تستحيل هذه الخلايا المعمورة بالحبّ و الخصوبة و الاقبال على الدنيا، إلى خلايا سرطانية مدمّرة في شهر و نيف؟ كيف ينقلب هذا الوجه الباسم الساخر الصاخب كأمواج البحار، إلى وادٍ غير ذي زرع؟ رحمك الله يا فؤاد، سنحبّ الحياة مثلما فعلت، و سوف نقبل عليها بنفس اندفاعك و جنونك/حكمتك لأنها السبيل الوحيد للتغلب عليها و على الموت.

Tuesday, February 24, 2015

الفيلم المظلوم


كان عيبه أنه تجاوز خطوط الإنتاج المعروفة و المعمول بيها. قدّم فنّا يقاتل مع الزمن، ليجلب لنا أجمل ما فيه، و يذهب بنا إلى أجمل ما فينا ـ أو في أكثرنا ـ : طفولتنا.
أحدّثكم اليوم عن الفيلم المظلوم Boyhood.
تحصّل هذا الفيلم على أُسكار يتيم يتعلّق بأفضل ممثلة في دور مساعد، حازت عليها باستحقاق الممثلة بَتريشيا آركِت Patricia Arquette. و ذلك بعد أن ترشح لخمسة أُسكارات، بدا أنه يستحق على 3 منها.
بدأ العمل في ماي 2002 و انتهى في أوت 2013، لكنّ التصوير استغرق 45 يوما فقط. قدّم المخرج Linklater خلال هذا الزمن الطويل/القصير أحد أجود الصور التي يمكن لسينمائيّ أن يقدّمها عن الطفولة، و عن أمريكا، و عن الحياة. تتشكل هذه الصورة منذ كان الصبيّ Mason في السابعة من عمره، لتقدّم لنا بعد اثني عشرة سنة و قد غادر Mason حياة الطفولة ليبدأ فترة شبابه بالحياة الجامعية... خلال ساعتين و خمس و أربعين دقيقة، تتابع تشكُّل هذه الصورة، بدقائقها، و تفاصيلها، و أحداثها الصغيرة التي تكتشف كم هي مهمّة و كبيرة.
جمال الفيلم برأيي، لم يكن حقّا في التغيير البطيء لوجوه الممثلين، و ظهور التجاعيد بشكل طبيعيّ، و ظهور الزغب و النهود دون ماكياج و دون الاستعانة بممثلين من أعمار مختلفة. جمال الفيلم أساسا في تغيّر التفاصيل المحيطة بهم، و التي برأيي يستحيل على أقوى خبراء الديكور و تصميم الإنتاج التفكير بها جميعا. كلّ تلك التفاصيل التي أحاطت بMason و عائلته، لم يفكر فيها أحد، بل وجدت هناك بطبيعتها، و تغيّرت أيضا دون أن تستأذن أحدا.. تحوّلت لعبة الGameboy التي ظهرت أول الفيلم، إلى Nintendo Wii بمرور الوقت، و تحوّلت الهواتف الكبيرة إلى أخرى صغيرة، ثم إلى لوحات الكترونية. عشرات الماركات التي ظهرت حينها و اختفت بعد ذلك، عشرات المنتجات التي عاصرت بالفعل زمن التصوير، الموضة السائدة في الديكور، في الملبس، ربما أيضا في اللغة المستعملة، في العبارات المتواترة، الأحداث المحيطة بالعالم الصغير يعيشون فيه، كلّ ذلك جعل من Boyhood قصة أكثر واقعية من الواقع نفسه ربما، أكثر طبيعية، لكن بصيغة مختصرة كثيرا، تجعل المشاهد كأن بينه و بين هذه العائلة أنبوب زمني غريب، يطل منه دون أن يتأثر بالزمن. هو واقع يجعل المشاهد خارج الواقع.. لو تفهمون ما أعنيه...
ليس هذا فحسب، لكنّ المخرج لم ينس في خضمّ ترويضه الماكر للزمن، أنه يصنع صورة مهما تكن طبيعية، لا تكتمل إلا بتدخّل من يديه. لقد استطاع Linklater استعمال هذا المحيط الطبيعيّ الذي وفّره لقصته، ليبث فيها روحا رقيقة مليئة بالأحاديث و الموضوعات التي تطرق ذهن كلّ ولد كMason. طبيعة الموضوعات التي شكلت حوارات Mason مع محيطه، كانت عاملا أساسيا في إبعاد الملل عن المشاهد. ليس هذا فحسب، بل إن هذه الحوارات المنتقاة و المنثورة بعناية كبيرة على مراحل طفولة البطل، تقوم تماما بعكس ما تقوم به تفاصيل إطار القصة، أي أنها تعيد المشاهد إلى نهر الزمن، و تجعله يعيش داخله حين تخرجه التفاصيل منه. كل حوار للطفل هنا، مع والده الذي يسوق له ذكرياته، كل موقف مع والدته التي تنتابها لحظات ضعف شديدة، كل مشادّة مع أخته الأكبر منه سنا، و كلّ تحدّ يحرجه أمام أصدقائه، هو ذكرى تختزنها ذاكرتنا، هو قصة مخبئة في داخلنا، ستخرج كل تلك الصور مع هذا الفيلم، و سوف تعود طفلا، و سوف تواجه إجاباتك و أفكارك و معتقداتك الطفولية من جديد، سوف تضحك لهذه، و تعاود تقييمك لتلك ، و تتحسر لما بدر منك في أخرى.. Boyhood هو طفولة المشاهد أيضا.
هذا الفيلم ممنوع من الإبهار. يمضي بسيطا سلسا ناعما مثل الزمن تماما. لن تحسّ بالملل و أنت تشاهده، لكنك لن تحس بالتشويق، و لا بالمؤثرات البصرية المذهلة، و لا الخوف الشديد على البطل. لن يجعلك تغرق في الأفكار الفلسفية المريعة، و لن يحدثك عن دور المثقف أو الفنان، و لن يطلب منك أساسيات الفيزياء و نظرية الكم و النسبية العامة لتفهمه. لكنّه في الآن ذاته، ثريّ، قويّ، عاتٍ مثل الزمن. هكذا أراده Linklater و هكذا نجح في إخراجه.
بالمناسبة، أخت Mason، في الفيلم، هي ابنة المخرج، و تكبر البطل ببضعة أشهر فقط، و كادت تقرر التوقف عن الفيلم، لأنها ملّت، لو لا أن طلب أبوها منها المواصلة.
أما والد Mason فيعمل في شركة تأمين تماما مثل والد Hawke الذي قام بهذا الدور، و أيضا مثل والد المخرج. و كلاهما عاشا في تكساس التي دارت فيها الأحداث.
أخيرا، يجب التنويه بالعمل الرائع الذي قامت به Patricia Arquette في هذا الفيلم. لقد كانت أمّا مناضلة (لن أخوض في التفاصيل) فعلت الكثير لابنيها و لتضمن لهما طفولة يمكن لهما أن يتذكراها بشيء من الارتياح، إنه ذلك الدور الذي لا يفرط في الدراما، و لا يفلت منها، يقدّم المعاناة دون أن يتحدث عنها (في الواقع تحدثت عنها في لحظة ضعف يمر بها أي شخص مثلها)، و يجعل المشاهد مرة أخرى يعود إلى طفولته و يتذكر أمّه. Patricia و بوصاية من المخرج، لم تقم بأية عملية تجميل طوال السنوات ال12 التي صوّر خلالها الفيلم، و احتفظت بتغيرات جسدها التي لم تكن لتعجب نجمة هوليودية مثلها.
هناك الكثير لأقوله عن تلك التفاصيل التي خاض فيها الفيلم. الهواية، الجنس، حبّ إظهار الرجولة، الآخر، الطموح، العلاقة مع الأب.. مجتمع تكساس و قيمه، و أفكاره و تقاليده، الخ الخ .. هذا فيلم ثريّ جدا، لا تفوّتوه. مدته 165 دقيقة، أي تحتاج إلى نهاية أسبوع مثلا. لكنّه يستحق ذلك جدا. لو أن هناك ما يستحق جائزة أفضل فيلم بدلا من Birdman، فلا يوجد غير Boyhood.

Thursday, October 23, 2014

حيرة ناخب

أنظر إلى الساعة، تشير إلى يومين قبل الانتخابات، تذكرتُ أنني لا أعرفُ شيئا، أو أنني أعرف أكثر ممّا ينبغي، لماذا عليّ أن أنتخب أصلا؟ اللحظة تقترب، أنا لا أعرف شيئا، بل ربما أعرف أكثر ممّا ينبغي، أحزاب صغيرة، وجوه واعدة، الكتل الحزبية الكثيرة تشبه فقاقيه الصابون، و الخوف ممّا سيحدث مستقبلا، الكل يقرّر لنا، ماذا تخبئُ لنا أمريكا؟ هل أنا موبوء بمرض المؤامرات؟ ماذا عند صندوق النقد؟ و الإملاءات التي تزداد اجحاف كلما أضفتَ قرضا؟ من يطلب القروض؟ ماذا نريد؟ هل يجب أن ننتخب؟ على أساس سأنتخب؟ قائمات، أحزاب، رؤوس أموال، إيديولوجيات، قوى خارجية، رؤوس قائمات، تحالفات خفية و معلنة، 18 اكتوبر، 9 جانفي، 23 أكتوبر، هذه بلاد تقرر مصيرها في أول الخريف أو في أول الشتاء. يومان، كيف سأفكر؟ سأحاول أن أفكر..

1 ـ في أن المقاطعة ليست أفضل من الإنتخاب
أعتقد أنه يمكن حصر أسباب المقاطعة، فأوّلها عطن رائحة الطبقة السياسية كلها. الكثير من التونسيون باتوا يشمئزّون من السياسة، من كل ماهو سياسيّ، و ذلك بالنظر إلى رداءة المشهد السياسيّ عموما. حسن، الكلّ رديء فعلا، الكلّ منشغل في الصراع لأن أغلب السياسيين أمضوا حياتهم في الصراع ضد الأنظمة السابقة، هم أناس تعودوا على أن العمل السياسيّ هو صراع قبل كل شيء، و لعلّهم أناس جبلوا أصلا على الصراع و لا يجيدون البناء. الكلّ رديء لكنّ الرداءة أنواع، هذه الإنتخابات تخيّرك بأي الرداءة ستقبل، هل ستقبل بمنوال اقتصاديّ رديء؟ أم بتعامل رديء مع الحريات العامة؟ هل ستقبل برداءة المناخ الاجتماعيّ و اشتداد التفاوت بين الطبقات؟ أم ستقبل بوضاعة الحالة الأمنية و العيش في خوف دائم؟ في هذه أجدُني مضطرّا للاختيار، و هو اختيار أرحم قليلا من اختيار المدان طريقةَ موته، لو كنتَ مدانا، أسيان عندك الموتُ الرحيم و الموتُ حرقا؟
ثاني الأسباب هو عدم الدراية، أنا أيضا عزفتُ عن متابعة السياسيين منذ فترة، لا يمكنني معرفة كلّ كبيرة و صغيرة عن كل شخص و حزب، و لكن لو فكّرنا بمنطق اقصائيّ، فهناك الكثير من المرشّحين ممّن لا يحتجون إلى علم و دراية لاقصائهم. لا أحبّ أن أذكر أسماءً هنا، و لكن من ذا الذي يقبل بانتخاب شخص لا يكاد يجيد التعبير عن أفكاره؟ من ذا الذي يقبل بانتخاب شخص يعدكم ببيع الخبز بنصف ثمنه؟ هذه مسائل لا تحتاج إلى دراية كبيرة، و حينما تقصي الذي يستحيل أن تنتخبهم، ستبقى أمامك سبعة قائمات على الأكثر مهما كان توجهّك الفكريّ.
ثالث الأسباب هو أن النتيجة معروفة مسبقا، و أن هناك قوتان ستقتسمان الكعكة بفضل اتفاق قوى خارجية إلى غير ذلك، و أعتقد أن هذه أوهن الأسباب، فالغالب على الظنّ أن التزييف لن يحصل (إلا بمقدار ما سيحدث من انتهاكات معزولة هنا و هناك) و أن الدعم إن وجد (و أنا أؤمن بوجوده) فقد وجد قبل يوم الأحد، أموال، طرق عمل و مناهج لكسب الرأي العام، إعلام، حروب نفسية، تجييش المشاعر، الخ الخ.. ترسخت بالفعل فكرة أن الانتخابات بين شقين كبيرين و هل أنت معنا أم علينا التي هي ليست غريبة عن الذهنية التونسية، باتت الشعار الأكثر تداولا في صدور الناس. فهل المقاطعة هي من سيغير هذه المعادلة؟ أم المشاركة و انتخاب شق ثالث يفسد هذه المعادلة؟ أعتقد أن الأمر واضح.
السبب الرابع الذي عاينته، هو رفض المشاركة في المهزلة القادمة. في الواقع، المهزلة حاصلة شاركتَ أم لم تشارك، الفرق هنا، أن مشاركتك قد تعني تقليص حجم المهزلة، أما عدم مشاركتك فلن يعنيَ أنك لم تكون مسؤولا عنها. ثمّ ألا ترى من الأنانية أن تتجنب المشاركة فقط لتشعر أنك "على حق" ؟ أنك البطل الذي من حقّه أن ينتقد نتائج الانتخابات لأنه لم يكن موافقا عليها منذ البداية؟
يجب أن نفهم شيئا هنا، هذه الانتخابات، لن تكون الوحيدة التي ستحصل بهذا الشكل، كل ما سيأتي بعدها، انتخابات بالطريقة نفسها، و بالدستور نفسه، و بالقوى السياسية نفسها (تقريبا) و لو لم تشارك اليوم لهذه الأسباب، فأنت لن تشارك في غيرها لنفس الأسباب، و هذا يعني أنك ترفض هذه المحاولة الديمقراطية من أساسها. الانسان لا يولد كهلا.
سأفترض أيضا أن الجميع قرر المقاطعة، ماذا سيحصل حينئذ؟ تعاد الانتخابات؟ كيف تعاد؟ لماذا؟ كيف سيغير القانون الانتخابي؟ متى؟ ما وضعية المجلس التأسيسي الذي يفترض أن ينتهي بنهاية هذا الشهر؟ ما وضعية الدستور و ما شرعيته؟ من سيمسك البلاد و من يملك أصلا الشرعية لمسك البلاد حينئذ؟ حرب؟ سلاح؟ ليبيا؟ هل المقاطعة حقا أفضل من الانتخاب؟
تريد أن تعلن رفضك؟ تريد أن تظهر غضبك؟ ماذا عن الورقة البيضاء مثلا؟

2 ـ في طبيعة الانتخابات
أتحدث طبعا عن التشريعية، لأنها الأكثر تعقيدا. بالنسبة للانتخابات الرئيسية فهي تبدو سهلة، و مهما فعلت لتقنع الناس، فالمسألة لن تحيد عن فكرة : من هو (هي) الأفضل، من هو(هي) الأكثر مروءة (رجلة) لا غير. أما الانتخابات التشريعية، فنحن نتحدث عن قوائم انتخابية و قوائم مستقلة، و رؤوس أعمال، و أحزاب كثيرة كثيرة. كيف يكون الاختيار وسط هذه الفوضى؟ ربما وجب التأكد أولا من طبيعة الانتخابات.
الانتخابات التشريعية اليوم، تأتي لإنهاء المرحلة الانتقالية الثانية. الدستور موجود اليوم، و المسألة السياسية شبه محسومة، الحديث عن السياسة سيتقلّص شيئا فشيئا، خصوصا مع الحاجة الملحة للتونسيين، للانتقال بالخطاب إلى جوانب أخرى مهمة. مسائل مهمّة كثيرة في المرحلة السياسية لم تأخذ حقّها، مثل الهوية، و الحريات العامة، و حقوق الإنسان، و حتى العدالة الانتقالية غابت تماما عن المرحلة التي يفترض أن تهتم بها أساسا، لكنّ هذا اليوم لم يعد أولوية.
مهمة المجلس التشريعيّ القادم تتعلق بأمرين : تكوين حكومة مهمتها الرئيسية إطعامنا من جوع و تأميننا من الخوف، فنحن لا نزال نطلب هذين العنصرين البدائيين. و الأمر الثاني هو تشريع القوانين الإصلاحية طوال السنوات الخمس القادمة. إعادة هيكلة البلاد تقريبا.
أنت أيها الناخب، ستختار من يقرّر عنك هذين المسألين. ستختار من يصنع حكومة تركز على الأمن و الاقتصاد، و تختار من يكتب القوانين الاصلاحية الملائمة للبلاد.

شاءت الأحزاب و المجلس التأسيسي و خبراء الانتخابات و أصحاب السوابق و الخبرات، و السادة العظام أن يعتمدوا نظام انتخابات القوائم، مع احتساب أفضل البواقي بالنسبة للقوائم الخمسة الأولى. لا، لن نناقش النظام و مساوئه لأنه من الماضي، و لأننا لن نغيره قبل اربعة أيام من الانتخابات، لكن ربما علينا أن نفهم ماذا يعنيه هذا النظام، و ماذا يترتب عنه.
نظام القوائم يعني أن النتائج ستسيطر عليها الأحزاب، فالمستقلون لا يمكن أن يواجهوا الآلة الحزبية الضخمة. كم من مستقل وجد له مقعدا في المجلس التأسيسي ؟ نفر قليل، و أقلّ منهم أولئك الذين سينتخبهم الناس في هذه المرة. يصعب على المستقلين أيضا أن يقدموا مشاريع قوانين تستند إلى دراسات معمقة، ذلك أنهم لا يملكون الموارد البشرية الكافية لإعداد هذه الدراسات. المسألة دوما متعلقة بالموارد البشرية، العمل الجماعيّ أكثر نجاعة. ربما تجد من بين المستقلين صوتا نورانيا صادقا الخ الخ لكن هل النقاء وحده ينفع في مناقشة شروط القروض الدولية؟
نظام أكبر البواقي أيضا مهمّ، فهو يعطي شيئا من التفضيل لفكرة اقتسام المقعد بين عدد أكبر من القوائم، لكنّه ـ عكس انتخابات المجلس التأسيسي ـ عدد محدود أيضا، لأن المستفيد من أكبر البواقي في كل دائرة انتخابية لن يتجاوز الأحزاب الخمسة الاولى. لذلك، أعتقد أننا لن نجد أكثر من 10 أحزاب في المجلس التشريعي القائم، ربما خمسة من هذه الأحزاب لا يحصل مجموع مقاعدهم ال10% من العدد الجملي. لذلك نظام الانتخاب، يدعوك أن تفكر بالأحزاب العشرة الأكثر حضورا و شعبية (حتى لو كان أغلبها قذرا، اتفقنا على هذا) حتى لا يذهب صوتك سدى.

أخيرا، و هذا الأهم، فالانتخابات أيضا تقوم على الدوائر الانتخابية و هي دوائر جهوية، لذلك فالمرشحون لا يمثلون في البرلمان أحزابهم فقط، بل أيضا جهاتهم. لذلك يجب التفكير في كل هذه العوامل قبل الاختيار. الحزب أم الشخص؟ الجهة أم الوطن؟ التصويت المفيد أم التصويت العاطفيّ؟ التصويت على أساس البرامج أم على أساس الإيديولوجيا؟ الأسئلة لا تزال كثيرة!

3 ـ في التصويت للأحزاب أم للأشخاص
كما ذكرتُ سابقا، فإن العمل الفرديّ لا يمكنه أن يقدم أو يؤخر. شخص واحد لا يمكنه أن يقدم مشروع قانون متاكل ضافي الجودة. و شخص واحد لا يمكنه أن يضمن تمرير قانون بمفرده. العمل التشريعيّ ليس فرديا و لا يمكن أن يكون فرديا لذلك فالشخص الذي ستختاره سينضوي حتما تحت كتلة برلمانية لم تتكوّن قبل اختيارك و بذلك لن تعرف خياراتها و أفكارها و أهدافها. أما الحزب، فأنت تعرف مسبقا مبادئه و أفكاره و الشخص الذي ستنتخبه سيلتزم بتلك الأفكار و يمضي فيها خلال تصويته.
يلتزم؟ مهلا، هنا يجب أن نسترجع التجارب التي عرفناها في المجلس التأسيسي، العواصف الهوجاء التي تقتلع أعضاء الأحزاب و تلقي بهم في أحزاب أخرى. نواب كثر تسكعوا بين أحزاب كثيرة، و منهم من باع نفسه لمن يدفع أكثر، بعض الأحزاب لم تحصل على مقعد واحد، و لكنّها مع ذلك تضمّ أكثر من عضو في المجلس التأسيسي. هذه التجربة لا يجب أن تُنسى حينما نفكّر في الانتخاب. اختيار الحزب لا يجب أن يلغي قيمة من يمثّل ذلك الحزب. حينما تريد التصويت لحزب ما، فاُنظر أيضا إلى رئيس قائمته، أتراه يصلح أن يمثلك في المجلس؟ (أجل كلهم لا يصلحون، لكن أتراه أقلهم سوءا حقا؟) ما نسبة تأكدك من أنه لن يهجر الأفكار التي نادى بها حينما اخترته؟
النظر إلى رئيس القائمة مهمّ لسبب آخر، فالحزب الذي يعيّن رؤساء قوائمه، يفترض منه أن يقدّم أناسا من ذوي الكفاءة، أن يقدّم أفضل ما عنده من رصيد بشريّ لتلك الدائرة، و حينما تجد أن رئيس قائمة تلك الدائرة ليس مهمّا جدا داخل الحزب، فاعلم أن الحزب لا يركز كثيرا على دائرتك، ربما لا يرصد لها اهتماما تشريعيا في ما بعد، و ربما لا يملك عنها المعلومات الكافية ليهتم بها أصلا. بمعنى آخر، قيمة رئيسة القائمة داخل الحزب، تعكس جدّية هذا الحزب في دائرتك الانتخابية. لذلك فبالنسبة لي، الاختيار حزبيّ، و المعيار فرديّ.

4 - في التصويت للجهة أم للوطن
هناك من يختار الحزب الذي يقدم أفضل الخيارات الوطنية، و هناك من يحكم على الحزب الذي يقدم برنامجا جهويا واعدا. في الواقع المفارقة صعبة جدا هنا. أعتقد أن الخيارات الوطنية اليوم، محدودة بعض الشيء، الجميع يعرفها، و الجميع يتفق على عناوينها. أما التفاصيل فالواضح أنها غائبة عن خطابات الأحزاب. ناهيك أن انتخابات هذه المرحلة كما ذكرت، تتركز أساسا على التنمية الاقتصادية و توفير الاستقرار الأمني و السياسي. منوال التنمية الوطني لن يتغير على ما يبدو مهما كانت الجهة الحزبية الفائزة، لكن الاختلاف سيظهر في الجهات، في مشاريع الجهات و الأفكار المرصودة قبل الأموال. الوطن هو ما تكوّنه الجهات، لذلك فأنا أفضل نوابا يعرف كل منهم جهته فقط تمام المعرفة، على نواب يعرفون وطنهم معرفة عامة لا تغرق في التفاصيل. المسألة لن تكون صراع جهات أيضا، لأن الانتخابات سيكون بين أبناء الجهة الواحدة، من أفضل من يمثلها، من أفضل من يدافع عن المشاريع التي تليق بها؟ تلك هي المسألة.

5 - في التصويت المفيد
فكرة التصويت المفيد تحيلنا على حزب بعينه. و رغم أنني لا أحب الخوض في الأسماء حتى لا أؤثر على أحد، فإنّ هذه الفكرة تقترح منهجية للتصويت، لذلك لا يمكنني أن لا أفكر فيها و أنا أبحث عن حلّ لمن سأصوّت. ما جال ببالي أمران رئيسيان، و هنا سأفترض أنني شخص أريد أن أصوّت ضدّ حركة النهضة، سأتساءل مالفرق هنا بين أن يحصل حزب "ألف" على 30 مقعدا، و حزب "باء" على 20، و كلاهما خصمٌ للنهضة، و بين أن يحصل حزب "ألف" على 45 مقعدا و حزب "باء" على 5 مقاعد؟ الفرق في رأيي، أن الناخب سيخسر خصوصيات حزب "باء" التي هو فعلا مقتنع بها، في صالح الحزب "ألف" التي قد يتقاطع فيها مع حركة النهضة. بمعنى آخر، فتصويته كان مضرّا. الأمر الثاني يتعلق بالحسابات التي تثبت أن الأحزاب الكبيرة تستفيد أكثر من نظام أكبر البواقي. و أعتقد هنا أن المسألة لا تتعلق حقا بأكبر البواقي، فنظام القوائم يشجع على تعدد الاحزاب، و يقلص من هيمنة حزب واحد، و هنا يمكن أن نذكر أن الكثير من المقتنعين بحزب النهضة، صوّتوا للمؤتمر، ما جعله صاحب المرتبة الثانية في الانتخابات، بهذا المنطق، يمكن أن يفيد هؤلاء من وجود حزبين أو ثلاثة، مثلما يمكن أن يتضرروا من تشتت أصواتهم على أحزاب كثيرة. باختصار، التصويت المفيد ليس مفيدا لأن وجود حزب واحد، يشبه كثيرا وجود أحزاب كثيرة. بمعنى آخر، يمكن أن يكون التصويت مفيد، حينما يقتسم التصويت على حزبين أو ثلاثة.

6 - في التصويت على البرامج أم الإيديولوجيا
في هذه حسمتُ أمري منذ فترة، فالإيديولوجيا لا يمكن أن تناقش وسط التعصب، و نحن منذ ثلاث سنين، نعاني افراطا شديدا في التعصب و الشيطنة يجعل من الحوار أمرا مستحيلا، لذلك ألقيت بإيديولوجيتي جانبا و أنا أفكر فيمن سأصوت. سواء نجح الإخوان، أم اليساريون، أو التجمعيون أو حتى يسار الوسط، فالنمط الاقتصادي و الاجتماعي لا يمكن أن يتغيرا كثيرا في السنوات القادمة. مهما كانت الجهة الفائزة، فالنمط الاقتصادي سيظل شبه رأسماليّ، يعتمد على المؤسسات الصغرى و المتوسطة، و يعتمد على الاستثمار الاجنبي و السياحة، مع بعض الدعم للفئات المتوسطة، و المنوال المجتمعي، سيظل ذلك الذي اتفق عليه القوم في الدستور. حتما كل سيحاول الجذب قليلا إلى جهته، لكنّ هذه التفاصيل على أهميتها لن تكون بقدر قيمة أن يجد المرء أناسا قادرين على التنفيذ، قادرين على الانجاز. أنا مستعدّ لأن أختار من يحمل كل الايديولوجيات التي اكره، لو كان هذا الشخص يحمل من الأفكار و المهارة ما يمكنه أن يوفر للوطن استحقاقاته القادمة. و أن يعدّ البرامج التي تليق.

7 - في البحث عن المصطفى
و لا أتحدث هنا عن سيد الخلق صلى الله عليه و سلم، و إنما أتحدث عن الحزب / الشخص الذي سأسطفيه ليمثلني، عن القائمة المناسبة. إنني أعرف خياراتي، لكن كيف أعرف أي المرشحين أنسب لها؟
عليّ أن أكون بسيطا و مختصرا للطرق و المسافات، طريقة الاقصاء جيّدة جدا، حينما تقصي القوائم التي لا تصلح في حدّ ذاتها أن تمثّل في المجلس (بعيدا عن خياراتك) فلن تبقى لك إلا القوائم الممكنة، و سيكون عددها محدودا جدا. و كما قال دُويْل على لسان هولمز : لو استبعدنا المستحيلات، فستبقى الحقيقة مهما كانت غريبة. و أعتقد أنك ستجد نفسك في النهاية أمام شيء غريب فعلا.
أهمّ عنصر أعتمده في الإقصاء هو الجديّة، قائمة ليست جادة، لا تعنيني، يمكن أن تلمس الجدية في أشياء عديدة، بداية باسم القائمة (قائمة البؤساء)، مرورا بمعلّقة القائمة (صور رديئة، تصميم سوقيّ أو بدائي أو يفتقر للذوق). أحقا يمكن أن يحكم المرء على "تفاصيل ثانوية" كهذه؟ في الواقع هذه ليست تفاصيل ثانوية. إن تواصل القائمات مع المواطن يتمّ في الأساس عبر أداتين رئيسيّتين، الأولى هذه المعلقات و الثانية هي الدقائق الثلاث التي تقدم كل قائمة فيها نفسها على شاشة التلفاز. و لأن أصحاب القوائم يعرفون أن هذين الآليتين هما أهم ما يتاح لهم للتواصل، فهم يدركون قيمتهما و يدركون قيمة الإعداد الجيّد لهما. بمعنى آخر، غدا في مجلس نواب الشعب، سوف ينتقي نائبك كلماتك مثلما انتقى تصميم معلقته، و سوف يقترف في خطاباته لاقناع زملائه ما يقترف أمامك اليوم على شاشة التلفاز من أخطاء، و سوف يستنبط الأفكار و المشاريع بنفس الروح التي استنبط بها خطابه القصير، و سوف يتعامل مع خبراء في الاقتصاد و الاجتماع و غير ذلك، في قيمة الخبراء الذي استعملهم لاعداد معلقاته و نشرياته.. لذلك كلّه اُنظر جيّدا إلى المعلقات، و استمع جيدا إلى كلمة الدقائق الثلاث.

8 - في الوعود الانتخابية
الجميع يعد، ما يجعل من الوعود الانتخابية أمرا مضحكا، و تهريجا سخيفا. كيف يمكن الاستفادة مع ذلك من الوعود الانتخابية؟ الوعود أيضا تعكس جدّية المترشحين. حينما يعدك أحدهم بخبز بنصف ثمنه، فمكانه الأنسب مشفى المجانين لا مجلس الشعب. و حينما لا يتقدم أحدهم بوعود للجهة التي يترشح عنها، فهو شخص لا يملك أفكارا، حتى لو قدم لك جردا كاملا بكل مشاكل جهتك، فلا تهتم له. لأن النائب مطالب بايجاد حلول لا بجرد المشاكل [فقط]. أما عرض الحلول، فتكمن جديتها في منطقيتها أولا، و ثانيا و خصوصا، في تميزها عن الآخرين، في اقتراحه لما لم يقترحه الآخرون، فهو في ذلك يعكس بحثا ذاتيا جادا حول مشاكل منطقتك، عوض الاكتفاء بتقليد الآخرين و عرض نفس مقترحاتهم.

اختصارا، الطبقة السياسية سيئة، و من سننتخبهم اليوم، لن يمثلوا الحلّ، لكنّهم خطوة للأمام، لا نملك خيارا أفضل منها، فالأفضل أن نخفف من الأضرار و أن ننتخب عوض أن لا نفعل. يمكن ممارسة سياسة الاستبعاد، استبعاد المستحيل، لترك الممكن مهما بلغت مرارته. يمكن الاستفادة هنا من وضعية الاحزاب و اختيار الاحزاب الأكثر قوة لتبقى في السباق لو خفت من تفرق الأصوات، هذا ليس قط ترجمة لفكرة الانتخاب المفيد التي دعت إليها بعض الأحزاب. تخلّص من الإيديولوجيا و خمم في الركيزتين الأساسيتين اللتين تمثلان المرحلة القادمة : الأمن و الإقتصاد. ابحث عن الأطراف الأكثر جدّية في هذين المسألتين. كن جهويا هذه المرة، لأنك و ان انتخبت برامجا حزبية، فأنت أيضا تنتخب أناسا يمكن أن يتنقلوا بين الأحزاب، و أنت تنتخب برامج جهوية، فالمسألة الاقتصادية مسألة جهوية بالأساس. أنظر ممّن بقي في سباق خياراتك من هو الأكثر جدية عبر التطلع إلى مقترحاته و حلوله و عبر طريقة تقديمه لنفسه (معلقات، خطاب). غمّس اصبعك في الأزرق و لا تندم، فمهما كان اختيارك خاطئا، فقد كانت نيتك سليمة، و لسوف نتعلم يوما.



23 تِشرين 2014

انشر و لك الأجر :D

Translate