Sunday, July 13, 2014

عن الذي ينقص

تأوه في سخط مع تسلل خيوط الشمس الأولى عبر ستائر النافذة، و تململ متثاقلا في رحاب سريره الحديديّ، و راح يلعن في سرّه زوجته المهملة. اللعينة تفعل ذلك عمدا حتّى لا ينعم بالنوم إلى الزوال. تعرف جيّدا أنّ الشمس عدوّه الأول، منذ أن كان يعمل في ظلام الأقبية و رطوبتها. لن يعتاد على النور بعد ذلك أبدا.

طاف في أرجاء بيته الضيّق مرتين كأنه تائه. عاود شتم زوجته التي لم تترك له شيئا من القهوة قبل خروجها. العاهرة، تـُـراها الآن تروي سيرة حياتها لجارتها! لم يشرب يوما قهوته في البيت، و لكن ماذا لو خطر له أن يفعل؟ ألا يحق له ذلك؟ أين بنت الكلب لتحقق له ذلك؟
فتح التلفاز و راح يحملق في الصور المضيئة و قد أخذته نفسه عن ما حوله.. كان يشعر بضيق بالغ يخنق صدره. يعلم في قرارة نفسه أن النهوض الباكر ليس السبب الحقيقيّ، فقد اعتاد في ما مضى أن ينهض قبل نهوض الشمس. ربما هي حاجته إلى التبغ و القهوة، أو لعلّه إحساسه بضيق المكان..

لفتحه شمس صباحية فتيّة، فأعرض عنها بقلنسوته الرمادية، و لزم جانب الشارع كي يجتنبها، و يمّم وجهه شطر مقهى الحيّ.
يكره كلّ فضاء مفتوح، حيث يجهل إحداثيّاته، و حيث عليه أن يؤمّن جهاته الأربع طوال الوقت.. في أقبية السجون، كلّ الممرات ضيقة، و كل القاعات و الغرف و العنابر ضيقة، النوافذ أيضا ضيقة، و كذلك العيون و النفوس.. كان يمكنه أن يسير مغمض العينين هناك، كان يشعر بالأمان كلما ضاق الفضاء و شحّ الضوء و الهواء، لذلك، لم يعتد الخروج كلّما أحسّ بضيق كهذا الذي يشعر به اليوم. و ربما كان العكس صحيحا، إنّ الهواء نفسه يسبب له الضيق و الانزعاج. هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

ألقى ما تبقى من لفافة التبغ في الشارع، و دهسها مواصلا طريقه. ربما كان بحاجة إلى أكلة دسمة. لقد مضى وقت طويل دون أن يأكل شيئا يصلح. جسده النحيف يشي بذلك. التبغ يغني عن الأكل في أكثر الأحيان، و ربما تدهورت صحته دون أن يعلم. سحقا لهذا العالم! حتى جسدك أنت بات يشعر بالوهن! إيه يا زمن الجرذان، خذلت فأحسنت الخذلان، و قد كنتُ رهبة السجون، و مرعب القضبان. ها أنذا اليوم أبحث عن قوت حتى لا أنهار كما زبائني.
خمّن أن يشتريَ لوازم غداء جيد مثخن بالخضار. سيكلفه ذلك ثروة صغيرة، و لكن لا بأس. لجسده عليه حقّ. لا يجب أن يشعر بهذا الوهن و هذا الضيق مرّة أخرى، لا يزال الوقت مبكّرا على الشيخوخة، لا يزال الوقت مبكّرا على شماتة الشامتين، سيفرح بأمهاتهم قبل أن يفعلوا.

وقف أمام أحد الباعة و تأمل بأعين مرتابة صناديقه و حركاته، فاستدار إليه البائع مرحبا، لكنه طلب شيئا من الطماطم دون أن يلطّف من حدة نظراته. لم تفته الريبة التي ارتسمت على وجه البقال، و لا الارتباك الذي تملّك يديه، لكنّه تجاوز ذلك كي لا يفوته الكيل. أبناء الزنا هؤلاء، لا يؤمن جانبهم أبدا.. و حينما استلم كيسه، فتحه متأمّلا فيما استلم.
لا تشبه حتما تلك القطع البائسة التي يسلمونها إلى المساجين. تذكر كيف اعتاد رفقة أصحابه البول على الطماطم قبل رحيها و تقديمها، ثم المراهنة على من سيأكلها.. ابتسم في سرّه متحسّرا على الأيام الخوالي، و على دعاباته القديمة.. في سنواته الأخيرة في العمل، لم يعد يطيق المشاكسة كثيرا، كأنه كان يفضل الاحتفاظ بطاقته لوقت الشدّة، و كثيرا ما كانت تأتي أوقات شدّة.. أما اليوم، فقد باغته شعور مفاجئ بالقرف من الحبيبات الحمراء الأنيقة المقدّمة إليه، فرمى بالكيس أمام البقال و غادر في صمت.
لم يسمع تعليقا من وراء ظهره، ربما لأنه تعرّف عليه، و ربما لأنه يفق من المفاجأة، و ربما علّق بالفعل لكنّ سمعه خانه.. هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

هذا الفراغ الذي يخنقه لا علاقة له بمعدته، بل هو يملأ رأسه. كيف يملأ الفراغ رأسه؟ لا يعرف، و لكنه يصدّق نفسه. هو ليس طبيبا على كلّ حال. كانت وظيفته دوما أن يقرّر هو ما يحصل مع الأجساد، و أن يكل للطبيب ايجاد تفسير لما قرّره. لذلك لم يثق قطّ بالأطباء.. لو ذهب لاستشارة أحدهم فسيقول أي شيء يضطرّه إلى شراء أدوية لا لزوم لها، بينما جسده وحده يقاوم و ينتصر. إنه أدرى من الأطباء بمعجزة الجسد. هو وحده من يذهب بها إلى حدود قدراتها، أما الطبيب، فلا يملك إلا كبت طاقتها بأدويته البائسة.. رأى أجسادا تقهر الزمن، و لئن كانت نادرة، فهو لم يشكّ في أن جسده إحداها. كان يبالغ في القسوة حتى يبلغ منتهاها، فإن حافظت على بقائها، يشعر بزهو غريب كأنما جسده من فعل!
يتذكر كل ذلك دون أن تمرّ صورة واحدة بذهنه، كأنما يصرّ رأسه أن يحافظ على فراغه. رأسه بات ممتلئا بالفراغ. و بدا له أنه في حاجة إلى شيء من الفوضى..

تسمّر أمام مغازة في شارع جانبيّ قليلا، ثم حسم أمره و توجّه إلى رواق الكحوليّات داخل المغازة. ليذهب جسده إلى الجحيم، اللعنة على الصحة و ما تفرضه من قرف. لقد مضى زمن طويل على آخر جلساته الخمرية. حينما غادر عمله، حاول الإبقاء على معارفه هناك. دعا بعضهم إلى سهرة أو سهرتين، لكن سرعانما فتر عزمه حينما لم يشعر بشيء من التجاوب. أبناء الزنا، كانوا يتهافتون عليه كبنات الهوى، و اليوم يخجل أحدهم من التردّد عليه.. قالوا له في الإدارة إن اسمه المعروف لم يعد ذا نفع في زمن حقوق الإنسان و كل ذلك البراز النتن الذي جاء به المرتزقة. و هاهو اليوم يشرب وحيدا، من حين إلى حين. يحرق حنجرته بما جاد جيبه من البوخة و المرناق، ثم يشتم كل من عرفهم، و أمهات من عرفهم، و ينام..

تأمل القارورة المستكينة بين أنامله، ثم ألقى بها في السلة المعدنية، رنّ صوتها في ذهنه، فأحدث صورا فاجأته. رأى عشرات الوجوه الملتاعة الصارخة.. أدبار كثيرة ألقمها زجاجا كهذه الزجاجة التي في السلة. عالج أدبارا حتّى بات يعرفها أكثر من وجوه أصحابها. أحيانا تبدو المهانة مرتسمة عليها قبل الوجوه. لذلك كان يؤمن دوما أنها الطريقة الأكثر نجاعة. بعضهم كان يعترف بمجرد أن يراه لهول التجربة. بعضهم ينخرط في بكاء مرير أو يغشى عليه. أما الحمقى الذين لا يعرفون، فكان يجب أن يقدّم له شيئا من الحكمة.. من الخلف..
عاوده القرف و هو يتأمل القارورة، و خيل إليه أنّ رائحة عنقها تصدّع أنفه، فطرح السلة أرضا و استدار مغادرا. لم تكن له رغبة حقيقية في الشرب، إنه ذاهل عن العالم أو قريب من ذلك بالفعل، هذا الاختناق الذي يحنقه يفرض على جسده استرخاء لا يطيقه. هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

انتبه إلى رجل يتحسّس طريقه إلى الرواق. ضعف بصره، و لكنه يبدو مصرّا على النهل مما تبقى له من متع. لحسن الحظ أن خراب جسده قد بلغ عينيه، فلم يتعرّفه، و ربما لو عرفه لحصلت فضيحة لا يحبّ لها أن تحصل. أما هو، فلم يخطئ هويته من أول نظرة. إنه يحفظ وجوه "زبائنه" واحدا واحدا، بدءا بتلك المرأة التي كانت تنقل الرسائل إلى زوجها المختبئ و جماعته، انتهاء بذلك الغلام الطريّ الذي ظنّ أنه سيغيّر العالم عبر شاشة حاسوبه.

يحفظ وجوههم و ندب أجسادهم كما يحفظ الشاعر قصائده، و كما يحفظ النحّات تضاريس منحوتاته، و يمكن بيسر و ثقة أن يميّز بين ندبته و غيرها في الجسد الواحد. كم كان فخورا بذلك! إنه يقرأ الأجساد كما لا يفعل المرء مع جسده. عينه الخبيرة تعرف جيّدا مواضع القوة أو الوهن ، مواضع اللذة أو مواضع المهانة، تبوح له الأجساد بأسرارها قبل أن تبوح بأسرار أصحابها. الجسد صادق دوما، ثرثار لا يحسن التورية، لا يحسن الخداع، ارتعاش الانامل، تقوّس الظهر، اصطكاك الأسنان، حكاك الأذن، أرنبة الأنف، النفس الحار، و العرق البارد، حتّى سيلان الدماء يصبح نصّا بليغا.. علاقته بأجساد الآخرين أكثر حميميّة من علاقته بأرواحهم.

إنه لا يملك أصدقاء تقريبا، لا يملك أحدا، أتراه يشعر بالوحدة هذا اليوم؟ أتراه يشعر أخيرا أن عزلته و قد جرّد من عمله ستهلكه؟ أهذا سرّ الاختناق الذي يلازمه؟
سار بخطوات سريعة متلهفة إلى مقهى الحيّ. الجميع هناك يعرفونه، لذلك كان يتحاشى الجلوس إليهم. كان يفضل الإبقاء على هيبة زائفة، على أن يلمس أحقادهم. في عالم قذر كهذا، للهيبة قيمتها. لن يجرؤ طائش واحد أن يغدر به. سيفكرون كثيرا في أطرافهم قبل أن يفكروا في معاداته. لكنّ الهيبة أيضا تعني أمورا أخرى..
قرأ على الوجوه نفورا واضحا، انزعاجا لا يحتمل تأويلين. جلس حيث يجلس رجل وحيد منعزل. من الأفضل الجلوس إلى رجل واحد، فهذا يجعل من حديثهما أكثر حميميّة. لا يجب أن ينصت المقهى كلّه إليه منذ الجلسة الأولى.
لكنّ جاره كان مذعورا. حينما استدار إليه، لم يخطئ ملامح الفزع التي حاول إخفاءها وراء شيء من اللامبالاة. ثم إنّه سارع بارتشاف قهوته المركّزة و حياه قاصدا المغادرة، فهتف فيه :"اُقعد!"
ساد الصمت بعد هتافه المفاجئ، و بدا كأن كارثة جديدة ستحدث. جلس الرجل و قد فرّ الدم من وجهه. اللعنة عليك! اللعنة عليكم جميعا! لقد كتب عليه أن لا يخاطب الناس إلا بصيغة الأمر، و نبرة البلطجة.. لقد كتب عليهم أن ينزعجوا من وجوده.. فلينزعجوا، فليموتوا انزعاجا! إن البقر لا تفهم إلا هذه الصيغة. هؤلاء الجيف العفنة.. أتدّعون الفضيلة يا كلاب؟ أنا أعرف قذاراتكم واحدا واحدا. أيها الملاعين! كونوا رجالا على الأقل! كونوا رجالا و لا تدّعوا فضائلا لا تملكونها! إنني أشعر بالغثيان من الاختلاط بأمثالكم. ما الذي أفعله في هذا المستنقع الكريه؟ 

نهض دون أن يلقيَ بالا إلى الوجوه التي تراقبه سرّا، و غادر المكان و هو يعلم أنه (أي المكان) سيمتلئ بالتنهيدات و النكات السخيفة.. إن البشر لمقرفون، لا يمكن أن يفهم هذا إلا من اقترب من أجسادهم كما فعل هو طوال السنين الماضية. إنّ ما ينقصه شيء آخر فما عساه يكون؟

بلغ مسامعه صوت الآذان و هو في طريقه إلى المنزل، و خيّل إليه أنه يسمعه لأول مرة، أو هو انتبه إليه لأول مرة. ما الذي يعنيه ذلك؟ التوبة؟ و هل لمثله تقبل توبة؟ و كيف يتوب و قد أبعدوه قسرا عن عمله؟ لولا ضغوط تلك المنظمات اللقيطة التي جادت بها الثورة، لظل في منصبه إلى اليوم.
لكن ماذا لو أن التوبة هي ما يرومه بالفعل؟ ماذا لو أن سبيله للتخلص من الإختناق هو البكاء بين يدي ربه؟ ترى، أكل ما شعر به من اشمئزاز، سببه حاجته إلى التطهّر؟ إنه لم يعد يرى الصور في ذاكرته كما كان يراها.. بات يميّز طعم المرارة في كل مرة. و لئن لقيَ صعوبة في الجلوس إلى أجسام تثير قرفه، فإن الله لا جسم له، و له أن يحدثه قدر ما يشاء.

سرّ بمنطقه فهرع إلى المسجد القريب. تذكر أن الصلاة يلزمها وضوء، فسأل عن الميضة. أشار إليه شاب مندهش أن سر يمينا. فتابع طريقه في حنق خفيّ. و عاوده الإحساس بالقرف من البشر. هنا سيجد بعض ممّن عاث في أجسادهم فسادا. لعلّ بعضهم مات كمدا أو قهرا بالفعل، و لعلّ بعضهم اشترى لمحنته ثمنا قليلا و اعتزل العالم كله، بينما عاود الآخرين حنين إلى حلم السلطة. هؤلاء سيحمونه حتما، و سيمنعون عنه الأذى لو تعرّفه الآخرون..
حينما بلغ الميضة، طالعته أجساد الرجال المتهالكة على الحنفيات الشحيحة، تسارع بالتطهّر قبيل بدء الصلاة. و تذكر أنه نسيَ قواعد الوضوء، فبحث له عن مكان قرب شخص يتبعه. وجد على يساره رجلا نحيفا، خفيف اللحية ينزع جواربه، فانسلّ إلى جواره.

هذه الندبة خلف الأذن، و هذا الظفر المقتلع من منابته، ليس عمله حتما، لكنّه أعاد إلى ذهنه بعض الذكريات البعيدة.. و تساءل في سرّه، أين كان الله حينما كان هذا الرجل يدعوه سائلا الرحمة؟ أين كان الله حينما كان يذكره جزعا، فيتلقى صفعة تفقده وعيه؟ أكان الله يتسلى مثله أيضا؟
لمح اعوجاج قدمه اليمنى و هو يقدّمها للمياه، فعاوده الشعور بالغثيان. إن آخر ما يبحث عنه اليوم، هو حديث مع من لا يجيب. لقد أخطأ تأويل ضيقه، و ما ينقصه هو شيء آخر، فما عساه يكون؟

هذه الشوارع لا تجيب. كلما قصد ركنا من أركانها، إلا و ازداد اختناقا. ربما كان خيرا له لو ظل في فراشه منذ البداية. لم يطل به التجوال حتى قادته قدماه إلى داره من جديد. فبصق جانبا، و أشعل لفافة تبغ و دخل. زوجته اللعينة قد عادت أخيرا. و الأفضل لها أن يكون طعامها جاهزا.
فجأة، أطلت بعباءتها الملونة النظيفة، و ابتسامة مشرقة تعلو محيّاها. ماذا دهى المرأة؟ أخبرته أن الطعام جاهز و طلبت منه أن يجهز نفسه للمائدة.. حينما استدارت عائدة إلى مطبخها، ارتفع ثوبها قليلا، كاشفا ساقين قويتين، فانفجر السؤال في رأسه ككشف عظيم ..

أتراك تعود إلى صباك أيها الشقي؟ و إنّ لبدنك عليك حقا! هاله أنه مثله مثل "زبائنه"، لا يعرف الكثير عن جسده. متى فعل ذلك آخر مرة؟ متى التحم جسده بجسد آخر؟ لم يعد يذكر جيدا. خُـلقت أجساد الآخرين، ليكتشفها لا ليكتشف من خلالها جسدَه هو. خُلقت أجساد الآخرين ليكون إلَها عليها، يقرّر مصائرها و أشكالها. أما أن يعود بشرا، جسدا يرتعش بارتعاشة تلكم الأجساد، فما كان ذلك ليغريه..

أتراه اليوم كلَّ من كل ذلك؟ أضاق به عناده و استسلم لحقيقته؟ كان أجبن من أن يجرّب، لكنّ إحساسه بالاختناق أصبح لا يطاق. و حينما عادت المرأة بطبق الطعام، أمسك بساعدها في قوة و حسم، و سألها "عندك دمّ؟"
كانت نبرته المتحرّجة تشي بمعنى سؤاله، فظلت صامته تحملق في وجهه مندهشة، حتى إذا ضغط على زندها، أطلقت ضحكة مرتبكة خجولا مندهشة، و أجابت :"لا، مازلت."
دعاها إلى غرفة النوم بلهجة من لا يمزح. لا يلومها على حيرتها، فهو نفسه لا يعرف ما الذي يفعله. إنها مسرورة و لا شكّ، هذا الارتباك الذي يعتريها يعرف مكامنه و دواعيه. لا تزال قوية، متماسكة، و إن غيرت رحلة السنين بعض ملامحها، فضحكتها تجعل المشهد جميلا في كل محطة. هذه الأثداء لم تترهّل بعد، و لا تزال تخفي بعضا من عجائبها. هل تشعرين بشيء؟ أ نبدأ الرحلة؟ ليس لي يوم كامل لأضيعه في ترويض انفعالاتك و تحضيرك.
و بسرعة و ضجر، باعد ساقيها دون أن يبعد نظره عن وجهها. كان الجذل يُنحت رويدا على تفاصيل وجهها. تورد خدها، و بدا كأن حياة جديدة تدبّ فيه. أيتها اللعينة! لماذا أشعر بالضيق من كل هذا؟ الضيق اشتعل غضبا بداخله، و حينما أنّت مستزيدة، أصبح غضبه كفــّا قوية صفعت خدها بكل عنف. صرخت في ألم و قد أفاقت من عالمها، فازداد هياجه، و أردفها بصفعة أعنف أطلقت صرخاتها في المكان. رجته أن يتوقف، لكنها كأنما كانت تستزيده، فأمسك بها من شعرها الثائر كما تمسك الذبيحة، و لطمها لتعانق جدار الغرفة الضيقة. ظنّ أنها ستظل هناك، لكنها سرعان ما نهضت لتهرب بجلدها باكية.

كان مرهقا، كره أن يركض خلفها، فاستلقى على الفراش لاهثا. ما هذا الذي فعل؟ لا يملك جوابا. فقط ضحكة عصبية باغتته، و إحساس مدهش بالارتياح. فجأة بدا و كأن كل ضيقه قد تلاشى دفعة واحدة مع اختفاء خيوط الشمس الأخيرة من الغرفة.

13 تموز 2014

Saturday, July 12, 2014

ساعة من البرمجة

العالم يتغيّر..

لم تكن هذه الحقيقة بديهية و ملموسة بقدر ما تبدو عليه اليوم. افتح النافذة بجوارك و تأمل أقرب شارع إليك. ربما كانت أقرب نافذة إليك، تلك التي تطلّ من شاشة الكمبيوتر، نافذة Firefox مثلا، أو Chrome أو أي متصفح آخر تستعمله، لأنّ النوافذ اليوم باتت تحمل أكثر من معنى، كغيرها من المصطلحات الأخرى في هذا الزمن الالكترونيّ.
العالم يتغيّر، و هو حتما لم يعد ذلك العالم الذي لا يزال يتعامل باندهاش مع الكتابة. لقد تجاوز الانسان بالفعل الأقراص الطينيّة التي كان يستعملها في العراق، و أوراق البردى، و رقائق الجلد، بل لعلّنا نشهد تجاوز العالم للورق كوسيلة تواصل. لقد انتهى زمن الرسائل الورقيّة بالفعل، و بات التعامل أساسا عبر الشرائح الالكترونية.

قليلة هي الشعوب التي أدركت هذه الحقيقة بالفعل. قليلة هي الشعوب التي توصلت إلى حقيقة أن هذا عصر ما بعد الكتابة. إنه عصر البرمجة! و حينما نتحدث عن "عصر البرمجة" فإننا حتما لا نعني بذلك البرمجة كمجال اختصاص يمارسه بعض الشبان المهووسين أو بعض المهندسين ذوي الخبرات المريعة التي يحسبها الآخرون ضربا من السحر. إننا نتحدث هنا عن البرمجة كمهارة شعبية يمكن أن يمارسها الجميع مثلما يمارسون مهارة الكتابة و الحساب. هل يبدو هذا مفرطا في الخيال؟ بعض الدول بدأت خطواتها الأولى في هذا الاتجاه، و في الولايات المتّحدة الأمريكية، ظهرت إحدى أكبر الحملات الشعبية لتعميم مهارة البرمجة، كان ذلك من خلال موقع Code.org

ماهي Code.org؟
هي منظمة غير ربحية، و موقع ويب بذات الإسم أسسه الأخوان عليّ و هادي بارتوفي (و هما من أصل إيراني كما لاحظتم) بهدف تشجيع الناس و خصوصا طلبة المدارس في أمريكا على تعلم البرمجة. ظهر الموقع على شبكة الانترنت في جانفي (كانون الثاني) 2013، و كانت مهمّته الأولى حينئذ، تكوين قاعدة بيانات تضم كل المدراس و الهيئات و الفصول التي تقدم دروسا في البرمجة في كامل أنحاء الولايات المتحدة. و قد رافق هذا العمل مساندة بعض المواقع الاعلامية الالكترونية المتخصصة الشهيرة مثل تاكرانش (TechCrunch) و غيرها.
و في فيفري (شباط) من نفس العام، قدّم الموقع شريط فيديو قصير يظهر فيه بعض عمالقة وادي السيلكون كمارك زوكربارغ (مؤسس فايسبوك) و بيل غايتس (مؤسس مايكروسوفت) و جاك دورسي (مؤسس تويتر) و غيرهم من المبرمجين و باعثي المشاريع في عالم تكنولوجيا المعلومات. الفيديو قصير و لطيف، و يحمل معنى بسيطا : البرمجة ليست ضربا من السحر، تعال و جرّب تعلّمها لأنها لغة العصر. و قد لاقى الفيديو رواجا مذهلا في وقت قياسيّ، و تم تناقله في وسائل الإعلام الأمريكية حتى اعتبرته TechCrunch أحدث صرعات الشبكة الاجتماعية.

ساعة من البرمجة
الخطوة التالية، كانت حملة "ساعة من البرمجة"، و قد تزامنت مع الأسبوع الوطني لعلوم الكمبيوتر في أمريكا، أي بين 9 ديسمبر (كانون) و 15 ديسمبر (كانون) من السنة الماضية. و كان هدف الحملة، اجتذاب طلبة المدارس لمتابعة بعض الدروس البسيطة في البرمجة على الموقع، و المهيّأة في قالب ألعاب تحدّ لا يحتاج معها الطالب إلى أية معرفة مسبقة بعالم البرمجة.
أعلن عن الحملة قبل شهرين من موعدها، و قد ساندتها شخصيات معروفة، و كان أبرزها الرئيس الأمريكيّ باراك أوباما الذي قال في تسجيل فيديو محمّسا الامريكيين إلى التفاعل مع  الحملة : "لا تكتف بتنزيل ألعاب الفيديو، اصنع واحدة!"
و قد أعلن موقع Code.org فيما بعد أن أكثر من 20 مليون شخص شارك في الحملة، و أنّ ما كتب خلال "ساعة من البرمجة" بلغ نحو 600 مليون سطر من الكود!
اليوم تستعدّ الحملة للانطلاق في بريطانيا، احتفالا بمرور ربع قرن على بداية الشبكة العنكبوتية العالمية (WWW)، بذات الدعم و ذات الأهداف، و على الموقع نفسه.

البرمجة سهلة!
يحاول الموقع أن يتجاوز اللغة الانكليزية و أن يقدّم مادّته بمختلف اللغات العالمية. لكن يبدو أن المشروع لا يزال في بدايته، فهو فقط يترجم بعض العبارات الواردة بالموقع، دون أن يترجم التطبيقات/الدروس التي يستخدمها فعليّا زوّار الموقع. ربما لذلك كان نشاطه الأول خارج الولايات المتحدة مرتكزا أساسا على بريطانيا.
لكنّ الدروس متوفرة للناطقين بالانكليزية بالفعل، و هي متنوّعة و تحاول أن تتوجّه لمختلف الفئات العمرية، لتعويدهم على حلّ الألغاز و المسائل عبر تكوين خوارزميات بسيطة. تخيل مثلا لعبة الطيور الغاضبة الشهيرة (Angry birds) تتحول إلى شبكة أحجية (Puzzle) حيث على المستخدم أن يكتب سلسلة من التعليمات تجعل الطّير قادرا على بلوغ مكان الخنزير. و التعليمات طبعا بسيطة نحو "تقدم إلى الأمام" و "استدر يمينا" و "استدر شمالا" الخ.. سلسلة التعليمات التي يكتبها المستخدم تمثل الخوارزمية التي ستنفّذها التطبيقة، و هو أمر أقرب إلى اللعب المسليّ منه إلى البرمجة، لكن على يمين الشاشة ستجد زرّا يسمح بعرض الأوامر في شكل أسطر كود تعوّد المتعلّم على تقبل الأكواد، و على فهمها.

يعتمد الموقع في الواقع على لغة برمجة تصويرية تسمّى Blockly تقوم أساسا على تقديم مختلف عبارات البرمجة الأساسية مثل عبارة "if" أو "repeat" في شكل قوالب يركب بعضها ببعض تماما كالأحجيات المصوّرة (Puzzle)، و هو ما يجعل الأخطاء "النحوية" مستحيلة، و يجعل المستخدم يركّز أساسا على تكوين الخوازمية اللازمة لحلّ المسألة المطلوبة.
لكنّ الموقع لا يكتفي بذلك، و يقدم بالفعل دروسا مبسطة في لغات برمجة معروفة، مثل Python و javascript، و غيرهما. كما أن دعم الشركات الكبرى للمبادرة أوجد دروسا لصنع تطبيقات لأجهزة الهواتف الذكية و الويب. التطبيقات ليست معقدة أو ضخمة، و لكنّها تسمح للمستخدم أن يشعر أن تعلم البرمجة يمكّنه من صنع شيء حقيقيّ بالفعل. شيء يمكنه استعماله فيما بعد. و هذا الشعور هو الذي أولد موجة كبيرة من الحماس في أوساط الأطفال الذين تلقّوا تلك الدروس خصوصا. و هو الهدف الرئيسيّ من وراء المبادرة.

يعتقد مؤسسا الموقع، هادي و عليّ بارتوفي، أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تعاني نقصا كبيرا في نسبة مهندسي البرمجيّات. و تفيد الأرقام التي يقدّمها الموقع، أنه في الوقت الذي لا يتجاوز فيه عدد الطلبة المتخرجين في مجال علوم الكمبيوتر 3% من مجموع الطلبة المتخرجين، يتنامى حجم عروض الشغل في البرمجة إلى ضعف حجم المعدل الوطنيّ لعروض الشغل. لذلك يحاول الرجلان من خلال هذه المبادرة أساسا، تعويد التلاميذ في المدارس الابتدائية و الثانوية على فكرة البرمجة، و تقديمها في صورة أقل نمطية من تلك التي تقدمها شاشات التلفاز، و أكثر مرحا. لكنّ الأمر لا يتوقف على ذلك.
إن المشكلة الأساسية أن التقنية اقتحمت كلّ المهن بالفعل، و باتت مختلف الميادين في حاجة إلى تطويع تكنولوجيا الكمبيوتر. الطبيب اليوم في حاجة إلى رسوم بيانية ديناميكية و حيّة للأنشطة الحيوية في جسم الإنسان، و المحامي في حاجة إلى متابعة مختلف التشريعات الطارئة المتجددة يوما بعد يوم و المدرّس في حاجة إلى مراقبة مستمرّة لمردود تلاميذه يوما بعد يوم، و هي في أحيان كثيرة حاجيات بسيطة يمكن للانسان تحقيقها من دون الحاجة إلى شخص متخصص في البرمجة لإنجازها.

حملة Code.org مهمّة في المشهد الأمريكيّ، لأنها تدلّ على شعور الأمريكيين بخطر ما تجاه ما يحدث في عالم تكنولوجيا المعلومات و ما تطرحه من تحديات. و حينما يقدّم الموقع مقارنة بين حال علوم الكمبيوتر في الصين و الولايات المتحدة (في الصين يتعلم كل الطلبة أساسيّات البرمجة مهما كان اختصاصهم) فإنك تعلم أن المسألة تأخذ بعدا لا سياسيا فحسب بل استراتيجيا أيضا. كما أن للمسألة الاقتصادية حضورها البارز هنا. فالتركيز على قيمة سوق الشغل في عالم تكنولوجيا المعلومات، خصوصا من قبل النواب الأمريكيين الذين ساندوا الحملة، يدل على قلقهم بخصوص تنامي البحث عن مهندسي الكمبيوتر من خارج أمريكا. و هي مسألة يمكن طرحها في دول أوروبا الغربية أيضا. في المقابل تقدم دول مثل الهند و الصين، هذا النوع من اليد العاملة.

ماذا عنّا نحن؟ بعض الدول العربية تقدّم بالفعل عددا مهمّا من مهندسي الكمبيوتر إلى أوروبا الغربية، بل إن بعض الشركات الكبيرة باتت تفضل فتح فروع خارجية لها حتى تتفادى مشاكل الهجرة و تظفر في الآن ذاته بيد عاملة ذات كفاءة. من المهمّ القول هنا إن هذه الحملة تنذر بتقلص نسبة البحث عن هؤلاء. لكن من يعلم؟ 

Sunday, July 6, 2014

نشيدي أنا

أقاسم طيرا فتات المدى،
و أرسم سرّا مسار الهرب.
و أقتل جبني إذا ما بدا،
و أرسل كفّي وراء السحب.

أ أسمع صوتيَ خلف الجبال؟
أ أقرأ حرفي بُعيدَ الزمن؟
و من همُّه بعض اسم و مال
يعش رغده تحت سقف الكفنْ

لي أمل ماجنٌ مستحيلُ،
عزمُ باقِ و مهجة لا تطيعْ
و القلمُ المقاومُ و الخليلُ،
لي رقصة طفل رضيعْ

دروبي؟ لستُ أعرفُ ما دروبي
و واحتي، حين يرهقني المسيرُ
متى سافرتُ قد يممتُ صوبي
و أرضيَ حينما الحِلُّ الأخيرُ

آوي حروفا فتأويني،
أسحبُ روحي من تليدي
أعيدُ ملامحي و تكويني
و الحيّ يولد من رمادِ

أقاسم طيرا فتات المدى،
و أرسم سرّا مسار الهرب
و إن سألوا أين يمضي الفتى
فقل خلف ما قد كتبْ

"قضية".. تراجيديا الدراما التونسية (مقال هادف)

حينما تسمع حديثا عن مسلسل تونسيّ، فكن على يقين من أنّك في رمضان. يبدو أننا ننتج المسلسلات التلفزية لسببين : لا بدّ من مسلسلات تونسية في رمضان فهكذا جرت العادة، و لا بدّ لأهل الدراما من عمل يحصلون بموجبه ما يمكنهم من العيش (عيشة النجوم طبعا، لأنه يجب أن يكون في كل بلد نجوم تلفاز).
و قد جرت العادة الكريمة أن ينجز مسلسلان قصيران في رمضان، كلٌّ لفترة أسبوعين، لحكمة لا بأس بها في نظري، فنحن لا نملك ثقافة الكتابة أصلا، و من يكتب خمسة عشر حلقة يمكن له أن يفتخر بإنجازه لسنين طوال. و لم يشذّ عن ذلك إلا كتبة قلائل، خابوا في بعض الأعمال، و نجحوا في أعمال أخرى. كما أن انجاز عملين يبقي الانتاج الدرامي في مرحلة تجريبية تجعل من كل عمل جديد أشبه بمخاطرة، خصوصا مع جمهور مزاجيّ و عسير الإرضاء كالمتفرّج التونسيّ. لذلك عوض أن ينتج عمل واحد قد يخيب، ينتج عملان قد يخيب أحدهما و ينجح الآخر.

إحدى تلك الخيبات التي أحدثت لغطا طويلا بعدها، أو ربما شرخا ظلّ هناك إلى اليوم.. عرضت في رمضان 2003، أعني بها دروب المواجهة، و هو إسم لا يوحي بشيء تقريبا، لكن شخصيات المسلسل قد يذكرها بعضهم : مصطفى العدواني صاحب المصنع الطيب، الساذج، لطفي الدزيري المحتال الطماع الذئب، فريال قراجة الصحفية اللامعة صاحبة المبادئ و الجمال و الأخلاق و كل تلك الأشياء الجميلة و زهير الرايس حبيبها و الذي لا يصلح لشيء إلا لأنه ابن مصطفى العدواني صاحب القضية.. لمن لم يذكر المسلسل فأعتقد أن ما دار بمخيلاتكم هو كل المسلسل تقريبا.
المسلسل بسيط، تلك البساطة المبتذلة، التي لا تصلح للارتقاء بالذوق بقدر ما تصلح للتعرف على مدى هبوط الذوق. صور تتكرر تقريبا مع بعض الاجتهادات المحتشمة، كأداء لطفي الدزيري مثلا. كان هناك شبه اتفاق على فشل المسلسل، لكن الحيرة كانت في تشخيص الفشل. لم يجد الإعلاميون (لأن كلمة النقاد لا تليق بالمرة) سوى اعتبار العمل "خياليا" و لا علاقة له بالواقع. أحدهم قال إن صحافة الاستقصاء غير موجودة في تونس، و أن هذا الأمر غريب عنا. و كانت إجابة أحد الممثلين أن من يريد الواقع، فليفتح النافذة صباحا. أما اللوم الأكبر الذي حاصروا به العمل، فهو خلوّه من "قضايا كبيرة".. 

طبعا أنا لا ألوم الممثل على نظرته المغرقة في العمق للواقع و الخيال، و لا ألوم الإعلاميين على العته التحليليّ الذي يلملمونه، لكنّ الأكيد أن هذه الكلمات البسيطة مثلت حجر الأساس الذي تقوم عليه الأعمال الدرامية أساسا، و أعتقد أن الأعمال التي شذت عن هذه الضوابط هي الأعمال التي نجحت، و هي أعمال نادرة جدا.
عمل هادف، فن ملتزم، قضايا كبيرة، جرأة شديدة، هي كل الصفات التي بتنا نقيس بها جودة الدراما. و صار الكتاب و المخرجون في سباق محموم أيهم يحشو عمله بأكثر عدد ممكن من القضايا، أيهم يتجرأ أكثر. أذكر قولة شهيرة للممثلة "الجريئة" فريال قراجة : أنا أول من ظهرت عارية الكمّين في التلفزة التونسية. أعتقد أن الجرأة الفنية نحت نحو هذا تماما. لم يعد الفن يتعلّق بالكيف، و إنما يتعلق بالكمّ. لا يهمّ كيف تجرّأت و لكن المهم أن تتجرأ. لا يهم كيف صورت رؤيتك للقضية، المهم أن تصور الكثير منها.

ما زاد من انحراف المشهد، هو التفاعل الشعبيّ. في بلد تمارس فيه الجريمة بالسترة، لا إعلام، و لا دولة، فإن الخلط بين العمل الفنيّ و البرنامج الاجتماعيّ أو السياسيّ، أمر وارد جدا، بل و عاديّ. تجاوب الناس مع برنامج اجتماعيّ يروي لهم ما خفيَ من الفضائح، مثلما تفاعلوا مع المسلسل الذي قدّم في السنة نفسها، و أعني به صيد الريم. مع العمل الكبير الذي قدمه الممثلون (عدا شقيقة البطلة التي اختفت تقريبا بعد ذلك) فإن أغلب الناس تعاملوا مع المسلسل كما تعاملوا مع قصص "سي عبد الرزاق"، و لا لوم هناك.. لكن المثير حقا، هو ردّة فعل منظمة الأعراف حينئذ. ثار مديرو مصانع النسيج و اعتبروا العمل اهانة لهم و لسمعتهم، ربما كان هناك مبرّر اقتصاديّ وراء رد الفعل، ذلك أن الصحافة تحدثت في تلك الفترة عن هجر الكثير من الفتيات لمصانع النسيج.
دور الدراما أن تؤثر فعلا على الواقع، دورها أن تفضح، و تصور ما يحدث، و حينما نقول تصور ما يحدث، فلا يعني هذا صورة النافذة التي تحدث عنها الممثل، فتصوير الواقع ممكن بعين الخيال، أو بريشة الخيال، أو بألوان الخيال، هو ذاك الفنّ اساسا. لكنّ حادثة صيد الريم، عبرت عن مشكل آخر تماما، مشكل تعامل التونسيّ مع العمل الفنيّ، إذ دائما ما تظهر صورة برنامج "المنظار" في الأذهان و نحن نشاهد أي شيء تقريبا. أي مسلسل يجب أن يحشر بالقضايا، لمتابعتها، هوس شديد بالفضائح و المشاكل، ثم التفاعل الشعبيّ و غير الشعبيّ مع عمل دراميّ كأنها قضية رأي عام حصلت بالفعل. هل يصدق التونسيون ما يحصل في المسلسلات بالفعل، أم إنهم لا يصدقون ما يحصل في البرامج الاجتماعية؟ 
و لو أن المسألة توقفت عند التفاعل الشعبيّ لهان الأمر. رمضان لهذه السنة، جاءنا بطرفة جديدة أبطالها أعوان السجون، حيث ثاروا على ما اعتبروه اهانة لهم و تزييفا للحقائق و تشويها لمهنتهم في مسلسل "مكتوب" (الجزء الستون على ما أظن). و لو أنني لم أشاهد ما صور المسلسل تحديدا، إلا أنني على يقين أنه لم يصور ما يحدث حقا في السجون، و لن يفعل لأن مجرد فعل ذلك يستوجب قطع الصوت و تشويش أجزاء من الصورة قد تتجاوز 50% منها.. و حينما نفذ أعوان السجون إضرابهم احتجاجا، تساءلت في دهشة إلى متى؟

إلى أن نتوقف عن اعتبار الفنّ حكومة تكال له ملفات التونسيين الحارقة ليعالجها، و نكف عن ربطه بالقضايا كأنه لا يعمل إلا وفقا لذلك. إلى أن نتوقف عن حصر الفنّ الملتزم بالوطن، كأنّ الالتزام بأية فكرة أخرى هو ضرب من الانحلال أو الانحراف. هو أن نتوقف عن اعتبار الفن هادفا أو غير هادف. لقد أودت هذه الرؤية المبتذلة إلى تفضّل الفنانين علينا بالتزامهم.. "لقد غنيتُ للوطن"، "لقد قلتُ شعرا عن مشاكل الوطن"، "لقد كتبتُ مسلسلا عن القضية".. كأنهم يفعلون ذلك حتى لا يؤخذوا بانحلالهم.. تصبح أعمالهم تفضّلا، و مطيّة، لا خلقا حقيقيّا منبعه ذات الفنان، و روحه القلقة. تصبح قضاياهم، تسجيل حضور حتى يترك و شأنه و يسكت الحاقدون.. 
ما "القضايا"؟ ماهو السؤال الذي لا يعتبر "قضية" و متى يسمح للسؤال بارتداء ثوب القضية؟ حينما يحب شاب ما فتاة مثلا، ألا تعتبر "قضية"؟ حينما يحلم طفل أن يطير، أليست قضية؟ بعضهم قضيته الوحيدة في حياته، أن يغيّر بيت الاستحمام، و أعتقد أن مسلسلا مصريّا صوّر ذلك بالفعل، و بكيفيّة ستعجز عنها القمرة (الكاميرا) التونسية لسنوات عديدة أخرى...
ما القضايا؟ و لماذا نسمّي فكرة ما قضية، و لا نسمّي أخرى كذلك؟ هل القضايا أيضا "بوجوهها"؟ هل للقضايا معارف يتكفلون بتقرير أيها الأهم و الأضخم؟ في الواقع، تحشر القضايا في الأعمال التلفزية كما هي، مادة خام متخشبة مهترئة، إنها حاضرة بوجودها لا بمضمونها، لذلك ينزع صاحب العمل، إلى الزجّ بشيء ضخم، شيء من الضخامة يمكن للناس أن يروه و يشهقوا، إن التفاصيل الصغيرة، تحتاج إلى عمق أكبر من أصحاب هذه الأعمال، و أحيانا أعمق من المشاهد التونسيّ، لذلك فهي نادرة الحدوث ككوكب الأرض، أو كشاعر تونسيّ.

حينما تأتي بقضية "ضخمة" و تلقي بها وسط المشهد، فلن تحتاج إلى تعديل العدسة، و تغيير زاوية الرؤية و المسافة، لن تحتاج إلى إخضاع المشاهد إلى تجربة مرئية مختلفة، أو إلى لمسة فنية شخصية جدا.. من منّا يحفظ أسماء مخرجي الأعمال الدرامية التونسية أو كتابها؟ لا أحد تقريبا، فكلهم متشابهون، كلهم يخضعون إلى كراس شروط ينقذهم من الحياد و الشخصنة. كلهم يبحثون عن الموضوعية في الفنّ، و هي جريمة يفترض أن يصادر بسببا العمل، حفاظا على صحة الأجيال القادمة. تصوروا، فنّا موضوعيا. هذا هو الخبل الذي تبثه الدراما التونسية، لاحظوا المواقف و الصور و الأفكار، و أمدّوني بموقف واحد يعكس اختلافا شديدا أو طرحا خاصا لا يتفق حوله الغالبية. جميعها مواقف يتبناها الرأي العام، حتى لكأن كتاب المسلسلات هم أقرب للصحافة من الأدب. هل تفرض الجهات المنتجة ذلك على اصحاب الأعمال؟ أم إن هؤلاء خوفا من المشاهد يحاولون كسب ود الجميع باللاموقف؟

حينما أتذكر مسلسل الخطاب على الباب، لا تتبادر إلى ذهني أية قضية جريئة، بل لا أذكر أية قضية (بالمفهوم المتعارف عليه) على الإطلاق. و كل ما أستحضره، هي مجموعة الشخصيات الفريدة و الفذة، و تطورها طوال العمل، و مشاكلها التي في غالبها مشاكل داخل الشخصية نفسها، و ليست مع شخصيات أخرى (سطيّش، عبودة، حفّة، الشيخ تحيفة..).. لم يقترن العمل قط بقضية ما، و لم يبد أن هدفه أصلا تذكيرنا بتلك المشاكل التي نعيشها و نراها كلّ يوم بالفعل، و مع ذلك فقد حقق العمل نجاحا لا يختلف فيه اثنان، و بات مرجعا للدراما التلفزية التونسية.
لماذا انقلب المشهد، و لماذا تغيرت المقاييس و الصيغ؟ ربما لأن عليّ اللواتي (كاتب الخطاب على الباب) كان فلتة مثلا، كان الاستثناء وسط كتابات هي أشبه بالتوثيق منها للخلق و الابتكار. و ربما لأن التيار غالب، تيار الرأي العام الذي لا أدري أيوجهه الإعلام أم يتوجّه به.. الأكيد أن الفنّ لن يتغير قبل أن تتغير العين التي تراه، و تقيّمه..



Friday, May 30, 2014

اللامعقول المعقول و اللامعقول اللامعقول

قد يحدث أن يقابل المرء خلال قراءة (أو مشاهدة) قصة ما (رواية، فيلم، مسرحية، أو أي عمل فني يصوّر حكاية ما) أمرا لا معقولا، أو لا ينسجم مع بقية السيناريو. أعتقد أن الحكم على هذا "اللامعقول" في العمل الفني يختلف بحسب طبيعة العمل، و بحسب تعامل المبدع (القاصّ، المخرج، المسرحي الخ) معه.
لا أتحدث هنا عن اللامعقول الذي يتبناه العمل أصلا، و يعتمد عليه، مثلا كإعادة الديناصورات في "الحديقة الجوراسية"، أو ثورة الآلة التي تتميز بالذكاء الصناعيّ في الكثير من أعمال الخيال العلميّ، أو مختلف المسائل العجائبية في روايات "هاري بوتر" .. هذا النوع من اللامعقول يؤسس للعمل نفسه و لا يمكن تقبل العمل بدونه، أحيانا ـ كما في نوعية قصص هاري بوتر ـ كلما زاد العامل العجائبيّ، كلما ازدادت متانة الرواية و تميزها. إنما أتحدث عن لامعقول في سياق العمل الفني نفسه، و في اطار قبولنا بافتراضات العمل و شروطه.
 
يكون حينها اللامعقول مقبولا، إما لأنّ العمل نفسه كوميديّ الشكل، أو يعتمد في أسلوبه على المبالغة أو الإفراط في اللامعقول، فهذا قد يثبت أن اللامعقول هنا مقصود و مراد و ليس عفويا.
أما حينما يكون عفويا، فيمكن تقبله حينما يُبدي المبدع وعيا بلامعقولية ما قدمه، إما بطريقة ضمنية و إما مصارحة. أما غير ذلك، فلا يمكن اعتباره إلا ضعفا في متانة العمل، خصوصا إذا قامت الأحداث فيما بعد على ذلك "اللامعقول"، إذ كلّما اعتمدت الحكاية عليه كلما وهنت.
الحكاية قالب العمل الفنيّ و متنه، فالرواية أو الفيلم ليسا مجرد حكايات و حسب، و هذا أمر مفروغ منه، لكن من قال إن الشكل أمر ثانويّ؟ و ما يفرق بين العمل الفنيّ و بين المقال الفكريّ أو الفلسفيّ الجاف غير "الشكل"؟

الأمثلة تحتاج إلى دراسة و جرد دقيق للكثير من الأعمال، سأحاول أن أستحضر بعض الأعمال المعروفة على الأقل و أغلبها من عالم السينما. سأبدأ بمثال عن اللامعقول المقصود المراد، أجل Kill Bill كما خمّنتم و سينما تارانتينو بشكل عام غنية بهذا النمط، في فيلم Kill Bill تقاتل The Bride عصابة الـ 88 بمفردها في مكان مفتوح تقريبا، لا اختباء، لا هروب، فقط بعض المناورة و الكثير من الدهاء، و كاتانا قاطع من إهداء الأخ هتّوري هنزو. أعتقد أن طلقة رصاص واحدة كانت كافية لانهاء الفيلم هنا، لكننا نعلم جيدا أن تصوير مشهد قتال على طريقة الساموراي و بهذا الحجم هو أصلا من غايات الفيلم، ثم إن سياق المشهد يجعله ايحاء للسينما اليابانية القديمة ما يجعل اللامعقول حقا هو أن لا يتمكن البطل من انهاء مبارزة مستحيلة لصالحه. في سياق كهذا، يصبح اللامعقول معقولا جدا، بل و أساسا للعمل الفنيّ.

في نفس الفيلم أيضا، أمر آخر لامعقول تجاوزه الكاتب عبر التصريح بلامعقوليته، و هو نجاة البطلة من طلقة مباشرة و قريبة في الرأس. و في الواقع يمكن أن يحدث ذلك في حالات شديدة الندرة، ربما ليس عبر اصابة مباشرة و قريبة بهذا الشكل، أهمية هذا الحدث في السيناريو، أنه الحدث الذي يقوم عليه العمل كله تقريبا، لكن الكاتب نوه جيدا بلامعقوليته عبر مختلف الشخصيات التي عبرت عن اندهاشها من نجاة البطلة، ما جعل اللامعقول ممكنا.

أما عن اللامعقول الذي يمكن أن يعبر عن وهن أو تهاون، فيمكن العودة إلى أخطاء "حرب النجوم" الكثيرة، و أهمها الانفجارات التي تصمّ الآذان في قلب الفضاء، و هي أمور يصعب غفرانها لعمل يصنف كخيال علميّ. فلا يوجد في سياق الحكاية ما يوحي بأننا نتحدث عن فضاء غير الفضاء الذي يسبح فيه درب اللبانة، أو أن فيزياءه غير فيزيائنا، و هو لامعقول ليست له انعكاسات سيئة على بقية الأحداث، لكن له انعكاس سيّئ في التقييم.

لو عدتُ إلى تحفة تارانتينو Kill Bill مرة أخرى، فسأذكر في "المجلد الثاني" قنص Budd للبطلة من وراء الباب، حيث أصابتها القذيفة في صدرها تماما، و ألقت بها عاجزة عن الحراك. المفروض أنها حينما دفنت، كانت بحالة صحية سيئة، تنزف على الأقل، لكن بدا أن تارانتينو نسيَ ذلك تماما، كما يفعلون في الصور المتحركة. حينما خرجت من التابوت (بقوة يحسدها عليها الأصحاء) لم يبد أنها تعرضت لطلقة بندقية أبدا!

أما اللامعقول الذي قد يعصف بالقصة تماما، فتستحضر ذاكرتي فيلم The Sting الشهير، بطولة Redford و Newman حيث تقوم كل القصة حول عملية تحيل ضخمة تستهدف أحد الأثرياء المقامرين. تقوم عملية التحيل على محل قمار وهميّ، كل شيء متقن، و كان هناك اتفاق مع الكثيرين لتحضير العملية، حضور وهميون، كتابة عامة، مقامرون، شرطة، الخ، الغريب في الأمر أن المقامر و هو شكاك بطبعه، لم يسأل عن الإذاعة التي تنقل سباقات الخيل من داخل المحل، جاؤوا بمذيع محترف يحفظ تماما ما يجب أن يقال لكن أيكفي ذلك ليصدق أن هناك سباقا لا ينقله غير ذاك الراديو، و لا توجد أخباره في الجرائد و الاذاعات؟ كان من الممكن تجاوز اللامعقول عبر التعبير عن استغراب البطلين من انطلاء اللعبة على الرجل. لكن ذلك لم يحدث.

فيلم The appartement الحائز أيضا على الأوسكار، يقوم أساسا على فكرة شقة موظف بسيط باتت مطمع جميع رؤسائه في العمل، و المسألة طبعا رمزية جدا، و تحمل معان كثيرة، لكنني أعتقد أن الأمثولة مهما بلغت درجة عمقها فهي تعتمد أساسا على متانتها الداخلية، و في أمثولة The Appartment نجد أن أيا من رؤساء البطل، كان قادرا على منح نفسه شقة كتلك، أو على الاقل شراء تلك الشقة نفسها، و اجبار البطل على العيش في مكان آخر. مرة أخرى كان بالامكان تفادي هذه المسألة عبر مبادرة البطل مثلا باقتراح بيع الشقة و ايجاد سبب مناسب للرفض.

فيلم Equilibrium يقوم أساسا على فكرة اختفاء المشاعر من الناس لأنها سبب مشاكل البشر. لا وجود للمشاعر تماما في هذا العالم، مع ذلك يرفع أحدهم صوته، بينما يتساءل الآخر حانقا، و يرتاب آخر في تصرفات البعض.. هذه مسائل تعصف بالفيلم تماما و تجعل من متابعته عبثا تقريبا.

اللامعقول اذا ليس ضعفا بحد ذاته، و إنما طبقا للسياق الذي جاء فيه، و مهما عظمت أفكار النص أو العمل، و مهما حضرت الرمزية في صوره و أحداثه، فإنّ للشكل قيمته، و إن للقصّ صنعته التي لا يجب أن يتهاون فيها. و التركيز عليها ليس سطحيا و لا اقتصارا على "القصة" كما قد يقول البعض و إنما تأكيد على قيمة الشكل في تبليغ المحتوى، و الا فلم اختيرت القصة شكلا للتعبير؟ 


انشر و لك الأجر :D

Translate