Saturday, January 30, 2016

عناق الثعبان ولعنة العصر.

تحيلنا معلّقة فيلم "عناق الثعبان" الفرنسيّة إلى خضرة الأدغال الأمازونية التي لا يعادلها شيء، مع دعوة صريحة إلى رحلة ممتعة في قلب ما نسمّيه رئة العالم. وكما أنّ نيوب الليث لا تنبئ عن ابتسامه، فإنّ ألوان المعلّقة المغوية لا ينبئ عن فيلم بالألوان، ولا جمالها ينبئ بعالم سعيد.

أخرج الفيلمَ الكولومبيُّ ثيرو غويرّا Ciro Guerra منذ سنة تقريبا، وكان له وقعه في مهرجان كانّ الفارط فنال جائزة سيكا (الكونفيدرالية الدولية لسينما الفن والمحاولة) ورشّحته منذ مدة قصيرة أكاديمية فنون السينما لأوسكار الفيلم الأجنبيّ، وها أنا أرشحه لكم للمشاهدة.

يتابع "عناق الثعبان" ( El abrazo de la serpiente) لحظتين من حياة طبيب "بدائيّ" (كاراماكاتي) منعزلٍ في أحراش الأمازون. يفصل بين اللحظتين ثلاثون سنة من العمر، ورجلان قادمان من الغرب المستعمر بحثا عن نبتة اليكرونة الأسطورية. فأمّا الرجل الأول، فهو عالم طبيعة ألمانيّ داهمه مرض غريب في الأحراش ولم يجد له سكان المنطقة حلاّ إلا طلب معونة الطبيب الساحر. وأما الثاني، فهو أمريكيّ قرأ عن رحلة الأول في كتابه، فجاء بحثا عن نبتة اليكرونة الموصوفة ووجد الطبيبَ نفسه وقد أعفى عليه الزمن.

وبين الرحلتين، يتراقص ثيرو بنا وبحيرتنا. يأخذ ضيوفه في رحلة بحث عن نبتة أسطورية، ويأخذ نفسه في رحلة بحث عن نفسه، فمع الألمانيِّ كان يبحث عمّا تبقّى من قبيلته. كان شابّا متحمّسا لثقافته، معاديا للرجل الأبيض الذي جاء بالخراب إلى أرضه. أما مع الأمريكيّ، فقد صار شبحا (تشولالاكي كما يقول) فارغا من الروح، ومن الذكريات، وكان بحثه عن نفسه هذه المرّة أكثر رمزيّة ومأساوية. يستعيد في أحضان الثعبان المقدس، وعلى ضفافه صورا أو أشباح صور من الرحلة الأولى، ويستعيد المشاهد صورا من الاجتياح الغربيّ لأرض الأمريكيّين الأصليين : كنائس التبشير واسترقاقها للأطفال، صناعة اللدائن وهتكها لعرض الأشجار، تهجير القبائل، وتجويعهم وتشريدهم، محو اللغات الأصلية بإسم الحضارة، ومحو المعارف الميتافيزيقية بإسم العلم...

لم يكن غياب الألوان عن أحراش الأمازون الخلابة مجانيا. فهو لا يبحث أن يغريَنا بسحر المكان بقدر ما كان يريد أن يفزعنا بما حدث له. إننا أمام مأساة مكتملة التفاصيل ولسنا أمام دليل سياحة. بل يمكن الذهاب إلى أنّ ثيرو غويرّا يعاقب المشاهدَ الغربيّ بهذه الصورة المبتورة، لأنّه لا يستحقّ ألوانها. وكما يفضّل الغربيّون استعمال الأسود والأبيض في نقل مشاهد الدماء المقرفة، يفعل المخرج الكولومبيُّ الشيءَ ذاته للتخفيف من مشاهد الجريمة الحضاريّة البشعة.

ولئن انطوى هذا الخيار التقني على عبقرية كبيرة للمخرج، فإنّ اختيار العنوان برأيي كان أكثر خياراته توفيقا. لقد استطاع من خلال استعارة عناق الثعبان، أن يحمّل العنوانَ كلّ التعقيدات وكل المستويات المضمونيّة للفيلم. اِستقى المخرج العنوان من أسطورة الثعبان الذي نزل من السماء، من أعماق درب اللبّانة، ليشقّ طريقه المائيّ في أحراش الغابة ويمنحها الحياة. ما الذي يعنيه ثيرو بعناق الثعبان؟ هل هو عناق الأرض للنهر المانح للحياة؟ أم هو عناق الأمريكيّ الأصليّ للنهر في مقابل عناق الرجل الغربيّ له؟ تربكنا الصورة ويربكنا توغّل ثيرو في كلّ تعقيداتها من خلال العلاقات الدرامية المتشابكة التي صنعها بين شخصيّاته. لقد كان الساحر يتعامل مع مريضه الألمانيّ بعداء واضح لا يناسب طبيبا، وكان الأمريكيُّ يقدّم يد السلام إلى الأمازونيّ وهي تضمر شرّا ليست تدريه. لا شيء يشبه ما يبدو عليه، وتلك طبيعة الامبريالية التي يطاردها ثيرو عبر معانقة الثعبان.

تعرّف الإمبريالية على أنّها آخر مراحل الرأسمالية وأقساها، ولئن لم تظهر العبارة ولو تلميحا في الفيلم، إلا أنها تختصر كلّ تلك الأهوال التي صوّرها، وكلّ تلك اللعنات التي أطلقها. إنها لعنة تجاه الحداثة التي ألغت الميتافيزيقا تماما، واعتبرت أن العلم طريقها الوحيد إلى المعرفة، فإذا العلم عاجز أمام الأمراض، وإذا علماء النبات يبحثون عن خلاصهم عند سحرة القبائل البدائية. وإذا العلم محاولة متغطرسة ساذجة للسيطرة على الطبيعة بدل معانقتها والانغماس فيها. وهي أيضا لعنة تجاه الرأسمالية الصناعية، وما تحتويه من عداء فاضح للطبيعة واغتصاب أعمى لثرواتها (صناعة اللدائن هنا). وكذلك هي لعنة للعولمة، سلاح الامبرياليّة الحضاريّ، الذي ألغى الفروق، والملابس، والمعتقدات، واللغات...

لقد اهتمّت الرحلة بالجانب الحضاريّ بشدّة، ولا عجب أنّ الفيلم أنثروبولوجيّ بامتياز. ولقد بلغت المأساة الحضارية منتهاها في مشهد المسيح الدجّال وهو يأمر أتباعه من السكان الأصليين بأكل لحمه المقدّس. هؤلاء الأتباع الذين توحي طبيعة المكان والرحلة أنّهم امتداد لأولئك الأطفال الذين وقعوا ضحايا المبشّر المتطرّف الذي شيطن كل لغة عدا الإسبانية، وكلّ دين عدا دينه.

آخر ما يجب التنويه به، هو أن الفيلم مستوحى من كتابات العالم الألمانيّ تيودور كوخ غرونبرغ، وهو مهدى إلى "الشعوب التي نعرف أبدا أهازيجها". ولقد اعتمد على ممثّلين طبيعيين، استطاعوا ببراعة تستحق التقدير والاحترام أن ينقلوا مبادئهم الجميلة وموروثهم الثريّ، واستطاعوا أن يجعلوني أخرج من القاعة متحسّرا على تلك الأهازيج التي لن أسمعها أبدا.



Saturday, January 23, 2016

دراسة شعرية هادفة: دليلك إلى شعر القرن الأول بعد العشرين

الشعر في هذه الديار نوعان : شعر رومانسيّ (شعر الغزل) وشعر ملتزم (وفي رواية أخرى شعر هادف، وربما يكون ذلك في مقابل الشعر الرومانسيّ المائع الخفيف)

و الرومانسي فيه ستة موضوعات:
- نحبك.
وهو في العادة شعر كثيف الربربة ـ أي يحضر الربّ فيه بكثافة ـ إذا كان بالدارجة أما إذا كان بالفصحى فيحضر كلما اتصل بالمعجم القرآني والعبادة.

مثال :
يا شمس صلاتي،
عشقك صومعتي وزكاتي،
يا جنة خلدي يا امرأة،
أخذت مني حياتي!

(تراتيل شاعر مجهول)

لكنّ بعض الفلتات الشعرية، تحيد عن العادة، وتقدّم لنا روائع تنغمس بنا في روح الكون السرمديّ فنذوب في الذوبان، ونتقلص بالبرورة ونتحرحر بالحرارة، ومن ذلك ما تقوله الشاعرة الخالدة منى بعزاوي في قصيدة عشق في المنتهى :


هويت هواك بالهوى
و ذابت روحي بالهواء
هواك عطر الهوى
و عطرك نفس و ارتواء 

في عينيك عشت المنى 
و بين أحضانك الحرف انتهى 
يا سيدة القلب و عبق الماء
هل لي بوصلك كالهواء
لأتنفسك في دنيا الهوى؟

أنيس الروح، أحد أهم الرواة في القرن الحادي والعشرين.

- خاينة وما عدت نصافيك. وهو لسبب ما حكر على الرجال بالدارجة وعلى النساء بالفصحى مع الاستثناءات طبعا.
مثال:
قلبك الموزّع بين حزمة من نساء افتراضيات
ضعه على جدارك الفايسبوكي
أرشّه عطرا فوق قبر الخيانات قبل النوم،

(الشاعرة إكرام ب. الوسط)


- ورحل.
وهو شعر عموما عن الباه. فهو عند الرجال مباشر وصريح تخنقك رائحة التستوستيرون فيه ولكنه يتجاوز ذلك ببعض الإشارات ذات الطابع "الثقافي"، وعند النساء لمّاح ومخادع ومبهم يرسم حالة من الهستيريا الشديدة الذي ينتاب أولئك اللاتي يعانين من أزمة كبت حادة.
مثال :
سائلي المنوي،
يسحبك من تلافيف حلماتك،
إلى ماضي الألم، وحاضر العدم،
صاهباء صاهباء... 

(شاعر متمرد)


- حبيبان في مدينة الظلام.
وهذا النوع قريب من الشعر الهادف لأنه ينقد وطنا يحرّم الحبّ ولكنّه يركز أكثر على علاقة العشق الجميلة من قبيل : موتوا بغيظكم. أو تراه يركز عمله على احداث مقاربة بين المرأة والوطن (لأنه لم يقتنع كثيرا بما قدمه نزار قباني ربما) في حالة الشاعر، أو على وحشة الوطن بدونه في حالة الشاعرة.
مثال :
لنهدم أعمدة المعابد فوق رؤوسهم،
ونمارس الحب خلف أسوار المدينة،
سأصنع من نهديك عاصمتي،
وخلفهما أبني مسرحا ومارينا...

(شاعر بنزرتي)


- نحبك وما نعرفكش.
وهذا نوع من شعر "ورحل" خاص أكثر بالبنات المراهقات اللاتي لم يدركن بعدُ ما يعتمل في أجسادهنّ. 
مثال: 
ليلك طويل،
والقمرة بنينة،
نحبك بحذايا، تعنقني، تشرّقني،
بغناية حزينة،
خيالك سارح،
وإسمك موش واضح،
وعيني تتحسر عاللي ما صارش البارح.. 

(الشاعرة منى باك ماط)
- ما احلاك وانت ساجدة. وهذا شعر خاص بطائفة من البشر...


أما الشعر الملتزم فهو أيضا ستة أصناف:
- شعر بني وطني.
نوع مالنشيد الوطني الاحتياطي لعلهم يحتاجون إلى التغيير يوما ما. وعموما يجب على كل شاعر أن يكتب قصيدة عن الوطن والا فهو شاعر مائع منحلّ، وإذا لاموا أحدهم على الافراط في شعر الغزل، فحتما سوف يقول : لا كتبت عالوطن! 

مثال :
“نحن لا نأتي الحياة ببرد الموت
لا لا نهوى الكفن
نحن أبطال الوطن
نحن أبناء الشروق
نحن أبناء الشفق”
(الشاعر هيثم ب. )


- يا ميمتي الغاليّة.
وهو أقدس الأشعار وإيّاك ثم إياك أن تنتقد شعرا عن الأم فلن يرحمك أحد. إن أي كارثة لغوية أو فنية تكتبها عن الأم مرحب بها.
مثال: 

يا ملكتي التي حملتني شهورا تسعا،
أنت ملكتي وحبي الأول،
وكل ما بعدك محاولات فاشلة...

- قادمون. وهو الشعر الذي يكتب في (حق) فلسطين. وهو إما وعيد وتهديد عند الشعراء الإسلاميين وإما أسى وحسرة عند القوميين مع الكثير من شجر اللوز والبرتقال وأي شيء قاله غسان كنفاني في الخمسينات أو محمود درويش في الثمانينات. مثال:


سنعود إليكم،
من خلاف التلال،
يا عملاء الاحتلال،
وسوف نعيد القدس، والتفاح والبرتقال،
إننا للبطولة أشبال،
وسوف ترون ذلك يا أشباه الرجال، 

(شاعر يتحدث كثيرا مع صفية)

- الرجل الشرقي. وهذا اختصاص نسويّ (فيمنست) وهو ضرب من أشعار (حبيبان في مدينة الظلام) ولكن من دون حبيب. لأن الحبيب شرقي، والشرقي كخّة. وقد ازدهر هذا الشعر كثيرا منذ صدور نسيان.كوم. 

مثال:
سخرت من أناتي ودموعي،
اعتقدت أنني ضعيفة،
ولكنك لم تفهم بعد يا رجلا،
أن المرأة الذكية خطيرة،
لذلك تفضل دوما الحمقاء،
شرقكم يا سيدي، يكره الذكاء،
ويكره النساء.
(الشاعرة شروق) 


- شعر الريف والفقر وكل ما لا يعيب المرء لكنّه يشتكي منه. وهو شعر عن الريف او عن الفقر او عن اي شيء لا يرى الشاعر انه عيب ولكنه يتظلم منه. مثال:
لفظوه لأنه معدم،
غدا أيها المجتمع المريض ستندم،
غدا سوف ترى كيف يُصنع الرجال،
وكيف يقال لذاك الفقير : أفندم.


ـ الأشعار الكونية
وهي أشعار لا تتحدث عن شيء أصلا، لأنها روح الكون اللغوية. وهي فلسفة المطلق كما تقول موناليزا العرب منى بعزاوي، وقد اشتهر الشاعر العالمي منير مزيد بهذا النمط الشعري ما أهّله لجائزة نوبل عن جدارة لولا الأحقاد. ويقول الشاعر العالمي منير مزيد :
لَا يَكُفُّونَ عَنَ الْعُوَاءِ
وَالقَصِيدَةُ تَقُولُ دَوماً
مَهْمَا عَوَىٰ الْكَلْبُ عَلَىٰ الْقَمَرِ
يَمُوتُ الْكَلْبُ مِنَ النُّبَاحِ
وَيَبْقَىٰ الْقَمَرُ سِرَاجًا مُنِيرًا يضيءُ السَّمَاء


وعلى هذا الدرب تقول الشاعرة إكرام ب. (الوسط)

تراقصني مياه الدرب، 

في ليلة شاخصة،
على وقع انسكاب الحزن، 

في غيمة قارصة.

ويتميز هذا النمط وهو الأكثر ثراء وعمقا، بومضيته، أي أنه قصيدة ومضة، يتقـ.. يبتدعها بعض الشعراء على صفحاتهم الثريّة كل دقيقتين تقريبا، في غزارة شعرية قلّما نجدها في ثقافة أخرى، وهذا طبيعيّ على لغة الشعر.

في الفصل الثاني من الدراسة، سنحاول اكتشاف الأساليب السحرية التي جاءنا بها شعر القرن الحادي والعشرين، ودلالتها البلاغية.

مواطنون يضعون لافتة عملاقة للمطالبة بمنح الشاعر الكوني منير مزيد جائزة نوبل

Sunday, January 10, 2016

النقاط الثمانية عن المكروهين الثمانية.

يقول المخرج الأمريكيّ كوينتن تارنتينو ناقلا عن المخرج جو دانتي : "يوجد نوعان من هواة الأفلام، يوجد أولئك الذين يحبّون الأفلام، ويوجد أولئك الذين يحبّون الأفلام التي يحبّونها! وأنا من الصنف الأوّل حتما." لكنّ الرجلَ لا ينفكّ يقدّم أفلاما لا تصلح إلا لجماعة الصنف الثاني. أفلام لأولئك الذي يعشقون سينما تارنتينو عشقا خاصّا، ويبدو أنه من العسير أن تقنع شخصا بالقيمة الفنية لهذه الأعمال، خصوصا إذا كان من بين أولئك الذين يبحثون عن جدوى لها. لذلك، فإن كنتَ من بين أولئك الذين لا يستسيغون Django Unchained أو يعتبرون Pulp Fiction فيلما تافها أو فاشلا، فلا أعتقد أن هذا المقال سيغيّر رأيك. أما أولئك الذين لا يعرفون الرجل، ولا يعرفون أعماله، فدعوني أقدّم لكم سينما هذا الرجل، من خلال آخر أعماله : المكروهون الثمانية.

منذ سنة ونيف تسرّب نصّ "المكروهون الثمانية" إلى العموم، وقرّر تارنتينو عدم نقله إلى السينما، والاكتفاء بنشره في كتاب. لكنّ صاموائيل جاكسون وبعض الممثلين الآخرين، وقد أعجبوا بالنص، أقنعوه بتغيير رأيه والشروع في العمل. لقد حارب تارنتينو كثيرا من أجل هذا الفيلم. فأرغم الموزعين على تزويد نحو 70 قاعة سينما بما يسمح بمشاهدة نسخة السبعين مليمترا، كما أحرج شركة ديزني كثيرا لتكفّ ضغطها على قاعات السينما وتفسح لفيلمه مجالا بعد احتكار فيلم حرب النجوم للقاعات خلال عطلة الشتاء. لقد كان هذا الفيلم تجربة ممتعة ومربكة في آن، ورغم اعتيادي على أعمال كوينتن تارنتينو وأفكاره، إلا أن الفيلم نجح في اِرباكي ودفعي إلى ذلك السؤال الذي يندر أن يُسأل في نهاية فيلم : ماذا أراد المخرج تحديدا؟
ولمعرفة ذلك، دعونا نكتشف المكروهين الثمانية، من خلال ثمانية نقاط أساسية تميّز سينما هذا الرجل.

1 ـ العنوان:
يهتمّ كوينتن كثيرا بالشكل حتّى في تفاصيله التي قد لا تعني لنا شيئا، ففي أعماله السينمائية الثمانية، يصرّ على أن يكون عنوان الفيلم وقائمة الممثلين وغيرهم في بداية الفيلم. ومن جملة ثمانية أعمال له، ستة منها أظهرت العنوان باللون الأصفر الفاقع (الاستثناء لـ Kill Bill الذي يغزو اللون الأصفر بالفعل معلقاته الإشهارية، ودجانغو المحرّر الذي اتخذ عنوانه لون الدم). ويتغيّر نمط الخطّ المستعمل بتغيّر جنس الفيلم، حتّى إنه يمكننا بسهولة تمييز جنس الفيلم من خلال خطّ العنوان. ولقد كان الخطّ المستعمل في "المكروهون الثمانية" ذات الخطّ الذي نجده في "ذات مرّة في الغرب" أشهر أفلام الوسترن على الإطلاق.
المكروهون الثمانية هو فيلمه الثامن، وهو يصر في معلقات أفلامه أن يذكر رقم الفيلم كأنّ لعداده نهاية معلومة مسبقا (كان قد أعلن أنه لن يخرج أكثر من عشرة أفلام). لكنّه في هذه المرة، يرقّم الفيلم لا في المعلقة فقط بل في بداية الفيلم. ربّما لاتفاق رقم الفيلم، مع العنوان، وفي ذلك أيضا إشارة جميلة إلى المخرج الإيطاليّ الشهير فريديريكو فليني الذي قام بالشيء نفسه في (8 ونصف).
ِاهتمام كوينتن بالشكل ليس جانبيا، بل هو مهمّ جدا لفهم أفلامه، ذلك أنه كثيرا ما يتّهم بفراغ المحتوى، أو سطحية الأفكار، وهي اتّهامات سخيفة جدا، لأنّ تارنتينو نفسه لا يبحث أصلا عن تقديم محتوى ما. إنّ المحتوى الحقيقيّ لأعماله، هو الشكل، وإنّ الغاية الحقيقيّة لما يقدّمه هي الوسيلة نفسها.

2 ـ الموسيقى :
ليس من باب المصادفة أن تكون أغلب شخصيات تارنتينو مغرمة بالموسيقى. فهذا الرجل يجعل من الموسيقى جزءا مهمّا من عمله. يعتمد تارنتينو على الأعمال الموسيقيّة المتوفرة، لتشكيل موسيقى الفيلم. ولم يحدث أبدا أن اعتمد على موسيقى أصليّة. في هذا الفيلم، يكسر تارنتينو قاعدته، ويوكل مهمّة الموسيقى إلى أحد عمالقة الموسيقى السينمائية. ذلك الذي اشتهر بفضل أعماله الخالدة في أفلام السباغيتي، ونعني به إينيو موريكوني Ennio Morricone. ورغم كل ما قيل عن الخلاف الذي حدث بين الرجلين حول استخدام تارنتينو لموسيقى الرجل في فيلمه السابق، فقد حدث ما تمناه الجميع، وقدّم موريكوني قطعا موسيقيّة عبقريّة لهذا الفيلم، لعلّ أهمها هو مقطع الافتتاحية الذي احتفى به تارنتينو أيما احتفاء. ولكن نندهش كثيرا لو فاز موريكوني بأوسكار الموسيقى الأصلية لهذا العام.

3 ـ لقطة صندوق السيارة:
صنع تركيز تارنتينو على الشكل، والأسلوبيّة المفرطة، مجموعة من العناصر التي يمكن لأي مشاهد من خلالها أن يتعرّف على  أفلامه بمجرد مشاهدة لقطة أو اثنتين منها. وإذا كان العنوان أحد هذه العناصر، فإنّ أهمّها برأيي هو طريقة التصوير. فمن المستحيل مثلا أن يخلوَ فيلم له من لقطة صندوق السيارة Trunk Shot. وهي طريقة تصوير بسيطة تقضي بأن ينظر الممثل إلى شخص (أو شيء) ما في صندوق سيارة، فتتحول الكاميرا إلى عين لذلك الشخص (الشيء)، ويتحدث الممثل وهو ينظر إلى الكاميرا كأنه ينظر إلى عين مخاطبه، نظرة فوقية فيها الكثير من التسلط والتحكم. لقد اعتمد تارنتينو على هذه اللقطة حتى في مشاهد ليس فيها سيارة، ومنها فيلم "المكروهون الثمانية"، فنجد صامويل جاكسون ينظر إلى الجسد المسجّى أرضا، في مشهد لن ينسى. لكن تارنتينو لم يتوقف عن هذه التفاصيل الروتينية. لقد مثل "المكروهون الثمانية" تحدّيا تقنيا مثيرا. فاستعملت له عدسة تصوير ضخمة كتلك التي كانت تستعمل في الخمسينات والستينات، مع أفلام خالدة من قبيل (ذات مرة في الغرب) و (بين هور)، وصار استعمالها في وقتنا الحاليّ نادرا. إن فكرة تارنتينو هي إعادة المشاهد إلى الحقبة الذهبية لهوليود، حين يمتدّ الفيلم لساعات تتخلّلها راحة قصيرة، وحين كان الذهاب إلى السينما مناسبة سعيدة يلبس الناس فيها أجمل الثياب، ويحتفلون. ولقد أجاد تارينتينو ذلك إلى حدّ بدت فيها الراحة بين شطري الفيلم ضروريّة جدا ومساهمة بقسط كبير في طابعه التشويقيّ.
أما التحدّي فقد كان اعتماد هذه العدسة في مكان مغلق كذلك الذي جرت فيه أغلب أحداث الفيلم. يقول مايكل مادسن، إن الكاميرا كانت تلتقط كل زوايا المكان، بحيث لم يكن بوسع الشخصيات الخروج عن إطار الصورة بمجرد انتهاد أقوالها. كان على الجميع أن يواصل آداء دوره ولو كان في ركن ركين بعيد عن مجريات الأحداث. لقد احتوى الفيلم على مشاهد كثيرة تضمّ أكثر من أربعة أشخاص دفعة واحدة، وكان ذلك مما يزيد من تعقيد التصوير، والتمثيل، ومن استحقاق العمل.



4 ـ الجنس:
تكمن قيمة سينما تارنتينو في تلاعبه بالأجناس السينمائيّة. حيث يحاول في كلّ مرة أن يفكّك عناصر جنس سينمائيّ ما، ويعيد تركيبه بشكل يتجاوز به الجنس نفسه. في فيلم المكروهون الثمانية، لم عسيرا أن نلحظ كيف تجاوز تارنتينو جنس الويسترن. ما كان عسيرا هو أن نجد في الفيلم ما يجعله من هذا الجنس! لقد تحوّلت صحراء الغرب الرمليّة إلى صحراء جليديّة مخيفة، وتحوّل الصمت الذي يعمّ أغلب المشاهد التي تسبق القتال، إلى مجادلات ممتعة في أغلبها لولا الإفراط فيها، وتحوّل التفكير الباطنيّ الذي يمارسه جون واين أو كلينت إيستوود بعيونهما، إلى تفكير مسموع يمارسه صاموائيل جاكسون على طريقة المفتّش بوارو في روايات أغاثا كريستي! لقد فتح تارنتينو خلال الفيلم، نافذة مفاجئة على قصص الجريمة والغموض، فإذا نحن أمام جريمة قتل، وإذا نحن نتساءل "من فعلها"؟
يروي الفيلم قصة جلاّد (كورت روسل) يقبض على مجرمة مطلوبة للعدالة (جنفر جيزن لي)، ويرحل بها إلى حيث يفترض شنقها. في الطريق يقابل صائد مجرمين (صامويل جاكسون) وشريف البلدة الجديد (غوغلينغ). وترغمه العاصفة الثلجية على التوقف عند نزل تغيب عنه صاحبته وزوجها، وينوبهما مكسيكي غريب. داخل النزل، كان هناك جلاد البلدة، ورجلان آخران، وهو ما أثار حفيظة الجلاد. إن أحد هؤلاء، ليس كما يبدو عليه، وإنّ هناك مؤامرة خفيّة لانقاذ المجرمة دومرغيو.
يبدو أن تارنتينو يغالطنا، فهو لا يستعمل سينما الويسترن بقدرما يستعمل عالم الويسترن ذاته. إنه لا يستخدم شخصية المكسيكي كما قدّمها المبدع ايلي والاش في (الطيب، والشرير والقبيح)، بقدرما كان يستخدم شخصية المكسيكي كما قدّمتها كتب التاريخ. فهل يمكن أن نتحدث هنا عن تجاوز للجنس أم إنه تجاوز تارنتينو لطرقه القديمة؟

5 ـ الممثّلون:
يؤكّد كل أولئك الذين تعاملوا مع تارنتينو أنه شخص مهووس جدا في ما يتعلّق بأعماله. حين يشرح لممثل ما دوره في الفيلم، فإنّه يروي له قصة حياة شخصيته كلها. متى ولد، أين، من هم أبواه، متى ظهر شاربه، لماذا يحبّ قصّة الشعر هذه، ماهو لونه المفضّل. وهي تفاصيل يحدّدها حتى لأكثر شخصياته ثانوية، بحيث يصبح مجال اجتهاد الممثل صغيرا جدا. لكن لحسن الحظ، فإنّ تارنتينو يعدّ شخصياته وفي ذهنه من سيلبسها مسبقا. ونادرا ما حدث أنه لم يفكّر في المؤدّي قبل خلق الشخصية (حدث ذلك في فيلم الأوغاد المغمورون Inglorious Basterds وكاد يوقف العمل لولا أن عثر على كريستوفر والتز). لذلك كان طبيعيا أن نجد في "المكروهون الثمانية" ذات الأسماء التي تعوّدنا حضورها في سينما تارنتينو : كورت روسل وتيم روث ومايكل مادسن ووالتون غوغينز وزوي بيل، وخصوصا صاموائيل جاكسون، الذي يعتبر المفتاح الرئيسيّ لأعمال كوينتن، فقد شارك معه في كل أفلامه تقريبا ولو بصوته. لم يمنع ذلك من الاعتماد على آخرين لن نستغرب وجودهم في قادم أعمال تارنتينو، وخصوصا الممثلة جنيفر جيسن لي، التي لن نستغرب ترشيحها للأوسكار عن أفضل دور ثانوي.
أعتقد أن آداء الممثلين كان متميّزا، واستطاع أغلبهم التعبير بدقة عن مميزات شخصيته. وعبر المكروهين الثمانية خصوصا، يقدّم لنا كوينتن صورة مصغّرة عن المجتمع الأمريكيّ خلال حقبة ما بعد الحرب الأهلية الحرجة، سنجد رجل القانون، ورجل العدالة، ورجل الحرب، ورجل الثورة… سنجد الأسود، والأبيض والمكسيكيّ، والمرأة والشيخ المسنّ، والشاب اليافع، ومن خلال العاصفة الثلجية، يجبر تارنتينو كل هؤلاء الأوغاد على التواصل، وينقل لنا عبر حواراته البارعة، مكامن هذه الشخصيات وعلاقاتها بالآخر، في تحليل متميّز لشخصية الأمريكيّ خلال نهاية القرن التاسع عشر. هل قلت إن المحتوى لا يعني تارنتينو كثيرا؟ فما الذي يحدث مع هذا الفيلم؟

6 ـ الحوار:
لو أن هناك محتوى مهمّا في أفلام تارنتينو، فهي الحوارات العبقريّة التي يجريها على ألسنة شخصياته، والتي في غالب الأحيان لا تتعلق بأحداث الفيلم! إن الحوار بالنسبة إلى تارنتينو هو امتداد للشخصية، وهو بذلك أهم من الأحداث نفسها. ولئن حافظ المخرج على قيمة الحوار في "المكروهون الثمانية"، فقد بدا أن الأحاديث الجانبية لا وجود لها، وأن كلّ الحوارات متعلقة بشكل أو بآخر بما سيحدث لاحقا.

7 ـ العنف:
ماذا يمكن أن نتوقع من اجتماع 8 شخصيات كريهة في مكان واحد ناءٍ إبان الحرب الأهلية الأمريكية؟ الكثير من العنف طبعا. وتارنتينو يقتفي أثر العنف أينما وجد. لقد اتهم المخرج بنزوعه المنحرف إلى العنف، وإلى أنه بطريقة أو بأخرى يبتذله إلى أن يجعله ممكنا في الأذهان. لكنّ المسألة أبسط من ذلك بكثير عند الرجل. إنّ العنف عنده مادّة جمالية لا أكثر، شيء أشبه باستعمال الفنان التشكيليّ للبهارات في لوحاته، لا يقصد منها أي شيء سوى المتعة ذاتها. يضفي كوينتن على المشهد العنيف مبالغات مضحكة أحيانا، لتذكير المشاهد دائما أن ما يراه ليس حقيقيّا، الافراط في العنف هو جزء من إفراطه في الأسلوبية. إن سينما تارنتينو هي سينما عن السينما أساسا.
ما يبدو مختلفا في "المكروهون الثمانية"، هو أن العنف لا يبدو إفراطا في الأسلوبية بقدر ما يبدو أحيانا إفراطا في التاريخ! لقد شدّني إصراره على تفجير الأجساد مع كل طلقة رصاص، وهو أمر لم نألفه في أفلام الويسترن التقليدية، بل لعلنا لم نره في أي أغلب الأفلام التقليدية. فأي الصورتين أقرب إلى الواقع؟ رصاص يثقب الرأس؟ أم يفجره وقد انطلق من مسافة لا تتجاوز المترين؟ هل يعمد تارنتينو إلى فسخ تلك الصورة التي صنعتها أفلام الويسترن التقليدية واستبدالها بأخرى أكثر إخلاصا للواقع؟ إن هذه الفكرة تخالف كثيرا طرق تارنتينو التقليلدية، ولكنها تتماشى مع ما قدّمه في أفلامه الأخيرة، حيث يبدو الرجل أكثر تفاعلا مع التاريخ وأكثر تمردا على السينما.
من المؤكد أن العنف في "المكروهون الثمانية" يتخذ بعدا مختلفا تماما عن أفلامه السابقة. لقد أخرج هذا الفيلم، في وقت حرج في حياة المخرج. حيث تعرّض لاتهامات كثيرة من قبل الشرطة على خلفية مشاركته في الاحتجاجات العارمة التي تسبب فيها قتل شرطيّ أمريكيّ لرجل أسود. إن هذه الحادثة مرتبطة بالفيلم ارتباطا وثيقا، لأنها لا تعكس فقط الموقف الحقيقي لتارنتينو من العنف، بل لأنها أيضا ألقت بظلالها على شخصيات الفيلم. لقد غمر العنف صورة العدالة نفسها، ورغم طبيعة المشهد الأخير "الشاعرية"، فإنّنا لا يمكن أن نتجاهل عنفه. كذلك لم يخلُ الحوار من العنف، فاستعملت كلمة "زنجيّ" المهينة بشكل غير طبيعيّ واستعملت النكات العنصرية إلى حدّ مزعج مهما كان انفتاح المشاهد وتقبله لسياق المشهد. وطال العنف النساء والشيوخ واللاتينيين، بشكل يجعلنا مرتبكين أمام ما يفعله تارنتينو. حتما نحن لسنا أمام محاولة لابتذال العنف، بقدرما نحن أمام محاولة لابرازه. لقد تأسس تاريخ هذه البلاد على كمّ مفرط من العنف والكراهية.

8 ـ الانتقام عبر إعادة كتابة التاريخ
يمثل الانتقام المحور الرئيسيّ لأعمال تارنتينو. يحرّك دافع الانتقام أغلب شخصياته، ويبدو أن تارنتينو يكره كثيرا صورة الضحية المسكين، ويحاول الانتصار للمظلومين بجعلهم أقوياء قادرين على الإجابة عن الظلم بظلم أشدّ. إن تارنتينو يكره أن نشعر بشيء من الشفقة تجاه ضحايا التاريخ، ويفضل أن نشعر بقوتهم، وبأنهم قساة مخيفون كغيرهم. ربما لذلك يصعب أن نجد في أفلام تارنتينو شخصية يمكن أن توصف على أنها "جيدة". إنهم إما قتلة (Kill Bill) أو أفراد عصابة (Pulp fiction) أو مهربون (Jackie Brown) أو أوغاد ساديّون (Inglorious Bastards) أو صائدو مجرمين بلا رحمة (Django). ولكنهم في الآن نفسه يمثلون فئة ظلمها التاريخ طويلا (النساء، يهود ألمانيا، عبيد أمريكا…)
ولم يبد "المكروهون الثمانية" استثناء. فالرائد ماركويز وارن (صموائيل جاكسون) لا يبدو مكترثا كثيرا بالقضايا التي يساندها (الحرب الأهلية، صيد المجرمين) بقدرما هو مكترث بالانتقام من الرجل الأبيض. كما كان الانتقام دافعا رئيسيا للأحداث ومغذيا لها (ماحدث مع الرائد والجنرال العجوز)، وكان أيضا أساس العلاقة بين أهمّ رجلين في الفيلم، الرائد ماركويز (صموائيل جاكسون) والشريف كريس مانكس (والتون غوغنز). لقد مثل هذان الرجلان كل الخصومات التي يبحث عنها تارينتينو (الأبيض والأسود، الشماليُّ والجنوبي، الأسود المتهم بالعنف المفرط، والشريف ممثل الدولة أو الشرطة لنكون أكثر وضوحا). ولأنني لا أريد فضح أحداث الفيلم، فسأكتفي بالقول إن تارنتينو ينتقم بشكل مغاير تماما لما عهدناه عليه، لقد انتقم من الكراهية، وقام بشنقها عاليا، فهل هذا ما نسمّيه "النضج الفكري"؟ أم إنّه فقط يعكس تجربة المخرج المريرة مع واقعه؟


لا أعتقد أن "المكروهون الثمانية" هو أفضل أفلام كوينتن تارنتينو، وأعتقد أنه بخروجه عن عالمه التقليدي قد انتقص من قيمة العمل فنيا. لكنّه مع ذلك، عمل على قدر كبير من الجمال، والاتقان، ويحمل كمّا لابأس به من المتعة. لقد تساءلت جريدة لوموند الفرنسية عن الرسالة التي يبعثها تارنتينو من خلال فيلم يحتوي على قدر هائل من العنصرية تجاه السود والنساء، وهو تساؤل غريب برأيي، ليس لأنّ تارنتينو هو أساسا ذلك الرجل الذي لا ينبغي أن تنتظر منه رسائل في أعماله، وإنما لأنّ "المكروهون الثمانية" كان استثناء بنظري، وكان يحمل رسالة إلى مجتمعه، تلك هي رسالة إبراهيم لينكولن.


Sunday, January 3, 2016

الميلودراميُّ والوثائقيُّ في البيع المكشوف الكبير.

ماذا تعرف عن السندات المدعومة بأصول؟ هل سمعت عن السندات المضمونة بالرهون؟ عن المقايضة الماليّة أو مبادلة مخاطر الائتمان أو التزام الدين المضمون بأصول أو سند الدين المضمون المركّب أو المخلّق؟ لو أنك لستَ خبيرا اقتصاديا فلا داعيَ لأن تُبديَ تلك الملامح التي توحي بأنّك تفكّر أو تحاول أن تتذكّر أين سمعت هذه العبارات من قبل. كلانا يعرف أنك لا تفقه شيئا من كل هذا. لا أحد يفهم هذه المصطلحات المعقدة، سواء خبراء الاقتصاد والماليّة. مع ذلك، فإنّ هذه الأشياء الغريبة، هي التي تشكّل العالم الذي نراه اليوم بأمجاده وكوارثه.


يحاول المخرج الساخر آدم ماكّاي Adam McKay من خلال عمله الجديد "البيع المكشوف الكبير" أو The Big Short أن يحدّثنا عن أكبر الكوارث التي تسبّبت فيها هذه العمليات الماليّة، ونعني الأزمة الماليّة التي ضربت أمريكا والعالم من بعدها بداية من 2007. ولقد استطاع الرجل من خلال الاعتماد على كتاب مايكل لويس (ذي العنوان نفسه) ومجموعة متميّزة من الممثلين أن يشرح لنا أصول الأزمة وتداعياتها بطريقة مبتكرة جدا.


من الصعب الحديث عن جنس فنّي لهذا الفيلم، فهو يجمع بين السيرة، والدراما، والسخرية السوداء، والتأريخ والعمل الوثائقيّ التعليميّ. يمكن أن نقول إننا إزاء ميلودراما وثائقية. فأحداث الرواية حقيقيّة في أغلب تفاصيلها، وشخصياتها وجدت في الواقع وإن بأسماء مختلفة أحيانا. ولقد دعمت عشرات المشاهد التاريخية المقحمة هنا وهناك داخل الفيلم، والتقديمات الكتابيّة لمختلف الشخصيات والمباني والبنوك، من الطابع التوثيقيّ للفيلم. أما ما جعله أقرب إلى الدراما من الوثائقيّ، فهو أساسا إضافة عمق دراميّ للشخصيات الرئيسية. ففي الفيلم لا تتوقف معرفتنا عن هذه الشخصيات، على تفاعلها مع الأزمة الماليّة بل تتجاوز ذلك إلى ماضي الشخصية أو مشاكلها النفسية أو الاجتماعية، أو مواقفها السياسية والفلسفية، وهو عمق لم يبنه ماكّاي عبثا كما سأبيّن فيما بعد. كما يظهر الطابع الدراميّ في سمة الراوي غير الموثوق بروايته، أو الراوي اللاموضوعيّ، وهو راو مشارك في الأحداث، ويعتبر من شخصيات الفيلم، ولقد قام بدوره الممثل المتميّز ريان غوسلينغ.


يحدّثنا الراوي (ريان غوسلينغ) عن مدير استثمارات غريب الأطوار يدعى دكتور باري (كريستيان بايل)، استطاع من خلاله قراءته الثاقبة للأرقام أن يلاحظ أن قطاع السكن سيشهد قريبا أزمة ضخمة بسبب عجز كبير في دفع أقساط شراء المنازل، ولأن قطاع السكن في عالم المالية يعتبر أحد أكثر القطاعات استقرارا، فإن هذه الأزمة قد تتسبب في كارثة اقتصادية ضخمة في الولايات المتحدة. ولأن الدكتور باري هو في نهاية الأمر مدير استثمارات وكل ما يعنيه هو أن يربح حرفاؤه أكثر مبلغ ممكن، فقد راهن بأموال مستثمريه على فرضية انهيار قطاع السكن، وهو ما كان سنة 2005 أكثر الأمور استحالة.


ولئن كان الدكتور باري أحد الأوائل الذين كشفوا عيب النظام، فإنّه لم يكن الوحيد الذي حاول استغلاله. يخبرنا الراوي فينيت كيف عرف مصادفة بما فعله الدكتور باري، وكيف فكّر في ضرورة الاستفادة من ذلك رغم كونه ابن مؤسسة بنكية ستضرّر كثيرا ممّا سيحصل. كان فقط يبحث عن شركة استثمارات يمكن أن تقتنع بالفكرة المجنونة. هنا تظهر الشخصية الأكثر جاذبية في الفيلم ونعني بها مارك باوم (ستيف كارِل). كغيره من الشخصيات، يتمّ تقديم مارك من خلال طبعه الغريب، ونفسيته الهشّة ومواقفه الحادّة من النظام البنكيّ اللّص. كان باوم يبحث عن فرصة تسمح له بالانتقام من البنوك التي تسلب المواطنين أموالهم بطريقة قانونية، ولقد جاءه فينيت بهذه الفرصة. الطرف الأخير في الفيلم، يتكوّن من شابّين مبتدئين يحاولان الدخول في عالم وول ستريت المعقّد، فيجدان صدفة مشروع الدكتور باري الاستثماريّ. تنبت الفكرة ويقرّران المشاركة في المخاطرة الكبيرة، ويستعينان بأحد المتقاعدين من عالم وول ستريت، بين ريكرت (براد بيت) لإتمام العملية.


إنّ عالم الماليّة عالم كئيب ومعقد ولا يغري أحدا بمتابعة تفاصيله أو بفهم آليّاته، وهذا هو التحدّي الذي فرض على المخرج أن يتجاوز الشكل الكلاسيكيّ المعروف للأفلام الوثائقيّة. كيف يمكن للمشاهد العاديّ أن يمضيَ ساعتين أمام شريط يحدّثه عن تلك الآليات المعقدة التي سببت الأزمة دون أن يطرف له جفن؟ لقد قامت الدراما بهذه الوظيفة، أي شدّ انتباه المشاهد إلى الفيلم، وجعلته يتفاعل إما سلبا أو إيجابا مع مختلف الشخصيات، ويتشوّق لمعرفة مآلها (أو مآل أموالها). وبين الحين والآخر، يتجاوز الأبطالُ الحائط الرابع ويتوجهون مباشرة إلى المشاهد (أجل ينظرون إلى الكاميرا) لتبيين بعض التفاصيل، أو لإصلاح بعض الحقائق التي حوّرها الراوي البطل. وبين الحين والآخر، يستعمل المخرج وجوها أمريكية شهيرة لتشرح بطريقة ظريفة مصطلحا تقنيا معقدا (سيلينا غوميز، مارغوت روبي…). لقد قام آدم ماكّاي بكل شيء لجعل عالم الماليّة والبنوك أمرا مثيرا، بل إنه يدفع المشاهد للتعاطف مع شخصيات تخاطر لتربح على حساب الاقتصاد الأمريكيّ، وهو إحدى النقاط الجدليّة المهمّة في الفيلم.


كان بين ريكرت (براد بيت) قد صرّح بهذه الحقيقة المؤسفة في وجه الشابّين في نهاية الفيلم، وفي وجه المشاهدين ضمنيّا. "إذا كنّا سنربح، فهناك أناس سيخسرون ديارهم، وشغلهم، وحمايتهم الاجتماعية"... كما أن الراوي اعترف أنه ليس بطلا، إنّه شخص يبحث عن المال أينما كان، ولقد وجده فوق ركام القطاع السكنيّ المنهار. عبقريّة هذا الفيلم تتجلّى في شخصياته التي تبدي وعيا حقيقيّا بحجم الكارثة وتداعياتها الإنسانية، وهي مع ذلك لا تتورّع عن الاستفادة منها. أليس هؤلاء هم أبناء هذا النظام الرأسماليّ؟ لماذا الحكم الأخلاقيّ على أناس يعيشون وفق منظومة تقيّم الأشياء فقط بالدولار؟ لقد كان مارك باوم بمواقفه ومحاضراته التي هاجمت القطاع البنكيّ، وحاولت فضح فساده وغشّه، وهو مع ذلك كان أحد الأطراف التي حاولت الإفادة من الخسارة. لقد كان المخرج عبر كل هؤلاء يقول للأمريكيّين : لا أبطال لكم، لا أحد يحميكم.


لقد عاد المخرج إلى الأزمة المالية ليتحمل مسؤوليته كمثقف مطالب بإعادة طرح القضية في قالب مفهوم على مستوى شعبيّ. لكنّه حمّل الفيلم أهدافا أخرى. كانت المقابلة واضحة بين الخطّ السرديّ للفيلم، وبين المشاهد الاعتراضية (مثل الجمل الاعتراضية) التي تقطع ذلك الخطّ. إنها مقابلة بين ما كان المواطن الأمريكيّ يراه على شاشة التلفاز (أغاني الفيديو كليب، حوارات النجوم، أحداث عالمية ضخمة، مبانٍ شاهقة، برامج الواقع …) وما كان يحدث على أرض الواقع. إنها مقابلة بين ما يبدو وما يخفى، وبين الوهم والحقيقة. إنها مقابلة بين مظاهر الرأسمالية وباطنها. لقد حاول المخرج في أكثر من موضع التأكيد على أن المشكلة ليست في النظام الرأسماليّ بحدّ ذاته، وإنما في ما حصل فيه من تلاعب على أيدي أباطرة المال، والبنوك. لكن المشهد الهوليوديّ العام، يخبرنا بارتفاع حجم السخط على رأس المال الماليّ، وعلى الطابع الامبرياليّ الذي يبدو كأنه بات يأكل نفسه.

فيلم معقّد قليلا في تفاصيله، ممتع في عمومه، مهمّ جدا في مضمونه. ويوما ما، بعد سنوات بعيدة نسبيا عمّا نعيشه، حينما يشاهد مواطن عربيٌّ هذا الفيلم، سيكون من السذاجة لديه أن لا يربط ما سيراه بما قرأه في كتب التاريخ عن ربيعنا العربيّ.


Sunday, December 27, 2015

على حلّة عينيّ، أغمضتهُما!

يعتبر الفيلم الروائيّ في تونس حدثا ثقافيا وطنيا لندرة مثل هذه الأعمال، وصعوبة تحقيقها. ويزداد الحدث أهمّية حينما يكون صاحب الفيلم مخرجا معروفا، أثارت أعماله السابقة مجادلات وخصوما ومؤيدين. في حالة فيلم "على حلّة عينيّ"، نجد أنّ صاحبة العمل ليلى بوزيد هي ابنة المخرج التونسي الشهير النوري بوزيد، وهو أول أعمالها الطويلة، وهو أيضا صاحب التانيت البرونزي وجوائز أخرى في أيام قرطاج الأخيرة، بل تجاوز سياقه المحلّيّ بالمشاركة في مهرجانات عالميّة كالبندقية، وحصوله على المهر الذهبيّ في مهرجان دبيّ. طبيعيٌّ إذا أن يملأ الفيلمُ المشهد السينمائيّ التونسيّ وطبيعيّ أن يرافقه ذلك التساؤل الحرج: هل يستحقّ كل ذلك؟


من الغريب أن أجيب عن السؤال منذ البداية: أجل، أي فيلم تونسيّ يستحقّ كلّ ضجة ممكنة، لا بسبب قيمته لذاته، ولكن بسبب قيمة أن يكون هناك عمل سينمائيّ في بلاد تكاد تخلو من قاعات السينما. وبقدر أهمّية أن يكون هناك أعمال سينمائيّة، من المهم أيضا التفاعل معها، بالسلب أو بالإيجاب. وهو الدافع الأساسيّ من وراء المقال. فالحقيقة أنّ الفيلم لم يثر في نفسي أيّ شيء تقريبا، ولولا أنه فيلم تونسيّ لما كتبت عنه.


أهو سيّء إلى هذا الحدّ؟ مطلقا. هو عمل على قدر لابأس به من الصنعة على مختلف المستويات. فلا تلمس خللا في الصورة، ولا في التصوير. وهو من الأفلام التونسية القليلة التي تشعرك بالعمل المضني على مستوى التركيب. ولأن الفيلم يتابع تجربة فرقة موسيقيّة، فقد كان العمل الصوتيّ من أجود ما أنتجته السينما التونسية، وقد يكون ذلك أيضا عائدا إلى تطوّر التقنيات المستعملة في الآونة الأخيرة. كما كان هناك عمل كبير على مستوى الموسيقى أشرف عليه الفنان خيام اللاميّ. أما السيناريو فهو كثيرا ما مثّل نقطة الضعف الأولى في الأعمال التونسية. لكنّه إحقاقا للحقّ، بدا في "على حلة عينيّ" واضحا متماسكا. ولو أن هناك ما يعاب على الفيلم على مستوى الإتقان والحرفيّة، فربّما بعض الهنّات في آداء الممثلين أحيانا، وفي الحوار الذي اعتمد كثيرا على الارتجال انطلاقا من نصّ أساسيّ. يجب التنويه بأنّ الفيلم يعتمد على وجوه كثيرة جديدة، لذلك فأنا أعتقد أن حضورها الأول كان إيجابيا. سأخصّ بالذكر بيّة المظفر بطلة الفيلم، فقد أثارت الدهشة والإعجاب وعبّرت عن شخصية فرح بتلقائيّة رائعة. ورغم الظهور الخجول لغالية بن عليّ (الأم) في بداية الفيلم حين استقبلت ابنتها، إلا أنها تداركت ذلك شيئا فشيئا وأقنعت في مشاهد عديدة، وكذلك الشأن بالنسبة لمنتصر عياري (برهان قائد الفرقة) وأيمن العمراني (علي). هو عمل على قدر لا بأس به من الحرفيّة، ويشي بعمل جبّار قامت به المخرجة لإنجاح فيلما الأول. لكن من قال إن الخلق الفنّيّ هو صنعة فحسب؟


تقدّم لنا ليلى بوزيد حكاية فتاة تونسية على مشارف الدخول إلى الجامعة، وكيف تحاول أن تبدأ مشوارا غنائيّا مع فرقة من الشباب الهاوي. وتدور أحداث الفيلم في صائفة 2010 والبلاد على بعد أشهر معدودات من الثورة. وعبر هذه القصة، لا يبدو أن ليلى بوزيد تناور كثيرا، فالوضوح سمة المشاهد، والأحداث، والشخصيات. لا شيء يحتمل تأويلات مربكة أو يجعل المشاهد في حيرة من مرام المخرجة. فالفرقة الموسيقيّة أنموذج لعموم الشباب التونسيّ المليء بالطاقة والإبداعات، وما حدث لهم من قمع وترهيب، هو ما يحدث لكلّ شاب تونسيّ يحاول أن يخلق شيئا جديدا، أو "يوقظ شعبه يريد صلاحه" كما قال أبو القاسم الشابي. كما أن إدانة جهاز البوليس كأداة أساسية للنظام القمعيّ لبن عليّ، مثلّت محورا أساسيّا في الفيلم، هذا عدا الكثير من الإشارات الأخرى مثل مسألة الحوض المنجميّ، والرشوة، والحرية الجنسية. نحن أمام فيلم إذا محكم الصنعة، مشبع بالقضايا "الجادّة". وهو كلّ ما يريده ويدعو إليه عموم المتكلمين في الشأن السينمائيّ والفنيّ عموما. للأسف، لا أستطيع أن ألغيَ عن الفنّ قيمته الجمالية والإبداعية وأختزله في كتلة من القضايا. لا أستطيع أن ألغي الفرق بين مشاهدة الأفلام ومشاهدة الأخبار.



أكتب هذا المقال وأنا أستمع ـ فيما أستمع ـ إلى أغنية الفيلم الرئيسية "على حلّة عيني". وهي أغنية تراوح بين اللطف والشراسة، وتشهد بعبقرية الموسيقيّ خيام اللاّمي وموهبة كاتب الكلمات غسان عمامي. للأسف لم تبد كل الأغاني التي قدّمتها الفرقة الموسيقيّة بذلك الجمال، وأحيانا شارفت على الابتذال، هذا عدا التوزيع الموسيقيّ الذي يجعلها أحيانا "تدور، تدور، تدور، تدوووور"! ولكنّني لستُ خبيرا في الموسيقى، ولا أملك حقّ إبداء رأيي في آداء بيّة المظفّر (بطلة الفيلم) الغنائيّ. أنا فقط لا أعتقد أنّ ما قُدّم خلال الفيلم يمكن أن يعبّر بدقة عن الأثر الذي تركته في النفوس آنذاك بعض أغاني بنديرمان، وفريد وغيرهما. كما لم يبدُ على أعضاء الفرقة في حياتهم اليوميّة أي تفصيل يوحي باهتمامهم بما يحدث في البلاد. هناك قصص الحبّ، وهناك البحث عن العروض، وهناك البحث عن مكان يصلح للتدريب، وهناك مشكلة إقناع الأهل بقيمة العمل الفنيّ، وهناك الجدل حول الصدام مع النظام، لكن لم يكن هناك أبدا أيّ تصوّر للنظام. لقد حمل عنوان الفيلم نفسه هذا التناقض دون أن يدري، فهو يفترض أن "فرح" كانت مغمضة العينين قبل أن يحدث لها ما حدث، وهذا ما يجعلنا نتساءل عن مدى وعيها بالكلمات التي تترنّم بها (أجل أعرف أنها ليست كلماتها، وهذا لا ينفي تبنيها إياها). لقد حاولت ليلى بوزيد خلال الفيلم التأمّل في صائفة 2010 وهي صائفة شبابية بامتياز شهدت خلالها العاصمة تحركا شبابيا شهيرا عرف بإسم "نهار على عمّار" (22 أيّار)، لكن يبدو أن أعضاء الفرقة الذين ينقدون القمع لم يسمعوا بهذا النهار بعد. لقد بدا كأن المواضيع التي ينبغي أن تناقشها الفرقة، قد عوّضت جميعها بقصة حبّ تحيلنا إلى "قضيّة" أخرى.


اِشتهر النوري بوزيد بمواقفه الداعية إلى الحرية الجنسية، أو المندّدة بالقمع الجنسيّ والكبت الجنسي، وقد كان ذلك سببا في الجدل الكبير الذي يطرأ كلما أخرج فيلم. ويبدو أن ليلى بوزيد ساعية أن تقتفيَ أثر أبيها في هذا الجانب. ففكرة الفيلم أساسا تتعلق بالمشهد القمعي الطاغي على البلاد قبالة الثورة، وهو مشهد بطله الأساسيّ نظام بن عليّ، وضحيته الأساسية هي الشباب. ويأخذ القمع خلال الفيلم أشكالا أخرى غير مباشرة، كقمع الوالدين (إجباره على توجّه بعينه في الجامعة مثلا)، والقمع الطبقي (طرد الخادمة وإن كانت الرمزية عفويّة برأيي) والقمع الاجتماعيّ(عمال المناجم، النظرة الدونية للشباب الخ). على أنّ القمع الجنسيّ يبدو طاغيا في الفيلم، إلى حدّ الابتذال. إن الجنس هنا في كل مكان، وإنّ كل علاقة مختلطة هنا، تفوح منها رائحة الشهوة، فهناك علاقة البطلة وقائد الفرقة، وهناك ما حدث مع مدير أعمال الفرقة (عليّ) وهناك ما حدث مع مراقصها في الملهى، وهناك علاقة أمها بحبيب الماضي، وهناك طرق القمع الوحشية التي ينتهجها النظام، وهناك مشاهد كثيرة أخرى، لا تكاد تضيف شيئا للسيناريو، سوى أنها تثري هذا المشهد الإباحي الضخم الذي يطغى بحضوره حتّى وهو ليس المعنيّ الأساسيّ بالعمل. إنّ ما جعلني ألفت النظر إلى هذه المسألة، هو علاقة أم البطلة (غالية بن عليّ) بحبيبها السابق (يونس الفارحي). فوجود الرجل في القصة، لا تأثير له على الإطلاق، يمدّها بمعلومتين، كان يمكن أن يقوم بهما أي شخصين آخرين دون أن يغيّر ذلك من مجرى الأحداث. لكنّ ليلى بوزيد تخلق قصة كاملة من وراء ذلك، تنتهي بإقدام المرأة على إباحة نفسها من أجل ابنتها. ماذا يفترض من المشاهد أن يفهم من مشهد لا أهمية له كهذا؟ وهل من حقّنا أن نتساءل إن كانت رائحة الكبت الطاغية على الفيلم، منبعثة من المجتمع التونسيّ، بقدر ما هي منبعثة من صاحب العمل نفسه؟


إن تساؤلي ليس اتهاما، ولا أجد من المعيب أن يعانيَ المرءُ من الكبت، لكنّ العمل الفنّي يسمح باختلاجات لاواعية يجب الاستماع إليها والتأمل فيها لأنها جزء من الصورة الفنية، ولأنها أهم عناصر البناء الجماليّ. وقد يكون عدم استساغتي للعمل على صنعته، هو هذا العجز الذي لمسته من الفيلم، على خلق مشهد أكثر جمالا. أعترف أنها مسألة ذوقية بالأساس. لكن لنكن متّفقين على الجانب الواعي من العمل على الأقل. فالفيلم شأنه شأن كل عمل فنّي ذي خصائص أدبية، هو نوع من الخطاب. ولكلّ خطاب جمهور مخاطَب. ولا أعتقد أن ليلى بوزيد تجهل هذا الجمهور الذي تخاطبُه بفيلمها، ولا أعتقد أنها تجهل خصائصه الثقافية والحضارية. لذلك فقد قدّمت له صورة لطيفة عن الفنانين الشباب، والفرق الشبابية، يمكن أن يأنس إليها ويطمئن إلى أبنائه حين ينضمّون إليها. أتساءل كم شابّة سيمنعها أبواها من الغناء بعد مشاهدة العالم الذي تعيش فيه فرح؟


لأنّنا لا يمكن أن نخرج الفيلم عن سياقه، فهو فيلم جيد جدّا، ويمكن أن نهنّئ عليه أصحابه الذين يخوض أغلبهم تجربته السينمائية الأولى. ولكن لأننا نعتبر أنه من الضروريّ التطلع إلى ما نحتاج إليه، فالفيلم محبط، تذكرنا قصته بفيلم "ميكروفون" لخالد أبوالنجا، وتعيدنا أفكاره إلى ما نسمعه يوميا في وسائل الإعلام، ومشاهده أقرب إلى الوجبات السريعة التي تصلح للاستهلاك التلفزيّ لا للعمل السينمائيّ.


There was an error in this gadget

Translate