Friday, September 26, 2014

حديث الجميلة و الوحش

حديث الجميلة و الوحش سهل قصير، كلما شددتَه و ضغطت عليه، انكمش أكثر و غاص في نفسه حتى لا يبدر منه غير وجه الجميلة و زمجرة الوحش، و كلاهما كافيان لتبيّن كل ما في الحكاية من نفاق توارثه الأوّلون. لكنّك لو تمعّنت فيه و أخذت تلوك عناصره لاتسعت رقعة الكلام، و لعلمتَ منه ما لم تعلم. ففي القراءة فنّ يقارب في إبداعه فنّ الكتابة، حتّى إنني لا أملك أن أحدّد طبيعة هذا القول، إن كان قراءة أم كتابة، لكنّه في كلّ حال، لا يحترم قواعد الكتابة و لا يكترث لمنطق القراءة، فلا تنشغلوا ببنية القول و لا تبحثوا عن خصائصه، و كفاكم التّفكّر، فبعضُ البناء أثمنُ و أنفسُ إن تقوّضَ، و بعض الـ...
"هدوءا يا سادة!"
أطلق ديزني Disney هتافه المرح، و راح يتأمّل كتّابه البارعين في رضا و حماس. هؤلاء هم من صنعوا بأفكارهم و عرقهم اِمبراطوريته التي لا تغيب عنها ضحكة الأطفال، هؤلاء هم كنزه الذي جعل منه أيقونة سيحفظها التاريخ. فتل شاربه الرفيع و قال بوداعته الأسطورية : لا أريد بداية أدبية عميقة أو باردة. لا أريد بداية مخيفة كتلك التي قدمتها الكونتيسة دي بومون De Beaumont. أريد شيئا يدخل البهجة على قلوب الصغار. أريد ألوانا زاهية كثيرة، و موسيقى. أجل! أريد موسيقى! ما رأيكم بغنائية نقدّم بها سياق القصة؟


و الحقيقة أن الحياة التي تحياها الجميلة في قريتها الصغيرة لا تليق أبدا بغنائية كتلك التي في مخيلة الرجل. إنّنا نتحدث عن قرية نائية في منطقة الروشيل La Rochelle في القرن الثامن عشر، حينها باتت الثورة التي غيّرت وجه العالم على مشارف سنوات قليلة. فهل لكم أن تتخيّلوا حجم عذابات فتاة جميلة وسط عالم كهذا؟ لا تفعلوا، اُتركوني أرسم لكم ذلك.

حسنٌ، لنبدأ بوالدها. لم يكن الرجل سيئا جدا معها. ربما كان يفضل ولدا يساعده في ورشة النجارة، لكنّه قنع بتكفّلها بتلك المهام الثانوية البسيطة التي ترفع عنه الحرج و تمكّنه من شيء من الوقت. و بينما تشرف الفتاة الصغيرة على الطبخ و الكنس و الغسيل و البستنة و قتل الفئران و الأفاعي و صيانة الأبواب و التزويق و طرد المتسوّلين، ينشغل الأب بالمهمة الأكثر صعوبة : مزاولة مهنته في ورشته و الحصول على المال. لكنّه مع ذلك صابر و تجلّد و اكتفى بما تقوم به الفتاة ريثما يحين وقت المهمّة الأعظم : الزواج.
و لأنه امرؤ يقدّر المقادير فيصيب، فلقد عرف أن ابنته ليست بطنا وجب التخلّص منه عند أقرب خاطب، و إنما هي بذرة تبشّر بصفقة قد تغيّر حياته. و قرّر الرجل لذلك عدم التفريط في ابنته إلا لو طرق بابه ثريّ حقيقيّ. إن هذا الجمال الذي يتشكل أمامه كنز ثمين، و إنه سيغامر بالانتظار و لو لسنوات من أجل حلمه. الناس يتكلّمون؟ ومتى لم يفعلوا ذلك؟

الناسُ ثانيَ عذابات الجميلة. تمنحهم ابتساماتها العذبة، و تحيتها الطفولية الخجول، و طيفها الرشيق كنطّ الغزال، تسحب ستائر الليل عن طرقات القرية و ترسم في أركانها نسائم الصباح الأولى، فيسارع الرجال في الخروج إلى أعمالهم طمعا في صوتها، أو صورتها، أو ريحتها التي تشي بمرورها. يمتنّون للحياة التي منحتهم كلّ ذلك سرّا في قلوبهم، و تمطّ نساؤهم شفاههنّ في حنق و حقد. و ما إن يذوب آخر عبق للفتاة في المكان، حتّى تحلّ الشياطين محلّها، و تشرع في عملها في قلوب البشر. إشاعات، أقاويل، حكايات تتنافس أيها الأكثر هولا.. كلّ رجل من هؤلاء يتمنّى لنفسه الجميلة، و يعلم علم اليقين أنه لن يظفر بها إلا في أحلام اليقظة، (ففي الليل زوجة قد تكشف أمره)، و كلّ رجل من هؤلاء يعلن أنه لا يرغب في الجميلة و أن ما خفي وراء مظهرها الجميل ما يروّع المؤمن من أمثالهم. إنها القصة نفسها التي تتكرّر منذ عصر هيلانة.
تتسابق النساء في احصاء عيوب جسمها، و يتسابق الشباب في حفظ تضاريسه. بينما راح الرجال يتراهنون حول ذلك الذي سيظفر بها. كانت المراهنات ترجّح كفّة "غاستون" Gaston زينة شباب القرية. و كان "غاستون" ثالث عذابات الجميلة.

"من هو غاستون يا سيّدي؟"
تلقّى ديزني السؤال من أحد عباقرته فلم يفهمه، نظر إليه مستفسرا فأضاف موضّحا :
"لا أجد غاستون هذا في القصة الأصلية، من تراه يكون؟"
"غاستون هو فكرتي عن شرير هذه القصة. تعرفون أن الوحش هنا هو البطل، لذلك يجب أن نقدّم نقيضا للبطل، يحاربه و ينتصر عليه." 
"لكنّ البطل هو الجميلة هنا يا سيدي"
"البطل هو من يقرّره دافع راتبك يا فتى، الجميلة هي الشخصية التي ستتماهى معها الفتيات الصغيرات، الوحش و غاستون هما الآخر الذي سيتعلّمن كيف يحكمن عليه. هذا هو الدرس الخالد. لا يجب الحكم على المظاهر. إذا غاستون سيكون نقيض الوحش حتى نقدّم المثال المعاكس."
كان ديزني بليغا، و دقيقا شأن كلّ الأمريكيين، و حينما رسم غاستون، لم يبدُ بين وسامته فرق كبير مع هرقل سليل الآلهة، كان وسيما، قويّا، فارع الطول، نافر العضلات، في عينيه ذكاء و غرور لا ينطفئان، و في قلبه تعلّق شديد بالجميلة لا يجهله إلا غريب عن القرية. الجميلة هبة غاستون. هكذا كان الجميع يعتقد. كلاهما جدير بالآخر، كلاهما يليق به. و صار القران مسألة وقت فحسب. و لأنّ العمر أخذ يتقدّم بالجميلة، فلقد كثر الهمس، و اختلفت التأويلات. كانوا يلحظون حيل الفتى للتقرّب منها. حيل خائبة، لكنّها صادقة تفضح رغبته القويّة. و لم يشكَّ أحدهم أن أمرا ما غريبا يدور بعقل الفتاة. في الحقيقة، كان ما يدور بعقلها آخر عذاباتها و أشدّها وطأة على نفسها.
تقول ابنة النجّار لنفسها إن غاستون على ذكائه جاهل لا يكاد يجيد قراءة اسمه، و إن شغفه بالكتب مثل شغفها هي بلعبة البايسبول. هي لا تعرف لعبة البايسبول لأنه لا وجود لها في تلك الفترة، و لكن من قال إن غاستون يشعر بوجود شيء اسمه الكتب؟ لسائل أن يسأل عن قيمة أن يكون العريس مثقّفا حين تكون العروس فتاة ريفيّة مغلوبة على أمرها. و لكن لو أنّه اطّلع على مكامن قلبها لأدرك أنّ الكتاب حجة واهية، و أنه صورة معقلنة تقنع بها نفسها ليس إلاّ. فللنساء غريزة أكثر عمقا و أكثر تجرّدا تتجاوز سطحية العقل و حِجاجه الساذج. 
هكذا بحدس نقيّ تعرف أن غاستون ليس الرجل الذي يريده جسدها. اُنظري يا جميلةُ لهذا الصيّاد الوسيم. أيبدو شرسا؟ أيبدو فحلا حقيقيا؟ أليس فيه شيء من رقّة النساء و رهافتهنّ؟ أهذان الذراعان خشنان بما يكفي ليسريَ خدر الحب في جسدك الغضّ؟ كلاّ إنه غير كاف.. كانت كلّما تخيّلت نفسها بين ذراعيه، أحست بنقص لا يمكن إشباعه، و لا يمكن تفسيره، لكنّ الكتب تقول : حدس النساء لا يخيب!

كذلك حاولت الجميلةُ أن تتجنّب الصياد العاشق ما استطاعت، و كذلك حاولت أن تقنع والدها بأن غاستون لا يليق بها، و من حسن حظّها أن والدها يشاطرها الرأي و إن اختلفت الأسباب.
لكنّ حياة المرء في جماعة صغيرة كحياة الولد الصغير في عائلته. ترف الحريّة فيها ضيق و عسير، و الجميع له عندك حقٌّ. يقول بن خَلدون : كلّما قلَّ أفرادُ المجموعة، كلّما اشتدّت لحمتهم و تقاربت نفوسهم و سرت كلمة الغلبة فيهم سريان الحكم الذي لا يُرجع فيه. رأيتُ القولة على صفحات الفايسبوك، لذلك فهي حتما صحيحةٌ..
أما أهل القرية فما كان همسهم ليتجاوز حدوده، و الوشاةُ كثرٌ يتسابقون لنيلِ رضا الصيّاد المتجبّرِ، و كذلك الوشاةُ في كلّ زمن. لكن ما كان ذلك ليخفى على الأب كليمان Clément و الاعترافات تأتيه من كل ركن من القرية. يقوم الأبُ في ذلك الزمن، بوظيفة المشرف العام على قاعدة بيانات فايسبوك في عالمنا الحاضر، حيث تتجمّع عنده أسرار الخلق و فضائحهم، و يكتفي هو بالربط المحكم بين شظايا الكلام و التنسيق بينها ليجد أمامه قصة العالم بأدق تفاصيلها.. هو الآن ـ أعني الأب لا المشرف ـ يعرف أن الموضوع قد زاد عن حدّه و أن عائلات هنا و هناك قد تتفكّكُ بسبب تهافت الناس على الفتاة و انشغالهم بها. إن من شاهد فيلم "مالينا" الشهير، يعرف عمّ أتحدث جيدا.

"يجب أن تتزوّج الجميلة"
قال ذلك لوالدها في لهجة تقريريّة لا تدعو إلى النقاش. هل إنّ الأب كليمان هو من يسطّر قيم القرية؟ أم إنّه واجهة بشريّة للقيم التي سطّرتها القرية لنفسها؟ يبدو السؤال مربكا، لكنّ ارتباك والد الجميلة كان لسبب آخر تماما. في النهاية قرّر أن يصارح الأب برؤيته الطموح.
"إنّ العيب يا أبانا، أن نلقيَ بهبة الربّ على قارعة الطريق. لقد تعبتُ في تربية الفتاة و ها أنت ترى كيف أينعت، أفلا أجازى بخير من الصياد؟ و هل أرض الربّ إلا هذه القرية الفقيرة؟"
كلماته الماكرة وجدت لها طريقا سهلا إلى قلب القسّ، من قال إنّ التلاعب بالكلمات لا يحدث إلا في الاتجاه المعاكس؟ فكّر الأب كليمان قليلا، قبل أن يقول في تردّد :
"يقال إنّ في تخوم الغابة قصرا عظيما لا تعرف نهايته، فيه مخلوق رهيب، لا يبرح مكانه قطّ، لكنّ ماله كثير و الأهمّ من ذلك أنه لا يلقي لكثرة ماله بالا. قد يدفع بسخاء من أجل أن لا يظلّ وحيدا."
فكر والد الجميلة طويلا، إن القسّ يعرض عليه نفي ابنته تماما، ربما هو يقترح عليه إعدامها مقابل المال.
"إنّه قدرُها يا بنيّ، و عليها أن تواجه أقدارها."
لا يعرف الكثيرون دور الأب كليمان في لقاء الجميلة و الوحش، ربما لأنّ مقصّ الرقابة قام بهمّته في زمن لايزال للكنيسة فيها بعض هيبة، أما في نسخ القرن العشرين..
"لحظة يا سادة! اسمحوا لي أن أذكّركم أنني أقدّم قصة أطفال بهيجة. "أوكاي" شيطنة رجال الدين أمر جميل و لكن لا داعيَ له هنا. فكرة أن يبيع الأبُ ابنتَه ستجعل الأطفال مروّعين من آبائهم و ستسبّب لهم عقدا نفسيّة، أنا هنا للتسلية فحسب."
"ماذا نفعل إذا؟"
"أنتم خبراء في تصوير لعبة الحظ، تفعلون ذلك دائما مع توم و جيري، 'كومووون'! اجلبوا ليَ الجميلة إلى منزل الوحش!"

و قبل أن يبدأ الرجالُ عملهم الدقيق، استطرد ديزني قائلا :"لحظة واحدة، ربما كان عليّ أن أبديَ هذا منذ البداية، لكنّني تردّدت طويلا قبل أن أحسم أمري. شكل الجميلة لا يروق لي كثيرا يا سادة. أوكاي، للفرنسيّين فكرتهم الغريبة عن الجمال، خصوصا في القرن الثامن عشر، ربما يعود ذلك للأجبان الكثيرة التي يقبلون عليها، لكنّنا سنجري تعديلات بسيطة، لا داعي لأن يكون جسمها ممتلئا بهذا الشكل المبتذل، ثم إنّ فيه مفاتنا لا تليق بقصص الأطفال. أريدها أكثر نحافة، و طولا."
والت ديزني ذكيٌّ و يعرف نواميس متعة الإستهلاك المرئيّ. و معه، تتحول الريفيّة الفرنسية الجميلة، إلى فتاة أنيقة أقرب إلى إليزابيث تايلور، ملهمة هوليود التاريخية. فكّر أن يسحب منها كتابها الذي تصرّ على اصطحابه دائما لكنّه لاقى معارضة كبيرة من فريقه. مشكلة الكتب أنها تنافسه في تقديم المتعة للأطفال، و من العيب أن يقدم لها إشهارا مجانيا، بل هي الرذالة بعينها من منطق رأسماليّ. لكنّه كليبراليّ عريق، يحترم الديمقراطية مثلما يحترم الرأسمالية.

تبدو الجميلة الآن أكثر تألّقا و اندفاعا و تحرّرا. و بدا من الصعب إخضاعها لنواميس القرية، لذلك تلعب الصدفة لعبتها الخالدة، ليجدَ والدُها نفسه سجين الوحش، بينما يلوذ حصانه بالفرار حتّى إذا بلغ منزل سيده، كان دالّة الجميلة إلى قصر الوحش المهيب. و تدخل الفتاة في شجاعة نادرة إلى القصر الذي بدا مهجورا، و مسحورا، حتى تنتهيَ بها المغامرة إلى الالتقاء بأبيها و من ورائه سيد القصر المخيف. و ما يهمّنا من هذا القسم من الحكاية إلا تلك المقايضة الشنيعة و الغريبة التي قدّمها ديزني ببرودة القتلة. و إذا بالأب المنكسر الحزين يترك ابنته الجميلة الغضّة بين يديْ الوحش و يلوذ بالفرار. هل رأى أحدكم بربريّة مثل هذه؟ إنّ فكرة بيع الفتاة لتبدو فكرة طبيعية أمام هذا المشهد المقزّز، بل إن فكرة بيع الفتاة للوحش كانت أساس القصة الأصلية التي قدمتها دو فيلنوف De Villeneuve. و منذ أن كنّا أمام صرخة امرأة في وجه رجال يقرّرون عنها مصائرها، إذا بنا أمام صورة لا إنسانية للحبّ تعشّش في قلوب أطفالنا، صورة يتشبّث فيها الهرِمُ بالحياة مقابل أن يكون الشابُ فيها قربانا. هل تذكّركم هذه المقابلة بمكان ما من الأرض عزيز؟ ليس ذلك موضوعنا على أية حال..
ميزة الثقافة الأمريكية أنها تتجاوز الصورة الفجّة البدائية التي تجزع لها النفوس البسيطة، ذلك أنها تحتاج إلى خيال مفرط لتبيّن هولها. مشهد رأس مقطوعة مثلا، هو مشهد مرعب و لا يحتاج المرء أمامه إلى الكثير من الشعيرات العصبية ليتبيّن ذلك. أما رئيس شركة أدوية عالمية، فهو ببدلته الأنيقة و كلامه المنمّق الرقيق، و كومة شهائده المعترف بها في كل شبر من الأرض، يحجب عن أذهان البسطاء قائمة الأوبئة التي أطلق عقالها لتحصد آلاف الأرواح في بلاد الجهل و الفقر. إننا سنظهر تقديرا كبيرا لقائد مقاتلة لا نعرف كم أطلقت من قنبلة عنقودية أو فسفورية على الأرض و البشر، ربما يعتبره بعضنا رمزا لتقدّم الإنسان و تفوّقه، بينما نتخلع قلوبنا لرؤية ذلك الذي يمارس بأيديه ما يمارسه الطيّار بضغطة زرّ، و إن كان الثاني أكثر دقّة و أقل فتكا بالأرض و الطبيعة..
هكذا يتخلّى الوالد المحبّ المسكين بقلب محترق عن ابنته من أجل أن يعيش هو، و هكذا تبدأ حياة الجميلة في قصر الوحش..

خصّص المخرج الفذّ قاعة مكتبة ضخمة في قصر الوحش، كلّفت المنتج ثروة صغيرة، و رغم تذمّر ديزني في البداية من تعلّق الجميلة بالكتب، فلقد وجد في النهاية أنها طريقة مناسبة لإثارة اهتمام الجميلة بشخصية الوحش. إنه على عكس "غاستون" مثقّف و يقرأ الكتب. هل يعني ذلك أنها تمضي الوقت في الحديث عن كلام الأولين و مناقشة مقالة المنهج؟ كلاّ، و لكنّ أغلب النساء يحبّذن حَملة الكتب مثلما يحبّذن الزمرّد أو حقائب اليد شانيل Chanel. هل شعُر أحدكم أن الوحش يملك شيئا من الحكمة أو الثقافة؟ كان دوما منفعلا، متوثّبا، حانقا، صارخا، ساخطا، لم تعلّمه مكتبته الضخمة فنّ التعامل مع النساء و لا علّمته الزهد فيهنّ، بينما الجميلة العميقة الفهم، تلك التي لا تنظر قط إلى ظواهر الأمور، لا تلحظ ذلك. يكفي أن يملك الرجل مكتبة ضخمة حتى تؤمن أنه يهتمّ للقراءة و يمارسها. لا توجد مظاهر هنا أبدا!


لكنّ المتمعّن في حقائق الأمور و بواطنها يعرف أن مشاعر الجميلة أعقد مما يبدو بكثير. من الطبيعيّ أن الخوفَ كان مسيطرا على الفتاة المسكينة، بالأمس كانت تفكر بأمر كعكة التوت البريّ التي تحاول تعلّم طبخها، و اليوم هي بين يدي وحش رهيب يملك أن يجعل من جسدها كعكة التوت البريّ إياها. كانت خائفة و إن لم تبدِ جزعا، و كان خوفها يعود إلى جهلها لما ينتظرها. إن المجهول هو كلّ ما يخاف منه الإنسان في النهاية، الليل البهيمُ، الحشرات التي لا نقدر على تبيّن ملامحها أو التنبؤ بسلوكاتها، ذواتُنا..
و مع بداية تغيّر سلوك الوحش، و محاولاته الفاشلة أن يبدوَ على شيء من التحضّر، بدأت الجميلة تألف فكرة وجودها في ضيافته الإجبارية، و بدأت تكتشف في نفسها أشياء ما كانت لتعرفها من قبل. فالرجفة الخفيفة التي تهزّ جسدها حينما تسمع زمجرته، لم تكن رجفة خوف، و ذلك التموّج الصاخب بداخلها كلما تخيلت قدرات الوحش الكامنة وراء هدوئه المصطنع، ليس نتاج التهيب من الخطر. و لمّا جاءت اللحظة التي تلقفها فيها و هي تسقط من سلّم المكتبة، أدركت أن الحرارة المنبعثة من جسدها لها علاقة وطيدة بهرموناتها. إن مارد الحبّ فيها يتكاسل مستعدا للنشاط، و هي لا تزال مصدومة، فلتلذ بغرفتها!
أمضت الفتاة فترة عصيبة تحاول فيها تجنّب الوحش قدر الإمكان، فازداد هو حنقا و يأسا. أنتم تعرفون أن الجميلة كانت فرصته الأخيرة ليعود بشريّا. هذه هي الضيفة الأولى التي لا تبدي ذعرا حقيقيا لرؤيته، و كان أمله في اقناعها يتعاظم في كل يوم جديد، قبل أن تقرّر تجنّبه. هل يحبها؟ سؤال خبيث جدا تحاشاه جميع الرواة، فالمقصد من حجز الجميلة عنده، هو أن يعود بشريّا من جديد. فهو يحتفظ بذاكرته، و وعيه كبني آدم، و ذكائه و كل قدراته، بل لقد ازداد قوة و صلابة و شراسة. فما ذلك الذي يبحث عنه في بشريّته؟ صورته الجميلة مثلا؟ لاحظوا أن الرجل لا يزال يحتفظ بذائقته الجمالية الانسانية.. لا، لا تظنّوا بالرجل الظنون، فلقد تعلّم الدرس بعد كل هذه السنين، و بفضل عقوبة الساحرة العجوز، فَهِم أن المظاهر لا تعني شيئا أبدا!

لكنّ سيد القصر كان حقا عديم الفهم بأمر النساء، و ما كان ليفهم سرّ نفور الفتاة و قد بدا أنها تألفه و تهتمّ لأمره. لقد اقتحم الحب قلب الجميلة كأسوإ ما يكون الاقتحام، و فرض عليها من الأسماء أعجبها و أغربها. و إذا بها في شراك هوى مسخ يجزع المرء لمجرّد التطلع إلى سحنته. ماذا دهاها؟ و ماذا ولّد الحب فيها؟ هي التي رفضت أعزّ الرجال مكانة و أحسنهم خَلقا، ماذا وجدت في هذا الرجل مما لم تجده في الرجال؟ أهي عقوبة من الربّ على غطرستها؟ و هل كان لها الخيار؟ ما كان ذنبها إذا وجدت في الصياد رقة لا تليق بالرجال؟ و هل أعجبتك هيئة الوحش الشرسة يا جميلة؟ فوجئت بارتفاع حرارتها و هي تفكر في ذلك السؤال. تلك الزمجرة الخافتة التي تخفي قوة رهيبة، و تلك اليدان اللتان انتشلتاها كأنها لعبة صغيرة.. ابتلعت ريقها و هي تحسّ بشيء ينهش داخل جسدِها. إنها تذوب عشقا في مخلوق لا يشبه البشر، فمن عرف شذوذا مثل شذوذها؟

كانت لا تزال تحاول تجنب الوحش لأنها لا تزال مصدومة من مشاعرها، و تخشى أن تسيء التصرّف فتندم بعد ذلك كثيرا، لكنّ عينيها لا تنفكان تراقبان في هيام و اهتمام حبيبها الغريب. لاحظت أنه يعتزل في غرفة قصيّة من القصر، فأخذها فضول الأنثى القاتل إلى معرفة سرّ الوحش. ها هي القصة المعتادة التي تتكرّر في كل مرة. افعلي كلّ شيء ما عدا هذا. حسنٌ، ما أنا فاعلة شيئا غير هذا! و في غرفة الوحش المحرّمة، وجدت سرّه الرهيب، و عرفت أنه أمير وسيم، مُسخ عقوبة له. و لأن لا أحد يفهم منطق الأنثى العاشقة، فلقد كان انكسارُها عظيما أمام الحقيقة. و قد تتحمل المرأة سجنها أو أسرها، و قد تتحمل طبائع الرجال الأكثر شذوذا، لكنّها تكره أن تُخدع أو أن يتلاعب أحدهم بمشاعرها.
وقف الوحش في أسى و قد عرف أنه جاء متأخرا، رأى وجه فتاة من المحال أن يفوز بقلبها. فقال لها في خيبة و قنوط : اذهبي فأنت طليقة.

لم يكن همّ الجميلة أن يظل الوحش وحشا للأبد، بل ربما فضلت في قرارة نفسها أن يظل كذلك. أليس ذلك هو شكله الذي أحبته عليه؟ لكنها حينما سمعت بحملة الصياد غاستون، للظفر بحبيبها، عادت أدراجَها لتحذيره. و هذه طبعا من لزومات الدراما. غاستون الشرير الآتي لقنص الوحش البريء، هذا الوحش الذي أسرها لأيام طوال بات بفعل الحبِّ، أو بفعل البطولة الدراميّة، ضحية مسكينة.
ديزني ككلّ الأمريكيين بارع في توصيف المعارك لذلك ما من داع لفعل ذلك، إنما هي متعة للناظرين، تسلية لا بدّ منها، حتى يبدوَ مشهد النهاية أكثر "ملحميّة" و إثارة. إن أكثر الروايات ذهبت إلى أن القبلة التاريخية التي حدثت في الوقت بدل الضائع بلغة أهل كرة القدم، هي التي أعادت من فورها الوحشَ إلى شكله الأول. لكنّ النسخة الأولى أكثر دقة و ترويّا في هذا الأمر، ربما لأنها لم تكن للأطفال، أو ربما لأن فكرتها كما أشرتُ سابقا، تتجاوز المغزى التي دعت إليها النسخ المزيّفة الأخرى في ما بعدُ.
لقد عرفتُ قصصا شعبية كثيرة تدعو إلى فضيلة عدم التطلع إلى المظهر، و الاهتمام بجمال الروح و العقل و الخُلق، لكنّ قصة الجميلة و الوحش كما أعيدت صياغتُها، هي الأكثر نفاقا و زورا. بل ربما هي الدليل الأكبر على نفاق البشر حين الحديث عن الجمال. فكان لزاما على الوحش أن يتعلـّم أن المظهر لا يعني شيئا حتى يستعيد مظهره الجميل، و لأن المظهر لا يعني شيئا، فلقد ظل الرجل يقاتل سنين طويلة من أجل استعادته كأنه لم يكن يملك غير ذلك. و في غمرة احتفاء القصة بتبليغ المعنى، تعيد النهاية صورة الوحش الأولى، إذ لا يجب أن يبقى البطلُ قبيحا بشعا، حتى حينما نريد أن نثبت أن البطولة ليست بالمظهر.

أما السيدة دو فيلنوف، فلقد كانت تبحث عن غير ذلك في قصة الجميلة، و لقد حاولت عبر ليالي الجميلة التي قضّتها مع حبيبها الوحش، ما حاولت فعله شهرزادُ مع زوجها شهريار منذ مئات السنين، إعادة الحضارة إلى قلبه. و لأن الجميلة التي وضعها ديزني غير الجميلة التي صاغتها الكاتبة الفرنسية، فإني أرى بعين الخيال نهاية أكثر تعسا و شذوذا مما تتخيله الأولون، لكنّها ـ ربما ـ أقل تعاسة مما قدّمته السينما الأمريكية لملايين الأطفال في العالم، كما فسرتُ.
لقد خرج ديزني من الأستوديو حاملا شريطه، راضيا عن نفسه و عن العالم، تاركا بقية قصة الجميلة تنسج نفسها بنفسها. و مازالت الجميلة تنعم في كل ليلة بوحشها الشرس، الذي يحتوي كل هياجها و اندفاعها و عطشها، و مازالت ملامحه تتدرج في كل ليلة إلى هيئة أقرب لهيئة البشر، حتى إذا بات الرجل أقرب للبشر منه إلى الوحوش، صار عجزه عن متابعة نسق زوجته أكبر و أكثر وضوحا. في داخل هذه المرأة وحش يرسم جمالها ليغري به الرجال، وحش يطلب وحشا مماثلا لينازله، و هو ما عاد وحشا.

لاحظ الوسيم أن زوجته باتت أكثر تبرّما، و أكثر عزوفا عنه، كأنها تواجه ظمأها بالصوم الطويل. و أقرّ لنفسه أنه ربما أخطأ باستعادة هيئته القديمة، فما قيمة الجمال إذا كان الآخر لا يقدّره، بل ربما يبخسه. و كانت الجميلة في ذلك القصر المعزول عن العالم، هي "الآخر" كلّه. سمع تهامس الخدم، و حاول الاطلاع على التفاصيل من دون جدوى، هناك أمر يحدث عنه خفية، و الجميلة باتت أكثر انشراحا و شرودا. ما كانت تقبل عليه كثيرا، لكنّ الحال غير الحال. سرت فيه رعشة الأنفة و الغضب، بحث عن الرجل الخفيّ فلم يجده، طال به التفكير و كاد يضيق ذرعا و يصارح زوجته بشكوكه حولها، لكنّه لم يفعل، لا يهمّه أن يكون لها عشيق بقدر ما يهمّه أن لا يكون مغفلا، فعلى أية حال، لن يكون الزوج المخدوع الأول في عالم الأدب الفرنسيّ. هذا عالم يتزوّج فيه الناس ليداروا علاقاتهم الأخرى. 
لكنّ الجميلة أخفت عنه الحقيقة رحمة به و بها. لقد كانت المرأة صادقة مع نفسها و واجهت حقيقتها بشيء من التجرّد و الصلابة. سألت نفسها السؤال البديهيّ، لماذا تحبّ امراة وحشا؟ و ما فيه ما يميّزه عن البشر غير كونه لم يعد بشريّا؟ إن القراءة فنّ يقرب للكتابة، و ما اخترعتُ شذوذ الجميلة و إنما قرأتُه كما كتبه الأولون. هذه فتاة تميل لغير البشر، و لو كانت غير ذلك لقنعت بغاستون الصياد الوسيم القويّ، لكنّ ما أيقظ مكامن نفسها كان وحشا لا يشبه البشر، و كذلك ظلت، لكنّها رفقا بزوجها، أخفت عنه احتفاظها بالحصان القويّ الثائر الذي بلّغها القصر المهيب، و أخفت عنه زياراتها الخفية إلى الاسطبل، و تجاهلت تهامس القوم، لأنها تعلم أن الحقيقة أغرب من الخيال أحيانا.



فاروق الفرشيشي
انتهت في 26 ايلول 2014

Saturday, September 6, 2014

التقديم في منزل بورقيبة

السلام عليكم،

"عصفور من الشرق."
منذ ستة عشر عاما تقريبا، دخلت إلى قاعة المكتبة العمومية بمنزل بورقيبة لأول مرة. هذا ليس حدثا فريدا طبعا، لكن كنت أحسّ و أنا أخطو خطواتي الأولى بين الرفوف المزدحمة أن كل وسائل الإعلام تتبعني في جولتي، تلتقط صوري مع توفيق الحكيم، و نجيب محفوظ، و علي الدوعاجي، و جان راسين و موليير. كانت تلك البطاقة الصغيرة التي حرمتُ منها سابقا لأنني لا أزال تلميذا في المدرسة، تجعلني أشعر أنني أهمّ شخص في العالم، و أنني قاب كتابين أو أدنى من الحقيقة التي ضحى بروميثيوس من أجلها. بعد هذه السنين، أعود لأضيف كتيبا صغيرا إلى الحقيقة.

"لن تحدث حرب طروادة"
 قرأتُ كثيرا من هذه المكتبة، نهلت الكثير من صفحاتها، اشتكوت من نقائصها و هي كثيرة. طلبتُ المزيد من الكتب، انتظرت الجديد منها، رغبت أن أتصفح عناوينها رقميا، بعض النسخ مهترئ إلى حدّ التلف، و بعضها اختفت صفحاته بفعل فاعل، لكن الدخول إلى هذه القاعة فقط، كان مثل دخول المرء اليوم إلى شبكة الإنترنت، إذا ما حذفنا من الانترنت مواقع الدردشة و التنصّت الاجتماعيّ و جعلنا غوغل أكثر بدائية بكثير. كانت الدخول إلى هذه القاعة مثل الدخول إلى العالم، بل ربما كان الخروج منها خروجا من العالم..

"ثرثرة فوق النيل"
عدتُ و بيدي كتيب صغير من مائة صفحة و نصف المائة من الصفحات، أخرجتُه منذ سنة تقريبا عن دار ورشة19 للنشر، و هي دار نشر حديثة النشأة يحاول صاحبها أن يخطّ طريقا موحشا و صعبا بل مضنيا، من دون كتب مدرسية موازية، و من دون ملصقات و لا منشورات من قبيل "كيف تصبح نجما في أربعة أيام". بدأتُ في كتابة هذه المجموعة القصصية سنة 2007 و انتهيت منها في بداية السنة الماضية بكتابة الأقصوصة العاشرة "المصلحة". و مثلها مثل أخواتها التسع، حملت الأقصوصة ما حملت من هذه المدينة و من وجوه أناسها، و من وجوه مبانيها و نظامها و أحداثها، بعضها حمّلته قصدا و بعضها اتخذ له مجلسا بين السطور عنوة و أحيانا دون أن أعي. لكنني مع ذلك لا أشعر أنني كتبت ما يكفي عنها، و لعلّني فاعل ذلك غدا، فهذا المكان الذي قدّم لي ذلك الكم من القراءات و العوالم، له من العناصر و الثراء ما يكفي لأن يصبح كتابا يقرأه الآخرون في مكتبات أخرى.

"حليمة"
أعود بهذا الكتيب و أنا أعرف قيمة ان يتخذ له مكانا بين رفوف المكتبة. على هذه الأرض الطيبة، حيث يكسل الناشر عن نشر كتبه، و الموزع عن توزيعها، و حيث يفضّل الكتبيّ أن يهتمّ بأدوات التلميذ و بالكتب الموازية، و حيث لا تجد سبيلا يذهب بكتابك إلى أطرافها (أطراف هذه الأرض)، و حيث يبخل جيب المواطن بثمانية دنانير على الأدب و على الكتابة، فربما كانت المكتبات العمومية أهم وسيلة يجد فيها الكتاب له قرّاء.
هل يعرف القائمون بالشأن الثقافيّ قيمة المكتبات العمومية؟ و هل هم على وعي بطبيعة العلاقة التي تربط هذه المكتبات بالمواطنين؟ هل توجد دراسات جادة تبحث سبل دعم المطالعة العمومية، لا للأطفال، و إنما للشباب و للكهول الذين نعتبرهم للأسف "فات فيهم الفوت" ؟ لا أملك اجابات دقيقة، و لكنني أملك شيئا من الأمل، و من الرغبة في المقاومة رغم كل هذه العوائق. مثلما يقول توفيق الحكيم "أملي أكبر من جهدي، و جهدي أكبر من موهبتي، و موهبتي سجينة طبعي، و لكني أقاوم.."

"عودة الروح"
هو اسم كتاب مثله مثل غيره مما ذكرت، جادت به عليّ هذه المكتبة العمومية، و لا أزال أذكره و أذكر لحظات الانفعال الجميلة التي أهدتها إياي تلكم القراءات. اِسمحوا لي أن أشكر ختاما أناسا ما كنتُ لأجلس مجلسي هذا لولاهم، شكرا صفاء، و غادة و كامل مجموعة Key-Tab التي عملتُ معها على هذا اللقاء منذ بداية السنة، كما أشكر غيث و نادي المسرح للقراءة التي قدموها، أما سي فتحي الدريدي مدير دار الثقافة بيرم التونسي، فأنا أستحثه على مواصلة مشروعه الجدّيّ الذي يريده لهذه المدينة، مشروع عناصره ثورية تقوم على الشباب، و الأفكار الجديدة، و الاستقلالية و الجودة. يبقى جهد التطبيق و الصبر الطويل، لكنني مؤمن و متفائل.

اقرأوا يرحمنا و يرحمكم الله، اقرأوا يرحمنا و يرحمكم الله. 
فاروق الفرشيشي
منزل بورقيبة في 
6 أيلول 2014

Thursday, August 21, 2014

سنة على الخروج عن الخط

هذه ليست مساحة للشكوى و البكاء، أصلا أشمئزّ من تسوّل الكتاب و عويلهم المستمرّ، أعتبر دوما أن الكاتب قادر على بذل جهد أكبر و فرض نفسه لو درس الساحة جيدا. بالنسبة لشخص مثلي لا يستثمر من الجهد إلا ما الحدّ الواجب تقديمه لا غير، فهذا ما اعترضني : 

الكُتبيّ : يمكن أن تصل نسبة ربحه الى 35% لو تسلم النسخ مباشرة من الناشر، مع ذلك هو لا يفضل أن تتكدس عنده النسخ (هو لا يشتريها أصلا، هو لا يدفع ثمنها إلا بعد أن يبيعها) اصلا هو لا يحبذ بيع أدب الخيال. يفضل عموما الطباشير و العطورات، و الكتب المدرسية في موسم العودة موعد رزقه الأكبر. أدب الخيال بالنسبة له يعني شيئا واحدا = قصص الأطفال التي يطلبها المدرسون.

الموزع : يحصل الموزع على نسبة تقارب النصف من ثمن البيع (يقتسمها مع الكُتبيّ) مقابل ماذا؟ مقابل أن يحمل بعض النسخ من جملة ما يحمل في شاحنته إلى المكتبات. أي أن كلفة النقل تكاد تكون صفرا، مع ذلك، هو لا يفعل، و يفضل أن يكدس النسخ في مخزنه، ما يستهلك من ماله و موارده. قد تنضب النسخ من المكتبة، لكنه لا يهتم، لا يسأل، و لا يبعث بنسخ جديدة..

الناشر : صاحب حقوق التأليف و البث و التوزيع و التصرف و التملك الخ الخ.. لو أن له مشروعا ثقافيا، فأنت شبه محظوظ. في حالتي، أنا شبه محظوظ فعلا، لكن "الشبه" مجالها كبير نوعا ما. الرجل يواجه مصاعب مالية، له بعض المنشورات، أكثرها مبيعا ـ قدر ما لاحظت ـ كتابي المتواضع، المركون في خزائن موزعه الثاني، مع ذلك لا يحرك ساكنا. "ماذا تريدني أن أفعل" هو كل ما يملك قوله. الغريب حقا، أنه هو من يخسر ماديا، و ليس أنا. هو الذي يحتاج إلى الربح المادي و ليس أنا.

الإعلامي : لأنني لا أملك أن أتصل بالقنوات التلفزية، أصلا لا أعرف برنامجا واحدا يصلح. فقد حاولت قليلا مع الصحافة و الإذاعات، بعضهم أصدقاء لطفاء، ما إن تحدثهم عن الأمر، حتى تنشق الأرض و تبتلعهم تماما. طبعا لست من الصنف اللزج، أحد الاذاعيين قال إنه يكرس برنامجه للشباب، لذلك فقد تكرم عليّ باستضافة خاصة : سجل بعض مقاطع من الكتاب بصوتي، و قال إنه سيبث المقاطع. لا أعرف ما حصل لأنني لم أتابع البرنامج.. ثم إنهم جميعا يتمسكون بتلقيبك بالـ"شاب" إلى درجة تجعلك تحسب نفسك مغني راي لا كاتبا.

النقاد و أهل الادب : طبعا ستجد منهم التشجيع على سبيل المجاملة، لا شيء أسهل من الكلمة الطيبة عندهم، حينما تسألهم الخوض في الكتاب، ستفاجئك جدّية أغلبهم.. أحدهم أفردت مقالا كاملا في الإجابة عن قراءته العميقة للكتاب. عميقة إلى درجة أنه قرأ كلمة "سطح" كما نقولها بالعامية، و نهرني عن استعمال العامية. لم أعرف ما أقول له، كيف أكتب "سطح" بالفصحى دون أن يقرأها هو بالعامية؟
بعضهم يقرأ لك على أنك "الشاب" فلان، تجده لم يفهم حتى الحكاية لكنه مع ذلك يمطّ شفتيه في امتعاض عميق و هو يحلّل و ينتقد..


نوادي الأدب و الجمعيات الثقافية : هي الأكثر فاعلية، و الأكثر حماسا بين كل أطراف الحلقة، خصوصا إذا كان القائمون عليها من الشباب. خلال تجربتين مع نواد مشرفوها كهول، كانت النتيجة في المرة الأولى كارثية تماما، ربما توفر الامكانات و رغم كون المناسبة، هي الأكبر و الأفضل بالنسبة للكتاب. أما في المرة الثانية، فما كان ليكتب لها الولادة (كما الاولى) لولا بعض الشباب المتحمس. نوادي الكهول تملك الأموال و العلاقات التي تجعلها قادرة على ما لا تقدر عليه النوادي الصغيرة، مع ذلك فقد كانت لقاءاتي بهؤلاء هي الأكثر امتاعا.

القارئ : أعلم جيدا أن القراء كانوا كثرا، بيعت أكثر من 200 نسخة ربما، أغلب هؤلاء من الشباب المتواجدين على الشبكة، قمت بكل شيء ممكن حتى أظفر بتفاعلهم، في النهاية حصلت على عدد بائس يربو على ال20 ببعض التفاعلات الشفاهية..

لا ألوم أحدا من هؤلاء، لكن القراءة في تونس لا تتسم بالجدية إطلاقا. لا ألوم أحدا لأن على الكاتب إن كان يؤمن بضرورة أن يستمع الناس إليه، أن يعرف كيف يشدهم من آذانهم و يمارس صراخه الهستيريّ. لا يمكن أن تلوم القارئ، لأن وظيفتك أن تغريه. لكن ماذا عن الناشر؟ ماذا عن الناقد؟ ماذا عن الموزع؟ و ماذا عن الإعلامي؟ لماذا كل هذا التواني؟ لماذا هذا الاستهتار المقرف؟ ربما كنتُ محبطا، لكن الدهشة تفوق احباطي بمراحل.. لماذا أجدُني في النهاية غير سعيد بينما حجم الطلب يفوق العرض بمراحل؟ أي عالم هذا؟

Sunday, August 17, 2014

قارئة من الذاكرة

 أحمد يقرأ.
لستُ متأكدا إن كان أحمدا أم مريم. كنتُ منشغلا عن النصّ، ذاهلا عن القسم و من فيه.. للدقة، ليس كلّ من فيه. كان وقع خطواتها يوقّع دقات قلبي، و كنت أسترق النظر إليها كمن يسترق النظر إلى ذكرياته الحميميّة. أراها ترفع رأسها في ضجر، تحاول متابعة قراءة الصبية واحدا بعد آخر، لكنها تضيق بضجر لا بدّ منه، فتبعد عينيها الجميلتين بعيدا عن كتابها الذي يبدو أنيقا بين يديها.
فجأة، انتبهت إليّ، فأشرق وجهها بابتسامة لم أجد وقتا لتبيّن تفاصيلها و أنا أدفن وجهي في الكتاب مرتبكا. وقع خطاها يعيد إليّ هدوئي، أعيد تشكيل تفاصيل ابتسامتها في ذهني فإذا المشهد لطيف، لا يستحق خوفا أو ارتباكا، بل لعلّها ابتسامة مستزيدة!

وقع الخطوات المتأني إياه. أرفع رأسي في حذر، تطالعني قامتها الأنيقة و هي تسير في شرود. غلبني الإبتسام. إنها مثلي ملول لا تحب أن تفعل شيئا إلا أن تحبه. قراءة النصوص حتى حفظها لم تكن يوما تصوّرها بشأن تدريس العربية. لكنّها مجبرة على ذلك أيضا. بعضهم لا يملك القدرة على وصل الحروف بعدُ. أحببتُ أن أداعبها خفية. أشرتُ لها بيدي دون أن أثير انتباه أحد. من الغريب أن الجميع كان غارقا في النصّ تماما. أما هي، فقد أفاقت من شرودها بإشارة يدي، و دون وعي منها خفضت رأسها نحو النص في ارتباكة سريعة، قبل أن تفلت منها ضحكة صامتة لم يشعر بها غيري.

ريم لا تزال تقرأ.
بينما أنا و أستاذتي نتبادل المداعبات اللطيفة السريّة. نقرأ النص بطريقة أخرى. أشعِرها أنها ليست وحدها في مللها. و أن هناك من يفهمها. و تشعرني أنني لا أحتاج إلى ابداء ما لا أطيق. و أنني أملك صديقا فريدا هنا. أحيانا، يشعر بنا "كريم" الذي يجلس قريبا مني. يحسدني على حظوتي. ربما يظنّ بنا الظنون، لكن من فينا يأبه لأفكاره الغريبة؟ كنت لا أزال صغيرا على الأفكار التي تراوده هو (كان يفوقني ببعض السنين) و كانت هي أكبر سنا من أن تفكر في أشياء سخيفة كهذه. ذات مرة، أخذنا الحديث إلى موسيقى Vangelis الشهيرة، "غزو الفردوس"، قالت لي إنها تملك نسخة، و دون تكلف طلبتها علنا. حينما قدّمت لي الشريط الممغنط (لأن الحكاية من زمن الشريط الممغنط)، انتبه "كريم" إلى صورة الغلاف، فلم يكتمها و هتف بها أن أريني الصورة أستاذتي. فأفردت يدها بالشريط أمام وجهه أن تفرج، قبل تسلمني الشريط.

ربما تهامس بعضهم هنا و هناك، في هذا القسم أو ربما في ذاك، الذي تدرّسه أيضا. لكننا لا نلقي بالا كثيرا. نتحدث طويلا في القسم أمام مرآى الجميع، عن مواضيع النصوص التي ندرسها، فيأخذنا الحديث و الانسجام إلى مواضيع أخرى.. كانت تحبّ كثيرا محاولاتي الإنشائية، و كنت أحبّ مواضيع الإنشاء لأنني أريد أن أكتب شيئا يمتعها. تقول للجمع الذين أمامها و هي تشير بورقتي : شكرا لهذا الفتى الذي يقرأ أشياء حقيقية، شكرا له لأنه يفيد مما يقرأ، و يسكب معارفه و ما اكتسبه على ورقته، ارتقوا قليلا إلى مستواه! ثم تنظر إليّ فأطرق برأسي خجلا.

كانت تتقبل جنوني على الورقة، تحتويه و تحاول توجيهه. أذكر أنني في ذلك الوقت أجرّب في اندفاع صبيّ. قد يخطر لي أن أمعن في السخرية، أو في المغامرة، أشحن النص بصور متأملة، بأسئلة و أفكار لا يزال ذهني مشحنا بها بعد قراءة هذا الكتاب أو ذاك. تنبهني إلى وجوب الإلتزام بالموضوع، لكنها لا تجزرني، يمتلكها الفضول لرؤيتي المشاهد التي أخلقها. ربما كنتُ بالنسبة لها تجربة فريدة، تنويعا مسليّا لكومة الأوراق المتشابهة كالخبز التي تصلحها. لكنني كنتُ أعتبر نفسي كاتبا، بل كاتبها المفضل!

حينما حملتُ إليها أول محاولة أكتبها في أدب السيرة، كنتُ فقط أنتظر أشياء من قبيل "جميلة" و "أحسنت" و "قد أصلحت لك أخطاءك"، لكنها بعد يومين نادتني و سألتني : أكل ما كتبتَ من وحي خيالك؟ و حينما نظرت إليها في استنكار، أضافت : أعني ما كتبته عن الإسكندر المقدوني، هل استندتَ إلى مراجع في ذلك؟ كان السؤال فاتحة حديث ذهلنا به عن القسم و عن ضرورة بدء الدرس، لكنها لم تنس أن تهمس لي في النهاية : "هذا نص يستحق النشر. لا يعقل أن لا تنشر أعمال كهذه. لا أعرف لكنني سأكلم المتفقدة بشأن ذلك.." طبعا لم أتذكر بعد ذلك شيئا من الدرس. كنتُ أحلم..

و لأن الحلم لا يدوم، فقد اختفت فجأة.. بل كنا نعلم. قالت لنا آخر السنة، إنها لن تواصل التدريس هنا. تحصلت على نقلة إلى مدرسة إعدادية في مدينتها. لم أحزن حقا لذلك. أنا لا أحزن ساعة الرحيل، و إنما ساعة الشوق و الافتقاد. ثم كانت هناك مشاريع تجعل ـ في نظر الصبيّ الذي كنتُه آنذاك ـ من الرحيل مسألة لا تعنيني كثيرا. سوف نظل حتما على اتصال. سوف ترسل إليّ بنجاح فكرة النشر، ربما ننشر قصصا أخرى. فلقد بدأت بالتفكير في حياة نابوليون.. ثم هناك مشروع الكتب المسموعة. عرضت عليّ أن نسجل "سهرت منه الليالي"، و كنتُ موافقا و متحمسا لجهاز التسجيل الذي أملكه و أريد الإفادة منه في خلق فنيّ ما، لكنها لسبب ما غامض لا أفهمه، أحجمت عن القدوم. ذكرت باسمة أشياء عن عائلتنا، و الإحراج الذي قد تسببه. ثم طلبت مني أن أجرب الأمر لوحدي... حينما أخبرتنا عن الرحيل، لم أفكر في كل ذلك لأنها الحقائق التي لا تتغير، و إن تغير مكانها. لكنني في السنة الموالية، استوعبت جدا معنى الرحيل..

سنوات مرت، و أنا أحمل صورتها في ذهني، مقترنة بقصة الإسكندر التي كتبتها صغيرا، ثم رحلت قبل أن أجد الوقت لأطورها و أحسنها مثلما تطوّرتُ. سنوات مرت، و أنا على يقين بأن شبحها سوف يظهر ذات مرة. حينما حللت بتلك المدينة التي اختطفتها، كنت أتلفت في كل اتجاه علني أخلق مصادفة سعيدة. النظارات ذات الإطار الغليظ، و العيون الذابلة، و الشعر الفاحم، كلها مقدّمة لذكريات طويلة عن قارئتي الاستثنائية، لكنني لا أعثر عليها. خمنتُ أنها تزوجت، و أنها ربما، باتت تدرس في المعهد، لكنني لم أفكر أبدا أنها تغيرت. ظلت صورتها الجميلة في ذهني كما هي، لم يمسها شيء من صدإ الذاكرة أو من رواسب التفكير المعقلن.
سنوات مرت، و فكرة أن أعثر عليها يوما، لم تمت البتة. يخفت بريقها أوقاتا طويلة، قبل أن تظهر فجأة في قالب جديد. لماذا لا أبحث عنها هنا؟ ماذا عن هذا الفضاء؟ أو هذه الجمعية؟ أتراها تزور هذا الموقع؟

سنوات مرت، و صار موقع فايسبوك امتدادا لحياتنا. امتدادا سيئا أحيانا.. كتبتُ اسمها هناك أكثر من مرة، و في كل مرة أرجع خائبا. ما الذي دفعني أن أعاود الكرة؟ كنتُ ناعسا أخترع السباب و الشتائم للبنّاء الذي أحال الحياة جحيما عند رأسي، حينما خطر ببالي أن أعيد البحث. لم أتساءل و إنما أطعت. هذه المرة، ظهرت لي صفحة امرأة تعمل بوزارة التربية. الإسم نفسه، لكنّ الصورة ليست لها. بل لا يمكن أن تكون اختيارها. هذه صورة توحي بذوق بسيط جدا، أو فقير جدا. ابتلعت ريقي، و فتحت الصفحة، قلت في نفسي إن تشابه الأسماء أمر وارد جدا، فاسمها ليس متفرّدا. ما هذا؟ هذه لافتة من تلك اللافتات البائسة التي تغرق الفايسبوك، تلك اللافتات التي تقول كلاما يوحي بالحكمة، و يبطن افتقارا حادّا للثقافة. لا، لا يمكن أن تكون هي. هناك في جزء آخر من الصفحة، اشارة إلى بعض ما تتابع هنا. صفحات كثيرة عن المعلومات المفيدة التي لا تعرف مصادرها، و أخرى عن الدكاترة أبطال التنمية البشرية، و صفحات دينية لم أشأ التوغل فيها... ثم .. فوجئت بصورتها، أو صورة شبح لها.
لممت شتات مخي حتى أتجاوز حدة نبضات قلبي، و رحت أعيد تركيب المشهد في صيغة أقل انفعالا، و أكثر موضوعية. إنها هي و لا شك. ربما تجاوزت الأربعين اليوم، بسنة أو سنتين. منذ تخرجها و هي غارقة في أطنان أوراق التلاميذ البائسة. ربما في مرحلة ما، فقدت شهية القراءة. ربما قبل ذلك، توقف وعيها بضرورة التطور، أو ربما بعد ذلك، تزوجت. هل هذه ابتسامة امرأة سعيدة؟ أعتقد أنها كذلك. شعرها الفاحم اختفى وراء حجاب لا يحجب مساحيق وجهها الذي ازداد بها بؤسا و ارهاقا.. أين النظارات؟ و أين ابتسامتها الساخرة؟ لماذا كل هذه الحكمة المفتعلة؟

و كما تستطيل الظلال وراء المرء في شارع خافت الإضاءة، تنامت فكرة مخيفة في ذهني، و أخذت تبتلع ذاكرتي. لم تعد الصورة الماثلة أمامي محلّ تساؤل، بل صارت ذاكرتي متهمة. و رحت أتساءل إن كان ما أذكره حقيقيا. تلك المشاهد المزروعة في رأسي، ليست صورا رقمية، و إنما التقطتها عينا صبيّ لم يعد له وجود. عيناي اليوم تعتمدان على تقنيات جديدة و ألوان جديدة و زوايا نظر جديدة، ربما أكثر تشاؤما، ربما أكثر دقة، أو ربما أكثر هستيريا، لكنها حتما ليست عينا الفتى الذي ترك لي تلك المشاهد في رأسي و ذهب.
ما الحقيقة إذا؟ أطلت النظر إلى الصفحة التي أمضيت سنوات في البحث عنها. أطلت النظر إلى زرّ طلب الصداقة، ثم فضلت أن أحتفظ بالحقيقة لنفسي..




Sunday, July 13, 2014

عن الذي ينقص

تأوه في سخط مع تسلل خيوط الشمس الأولى عبر ستائر النافذة، و تململ متثاقلا في رحاب سريره الحديديّ، و راح يلعن في سرّه زوجته المهملة. اللعينة تفعل ذلك عمدا حتّى لا ينعم بالنوم إلى الزوال. تعرف جيّدا أنّ الشمس عدوّه الأول، منذ أن كان يعمل في ظلام الأقبية و رطوبتها. لن يعتاد على النور بعد ذلك أبدا.

طاف في أرجاء بيته الضيّق مرتين كأنه تائه. عاود شتم زوجته التي لم تترك له شيئا من القهوة قبل خروجها. العاهرة، تـُـراها الآن تروي سيرة حياتها لجارتها! لم يشرب يوما قهوته في البيت، و لكن ماذا لو خطر له أن يفعل؟ ألا يحق له ذلك؟ أين بنت الكلب لتحقق له ذلك؟
فتح التلفاز و راح يحملق في الصور المضيئة و قد أخذته نفسه عن ما حوله.. كان يشعر بضيق بالغ يخنق صدره. يعلم في قرارة نفسه أن النهوض الباكر ليس السبب الحقيقيّ، فقد اعتاد في ما مضى أن ينهض قبل نهوض الشمس. ربما هي حاجته إلى التبغ و القهوة، أو لعلّه إحساسه بضيق المكان..

لفتحه شمس صباحية فتيّة، فأعرض عنها بقلنسوته الرمادية، و لزم جانب الشارع كي يجتنبها، و يمّم وجهه شطر مقهى الحيّ.
يكره كلّ فضاء مفتوح، حيث يجهل إحداثيّاته، و حيث عليه أن يؤمّن جهاته الأربع طوال الوقت.. في أقبية السجون، كلّ الممرات ضيقة، و كل القاعات و الغرف و العنابر ضيقة، النوافذ أيضا ضيقة، و كذلك العيون و النفوس.. كان يمكنه أن يسير مغمض العينين هناك، كان يشعر بالأمان كلما ضاق الفضاء و شحّ الضوء و الهواء، لذلك، لم يعتد الخروج كلّما أحسّ بضيق كهذا الذي يشعر به اليوم. و ربما كان العكس صحيحا، إنّ الهواء نفسه يسبب له الضيق و الانزعاج. هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

ألقى ما تبقى من لفافة التبغ في الشارع، و دهسها مواصلا طريقه. ربما كان بحاجة إلى أكلة دسمة. لقد مضى وقت طويل دون أن يأكل شيئا يصلح. جسده النحيف يشي بذلك. التبغ يغني عن الأكل في أكثر الأحيان، و ربما تدهورت صحته دون أن يعلم. سحقا لهذا العالم! حتى جسدك أنت بات يشعر بالوهن! إيه يا زمن الجرذان، خذلت فأحسنت الخذلان، و قد كنتُ رهبة السجون، و مرعب القضبان. ها أنذا اليوم أبحث عن قوت حتى لا أنهار كما زبائني.
خمّن أن يشتريَ لوازم غداء جيد مثخن بالخضار. سيكلفه ذلك ثروة صغيرة، و لكن لا بأس. لجسده عليه حقّ. لا يجب أن يشعر بهذا الوهن و هذا الضيق مرّة أخرى، لا يزال الوقت مبكّرا على الشيخوخة، لا يزال الوقت مبكّرا على شماتة الشامتين، سيفرح بأمهاتهم قبل أن يفعلوا.

وقف أمام أحد الباعة و تأمل بأعين مرتابة صناديقه و حركاته، فاستدار إليه البائع مرحبا، لكنه طلب شيئا من الطماطم دون أن يلطّف من حدة نظراته. لم تفته الريبة التي ارتسمت على وجه البقال، و لا الارتباك الذي تملّك يديه، لكنّه تجاوز ذلك كي لا يفوته الكيل. أبناء الزنا هؤلاء، لا يؤمن جانبهم أبدا.. و حينما استلم كيسه، فتحه متأمّلا فيما استلم.
لا تشبه حتما تلك القطع البائسة التي يسلمونها إلى المساجين. تذكر كيف اعتاد رفقة أصحابه البول على الطماطم قبل رحيها و تقديمها، ثم المراهنة على من سيأكلها.. ابتسم في سرّه متحسّرا على الأيام الخوالي، و على دعاباته القديمة.. في سنواته الأخيرة في العمل، لم يعد يطيق المشاكسة كثيرا، كأنه كان يفضل الاحتفاظ بطاقته لوقت الشدّة، و كثيرا ما كانت تأتي أوقات شدّة.. أما اليوم، فقد باغته شعور مفاجئ بالقرف من الحبيبات الحمراء الأنيقة المقدّمة إليه، فرمى بالكيس أمام البقال و غادر في صمت.
لم يسمع تعليقا من وراء ظهره، ربما لأنه تعرّف عليه، و ربما لأنه يفق من المفاجأة، و ربما علّق بالفعل لكنّ سمعه خانه.. هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

هذا الفراغ الذي يخنقه لا علاقة له بمعدته، بل هو يملأ رأسه. كيف يملأ الفراغ رأسه؟ لا يعرف، و لكنه يصدّق نفسه. هو ليس طبيبا على كلّ حال. كانت وظيفته دوما أن يقرّر هو ما يحصل مع الأجساد، و أن يكل للطبيب ايجاد تفسير لما قرّره. لذلك لم يثق قطّ بالأطباء.. لو ذهب لاستشارة أحدهم فسيقول أي شيء يضطرّه إلى شراء أدوية لا لزوم لها، بينما جسده وحده يقاوم و ينتصر. إنه أدرى من الأطباء بمعجزة الجسد. هو وحده من يذهب بها إلى حدود قدراتها، أما الطبيب، فلا يملك إلا كبت طاقتها بأدويته البائسة.. رأى أجسادا تقهر الزمن، و لئن كانت نادرة، فهو لم يشكّ في أن جسده إحداها. كان يبالغ في القسوة حتى يبلغ منتهاها، فإن حافظت على بقائها، يشعر بزهو غريب كأنما جسده من فعل!
يتذكر كل ذلك دون أن تمرّ صورة واحدة بذهنه، كأنما يصرّ رأسه أن يحافظ على فراغه. رأسه بات ممتلئا بالفراغ. و بدا له أنه في حاجة إلى شيء من الفوضى..

تسمّر أمام مغازة في شارع جانبيّ قليلا، ثم حسم أمره و توجّه إلى رواق الكحوليّات داخل المغازة. ليذهب جسده إلى الجحيم، اللعنة على الصحة و ما تفرضه من قرف. لقد مضى زمن طويل على آخر جلساته الخمرية. حينما غادر عمله، حاول الإبقاء على معارفه هناك. دعا بعضهم إلى سهرة أو سهرتين، لكن سرعانما فتر عزمه حينما لم يشعر بشيء من التجاوب. أبناء الزنا، كانوا يتهافتون عليه كبنات الهوى، و اليوم يخجل أحدهم من التردّد عليه.. قالوا له في الإدارة إن اسمه المعروف لم يعد ذا نفع في زمن حقوق الإنسان و كل ذلك البراز النتن الذي جاء به المرتزقة. و هاهو اليوم يشرب وحيدا، من حين إلى حين. يحرق حنجرته بما جاد جيبه من البوخة و المرناق، ثم يشتم كل من عرفهم، و أمهات من عرفهم، و ينام..

تأمل القارورة المستكينة بين أنامله، ثم ألقى بها في السلة المعدنية، رنّ صوتها في ذهنه، فأحدث صورا فاجأته. رأى عشرات الوجوه الملتاعة الصارخة.. أدبار كثيرة ألقمها زجاجا كهذه الزجاجة التي في السلة. عالج أدبارا حتّى بات يعرفها أكثر من وجوه أصحابها. أحيانا تبدو المهانة مرتسمة عليها قبل الوجوه. لذلك كان يؤمن دوما أنها الطريقة الأكثر نجاعة. بعضهم كان يعترف بمجرد أن يراه لهول التجربة. بعضهم ينخرط في بكاء مرير أو يغشى عليه. أما الحمقى الذين لا يعرفون، فكان يجب أن يقدّم له شيئا من الحكمة.. من الخلف..
عاوده القرف و هو يتأمل القارورة، و خيل إليه أنّ رائحة عنقها تصدّع أنفه، فطرح السلة أرضا و استدار مغادرا. لم تكن له رغبة حقيقية في الشرب، إنه ذاهل عن العالم أو قريب من ذلك بالفعل، هذا الاختناق الذي يحنقه يفرض على جسده استرخاء لا يطيقه. هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

انتبه إلى رجل يتحسّس طريقه إلى الرواق. ضعف بصره، و لكنه يبدو مصرّا على النهل مما تبقى له من متع. لحسن الحظ أن خراب جسده قد بلغ عينيه، فلم يتعرّفه، و ربما لو عرفه لحصلت فضيحة لا يحبّ لها أن تحصل. أما هو، فلم يخطئ هويته من أول نظرة. إنه يحفظ وجوه "زبائنه" واحدا واحدا، بدءا بتلك المرأة التي كانت تنقل الرسائل إلى زوجها المختبئ و جماعته، انتهاء بذلك الغلام الطريّ الذي ظنّ أنه سيغيّر العالم عبر شاشة حاسوبه.

يحفظ وجوههم و ندب أجسادهم كما يحفظ الشاعر قصائده، و كما يحفظ النحّات تضاريس منحوتاته، و يمكن بيسر و ثقة أن يميّز بين ندبته و غيرها في الجسد الواحد. كم كان فخورا بذلك! إنه يقرأ الأجساد كما لا يفعل المرء مع جسده. عينه الخبيرة تعرف جيّدا مواضع القوة أو الوهن ، مواضع اللذة أو مواضع المهانة، تبوح له الأجساد بأسرارها قبل أن تبوح بأسرار أصحابها. الجسد صادق دوما، ثرثار لا يحسن التورية، لا يحسن الخداع، ارتعاش الانامل، تقوّس الظهر، اصطكاك الأسنان، حكاك الأذن، أرنبة الأنف، النفس الحار، و العرق البارد، حتّى سيلان الدماء يصبح نصّا بليغا.. علاقته بأجساد الآخرين أكثر حميميّة من علاقته بأرواحهم.

إنه لا يملك أصدقاء تقريبا، لا يملك أحدا، أتراه يشعر بالوحدة هذا اليوم؟ أتراه يشعر أخيرا أن عزلته و قد جرّد من عمله ستهلكه؟ أهذا سرّ الاختناق الذي يلازمه؟
سار بخطوات سريعة متلهفة إلى مقهى الحيّ. الجميع هناك يعرفونه، لذلك كان يتحاشى الجلوس إليهم. كان يفضل الإبقاء على هيبة زائفة، على أن يلمس أحقادهم. في عالم قذر كهذا، للهيبة قيمتها. لن يجرؤ طائش واحد أن يغدر به. سيفكرون كثيرا في أطرافهم قبل أن يفكروا في معاداته. لكنّ الهيبة أيضا تعني أمورا أخرى..
قرأ على الوجوه نفورا واضحا، انزعاجا لا يحتمل تأويلين. جلس حيث يجلس رجل وحيد منعزل. من الأفضل الجلوس إلى رجل واحد، فهذا يجعل من حديثهما أكثر حميميّة. لا يجب أن ينصت المقهى كلّه إليه منذ الجلسة الأولى.
لكنّ جاره كان مذعورا. حينما استدار إليه، لم يخطئ ملامح الفزع التي حاول إخفاءها وراء شيء من اللامبالاة. ثم إنّه سارع بارتشاف قهوته المركّزة و حياه قاصدا المغادرة، فهتف فيه :"اُقعد!"
ساد الصمت بعد هتافه المفاجئ، و بدا كأن كارثة جديدة ستحدث. جلس الرجل و قد فرّ الدم من وجهه. اللعنة عليك! اللعنة عليكم جميعا! لقد كتب عليه أن لا يخاطب الناس إلا بصيغة الأمر، و نبرة البلطجة.. لقد كتب عليهم أن ينزعجوا من وجوده.. فلينزعجوا، فليموتوا انزعاجا! إن البقر لا تفهم إلا هذه الصيغة. هؤلاء الجيف العفنة.. أتدّعون الفضيلة يا كلاب؟ أنا أعرف قذاراتكم واحدا واحدا. أيها الملاعين! كونوا رجالا على الأقل! كونوا رجالا و لا تدّعوا فضائلا لا تملكونها! إنني أشعر بالغثيان من الاختلاط بأمثالكم. ما الذي أفعله في هذا المستنقع الكريه؟ 

نهض دون أن يلقيَ بالا إلى الوجوه التي تراقبه سرّا، و غادر المكان و هو يعلم أنه (أي المكان) سيمتلئ بالتنهيدات و النكات السخيفة.. إن البشر لمقرفون، لا يمكن أن يفهم هذا إلا من اقترب من أجسادهم كما فعل هو طوال السنين الماضية. إنّ ما ينقصه شيء آخر فما عساه يكون؟

بلغ مسامعه صوت الآذان و هو في طريقه إلى المنزل، و خيّل إليه أنه يسمعه لأول مرة، أو هو انتبه إليه لأول مرة. ما الذي يعنيه ذلك؟ التوبة؟ و هل لمثله تقبل توبة؟ و كيف يتوب و قد أبعدوه قسرا عن عمله؟ لولا ضغوط تلك المنظمات اللقيطة التي جادت بها الثورة، لظل في منصبه إلى اليوم.
لكن ماذا لو أن التوبة هي ما يرومه بالفعل؟ ماذا لو أن سبيله للتخلص من الإختناق هو البكاء بين يدي ربه؟ ترى، أكل ما شعر به من اشمئزاز، سببه حاجته إلى التطهّر؟ إنه لم يعد يرى الصور في ذاكرته كما كان يراها.. بات يميّز طعم المرارة في كل مرة. و لئن لقيَ صعوبة في الجلوس إلى أجسام تثير قرفه، فإن الله لا جسم له، و له أن يحدثه قدر ما يشاء.

سرّ بمنطقه فهرع إلى المسجد القريب. تذكر أن الصلاة يلزمها وضوء، فسأل عن الميضة. أشار إليه شاب مندهش أن سر يمينا. فتابع طريقه في حنق خفيّ. و عاوده الإحساس بالقرف من البشر. هنا سيجد بعض ممّن عاث في أجسادهم فسادا. لعلّ بعضهم مات كمدا أو قهرا بالفعل، و لعلّ بعضهم اشترى لمحنته ثمنا قليلا و اعتزل العالم كله، بينما عاود الآخرين حنين إلى حلم السلطة. هؤلاء سيحمونه حتما، و سيمنعون عنه الأذى لو تعرّفه الآخرون..
حينما بلغ الميضة، طالعته أجساد الرجال المتهالكة على الحنفيات الشحيحة، تسارع بالتطهّر قبيل بدء الصلاة. و تذكر أنه نسيَ قواعد الوضوء، فبحث له عن مكان قرب شخص يتبعه. وجد على يساره رجلا نحيفا، خفيف اللحية ينزع جواربه، فانسلّ إلى جواره.

هذه الندبة خلف الأذن، و هذا الظفر المقتلع من منابته، ليس عمله حتما، لكنّه أعاد إلى ذهنه بعض الذكريات البعيدة.. و تساءل في سرّه، أين كان الله حينما كان هذا الرجل يدعوه سائلا الرحمة؟ أين كان الله حينما كان يذكره جزعا، فيتلقى صفعة تفقده وعيه؟ أكان الله يتسلى مثله أيضا؟
لمح اعوجاج قدمه اليمنى و هو يقدّمها للمياه، فعاوده الشعور بالغثيان. إن آخر ما يبحث عنه اليوم، هو حديث مع من لا يجيب. لقد أخطأ تأويل ضيقه، و ما ينقصه هو شيء آخر، فما عساه يكون؟

هذه الشوارع لا تجيب. كلما قصد ركنا من أركانها، إلا و ازداد اختناقا. ربما كان خيرا له لو ظل في فراشه منذ البداية. لم يطل به التجوال حتى قادته قدماه إلى داره من جديد. فبصق جانبا، و أشعل لفافة تبغ و دخل. زوجته اللعينة قد عادت أخيرا. و الأفضل لها أن يكون طعامها جاهزا.
فجأة، أطلت بعباءتها الملونة النظيفة، و ابتسامة مشرقة تعلو محيّاها. ماذا دهى المرأة؟ أخبرته أن الطعام جاهز و طلبت منه أن يجهز نفسه للمائدة.. حينما استدارت عائدة إلى مطبخها، ارتفع ثوبها قليلا، كاشفا ساقين قويتين، فانفجر السؤال في رأسه ككشف عظيم ..

أتراك تعود إلى صباك أيها الشقي؟ و إنّ لبدنك عليك حقا! هاله أنه مثله مثل "زبائنه"، لا يعرف الكثير عن جسده. متى فعل ذلك آخر مرة؟ متى التحم جسده بجسد آخر؟ لم يعد يذكر جيدا. خُـلقت أجساد الآخرين، ليكتشفها لا ليكتشف من خلالها جسدَه هو. خُلقت أجساد الآخرين ليكون إلَها عليها، يقرّر مصائرها و أشكالها. أما أن يعود بشرا، جسدا يرتعش بارتعاشة تلكم الأجساد، فما كان ذلك ليغريه..

أتراه اليوم كلَّ من كل ذلك؟ أضاق به عناده و استسلم لحقيقته؟ كان أجبن من أن يجرّب، لكنّ إحساسه بالاختناق أصبح لا يطاق. و حينما عادت المرأة بطبق الطعام، أمسك بساعدها في قوة و حسم، و سألها "عندك دمّ؟"
كانت نبرته المتحرّجة تشي بمعنى سؤاله، فظلت صامته تحملق في وجهه مندهشة، حتى إذا ضغط على زندها، أطلقت ضحكة مرتبكة خجولا مندهشة، و أجابت :"لا، مازلت."
دعاها إلى غرفة النوم بلهجة من لا يمزح. لا يلومها على حيرتها، فهو نفسه لا يعرف ما الذي يفعله. إنها مسرورة و لا شكّ، هذا الارتباك الذي يعتريها يعرف مكامنه و دواعيه. لا تزال قوية، متماسكة، و إن غيرت رحلة السنين بعض ملامحها، فضحكتها تجعل المشهد جميلا في كل محطة. هذه الأثداء لم تترهّل بعد، و لا تزال تخفي بعضا من عجائبها. هل تشعرين بشيء؟ أ نبدأ الرحلة؟ ليس لي يوم كامل لأضيعه في ترويض انفعالاتك و تحضيرك.
و بسرعة و ضجر، باعد ساقيها دون أن يبعد نظره عن وجهها. كان الجذل يُنحت رويدا على تفاصيل وجهها. تورد خدها، و بدا كأن حياة جديدة تدبّ فيه. أيتها اللعينة! لماذا أشعر بالضيق من كل هذا؟ الضيق اشتعل غضبا بداخله، و حينما أنّت مستزيدة، أصبح غضبه كفــّا قوية صفعت خدها بكل عنف. صرخت في ألم و قد أفاقت من عالمها، فازداد هياجه، و أردفها بصفعة أعنف أطلقت صرخاتها في المكان. رجته أن يتوقف، لكنها كأنما كانت تستزيده، فأمسك بها من شعرها الثائر كما تمسك الذبيحة، و لطمها لتعانق جدار الغرفة الضيقة. ظنّ أنها ستظل هناك، لكنها سرعان ما نهضت لتهرب بجلدها باكية.

كان مرهقا، كره أن يركض خلفها، فاستلقى على الفراش لاهثا. ما هذا الذي فعل؟ لا يملك جوابا. فقط ضحكة عصبية باغتته، و إحساس مدهش بالارتياح. فجأة بدا و كأن كل ضيقه قد تلاشى دفعة واحدة مع اختفاء خيوط الشمس الأخيرة من الغرفة.

13 تموز 2014

انشر و لك الأجر :D

Translate