Thursday, August 21, 2014

سنة على الخروج عن الخط

هذه ليست مساحة للشكوى و البكاء، أصلا أشمئزّ من تسوّل الكتاب و عويلهم المستمرّ، أعتبر دوما أن الكاتب قادر على بذل جهد أكبر و فرض نفسه لو درس الساحة جيدا. بالنسبة لشخص مثلي لا يستثمر من الجهد إلا ما الحدّ الواجب تقديمه لا غير، فهذا ما اعترضني : 

الكُتبيّ : يمكن أن تصل نسبة ربحه الى 35% لو تسلم النسخ مباشرة من الناشر، مع ذلك هو لا يفضل أن تتكدس عنده النسخ (هو لا يشتريها أصلا، هو لا يدفع ثمنها إلا بعد أن يبيعها) اصلا هو لا يحبذ بيع أدب الخيال. يفضل عموما الطباشير و العطورات، و الكتب المدرسية في موسم العودة موعد رزقه الأكبر. أدب الخيال بالنسبة له يعني شيئا واحدا = قصص الأطفال التي يطلبها المدرسون.

الموزع : يحصل الموزع على نسبة تقارب النصف من ثمن البيع (يقتسمها مع الكُتبيّ) مقابل ماذا؟ مقابل أن يحمل بعض النسخ من جملة ما يحمل في شاحنته إلى المكتبات. أي أن كلفة النقل تكاد تكون صفرا، مع ذلك، هو لا يفعل، و يفضل أن يكدس النسخ في مخزنه، ما يستهلك من ماله و موارده. قد تنضب النسخ من المكتبة، لكنه لا يهتم، لا يسأل، و لا يبعث بنسخ جديدة..

الناشر : صاحب حقوق التأليف و البث و التوزيع و التصرف و التملك الخ الخ.. لو أن له مشروعا ثقافيا، فأنت شبه محظوظ. في حالتي، أنا شبه محظوظ فعلا، لكن "الشبه" مجالها كبير نوعا ما. الرجل يواجه مصاعب مالية، له بعض المنشورات، أكثرها مبيعا ـ قدر ما لاحظت ـ كتابي المتواضع، المركون في خزائن موزعه الثاني، مع ذلك لا يحرك ساكنا. "ماذا تريدني أن أفعل" هو كل ما يملك قوله. الغريب حقا، أنه هو من يخسر ماديا، و ليس أنا. هو الذي يحتاج إلى الربح المادي و ليس أنا.

الإعلامي : لأنني لا أملك أن أتصل بالقنوات التلفزية، أصلا لا أعرف برنامجا واحدا يصلح. فقد حاولت قليلا مع الصحافة و الإذاعات، بعضهم أصدقاء لطفاء، ما إن تحدثهم عن الأمر، حتى تنشق الأرض و تبتلعهم تماما. طبعا لست من الصنف اللزج، أحد الاذاعيين قال إنه يكرس برنامجه للشباب، لذلك فقد تكرم عليّ باستضافة خاصة : سجل بعض مقاطع من الكتاب بصوتي، و قال إنه سيبث المقاطع. لا أعرف ما حصل لأنني لم أتابع البرنامج.. ثم إنهم جميعا يتمسكون بتلقيبك بالـ"شاب" إلى درجة تجعلك تحسب نفسك مغني راي لا كاتبا.

النقاد و أهل الادب : طبعا ستجد منهم التشجيع على سبيل المجاملة، لا شيء أسهل من الكلمة الطيبة عندهم، حينما تسألهم الخوض في الكتاب، ستفاجئك جدّية أغلبهم.. أحدهم أفردت مقالا كاملا في الإجابة عن قراءته العميقة للكتاب. عميقة إلى درجة أنه قرأ كلمة "سطح" كما نقولها بالعامية، و نهرني عن استعمال العامية. لم أعرف ما أقول له، كيف أكتب "سطح" بالفصحى دون أن يقرأها هو بالعامية؟
بعضهم يقرأ لك على أنك "الشاب" فلان، تجده لم يفهم حتى الحكاية لكنه مع ذلك يمطّ شفتيه في امتعاض عميق و هو يحلّل و ينتقد..


نوادي الأدب و الجمعيات الثقافية : هي الأكثر فاعلية، و الأكثر حماسا بين كل أطراف الحلقة، خصوصا إذا كان القائمون عليها من الشباب. خلال تجربتين مع نواد مشرفوها كهول، كانت النتيجة في المرة الأولى كارثية تماما، ربما توفر الامكانات و رغم كون المناسبة، هي الأكبر و الأفضل بالنسبة للكتاب. أما في المرة الثانية، فما كان ليكتب لها الولادة (كما الاولى) لولا بعض الشباب المتحمس. نوادي الكهول تملك الأموال و العلاقات التي تجعلها قادرة على ما لا تقدر عليه النوادي الصغيرة، مع ذلك فقد كانت لقاءاتي بهؤلاء هي الأكثر امتاعا.

القارئ : أعلم جيدا أن القراء كانوا كثرا، بيعت أكثر من 200 نسخة ربما، أغلب هؤلاء من الشباب المتواجدين على الشبكة، قمت بكل شيء ممكن حتى أظفر بتفاعلهم، في النهاية حصلت على عدد بائس يربو على ال20 ببعض التفاعلات الشفاهية..

لا ألوم أحدا من هؤلاء، لكن القراءة في تونس لا تتسم بالجدية إطلاقا. لا ألوم أحدا لأن على الكاتب إن كان يؤمن بضرورة أن يستمع الناس إليه، أن يعرف كيف يشدهم من آذانهم و يمارس صراخه الهستيريّ. لا يمكن أن تلوم القارئ، لأن وظيفتك أن تغريه. لكن ماذا عن الناشر؟ ماذا عن الناقد؟ ماذا عن الموزع؟ و ماذا عن الإعلامي؟ لماذا كل هذا التواني؟ لماذا هذا الاستهتار المقرف؟ ربما كنتُ محبطا، لكن الدهشة تفوق احباطي بمراحل.. لماذا أجدُني في النهاية غير سعيد بينما حجم الطلب يفوق العرض بمراحل؟ أي عالم هذا؟

Sunday, August 17, 2014

قارئة من الذاكرة

 أحمد يقرأ.
لستُ متأكدا إن كان أحمدا أم مريم. كنتُ منشغلا عن النصّ، ذاهلا عن القسم و من فيه.. للدقة، ليس كلّ من فيه. كان وقع خطواتها يوقّع دقات قلبي، و كنت أسترق النظر إليها كمن يسترق النظر إلى ذكرياته الحميميّة. أراها ترفع رأسها في ضجر، تحاول متابعة قراءة الصبية واحدا بعد آخر، لكنها تضيق بضجر لا بدّ منه، فتبعد عينيها الجميلتين بعيدا عن كتابها الذي يبدو أنيقا بين يديها.
فجأة، انتبهت إليّ، فأشرق وجهها بابتسامة لم أجد وقتا لتبيّن تفاصيلها و أنا أدفن وجهي في الكتاب مرتبكا. وقع خطاها يعيد إليّ هدوئي، أعيد تشكيل تفاصيل ابتسامتها في ذهني فإذا المشهد لطيف، لا يستحق خوفا أو ارتباكا، بل لعلّها ابتسامة مستزيدة!

وقع الخطوات المتأني إياه. أرفع رأسي في حذر، تطالعني قامتها الأنيقة و هي تسير في شرود. غلبني الإبتسام. إنها مثلي ملول لا تحب أن تفعل شيئا إلا أن تحبه. قراءة النصوص حتى حفظها لم تكن يوما تصوّرها بشأن تدريس العربية. لكنّها مجبرة على ذلك أيضا. بعضهم لا يملك القدرة على وصل الحروف بعدُ. أحببتُ أن أداعبها خفية. أشرتُ لها بيدي دون أن أثير انتباه أحد. من الغريب أن الجميع كان غارقا في النصّ تماما. أما هي، فقد أفاقت من شرودها بإشارة يدي، و دون وعي منها خفضت رأسها نحو النص في ارتباكة سريعة، قبل أن تفلت منها ضحكة صامتة لم يشعر بها غيري.

ريم لا تزال تقرأ.
بينما أنا و أستاذتي نتبادل المداعبات اللطيفة السريّة. نقرأ النص بطريقة أخرى. أشعِرها أنها ليست وحدها في مللها. و أن هناك من يفهمها. و تشعرني أنني لا أحتاج إلى ابداء ما لا أطيق. و أنني أملك صديقا فريدا هنا. أحيانا، يشعر بنا "كريم" الذي يجلس قريبا مني. يحسدني على حظوتي. ربما يظنّ بنا الظنون، لكن من فينا يأبه لأفكاره الغريبة؟ كنت لا أزال صغيرا على الأفكار التي تراوده هو (كان يفوقني ببعض السنين) و كانت هي أكبر سنا من أن تفكر في أشياء سخيفة كهذه. ذات مرة، أخذنا الحديث إلى موسيقى Vangelis الشهيرة، "غزو الفردوس"، قالت لي إنها تملك نسخة، و دون تكلف طلبتها علنا. حينما قدّمت لي الشريط الممغنط (لأن الحكاية من زمن الشريط الممغنط)، انتبه "كريم" إلى صورة الغلاف، فلم يكتمها و هتف بها أن أريني الصورة أستاذتي. فأفردت يدها بالشريط أمام وجهه أن تفرج، قبل تسلمني الشريط.

ربما تهامس بعضهم هنا و هناك، في هذا القسم أو ربما في ذاك، الذي تدرّسه أيضا. لكننا لا نلقي بالا كثيرا. نتحدث طويلا في القسم أمام مرآى الجميع، عن مواضيع النصوص التي ندرسها، فيأخذنا الحديث و الانسجام إلى مواضيع أخرى.. كانت تحبّ كثيرا محاولاتي الإنشائية، و كنت أحبّ مواضيع الإنشاء لأنني أريد أن أكتب شيئا يمتعها. تقول للجمع الذين أمامها و هي تشير بورقتي : شكرا لهذا الفتى الذي يقرأ أشياء حقيقية، شكرا له لأنه يفيد مما يقرأ، و يسكب معارفه و ما اكتسبه على ورقته، ارتقوا قليلا إلى مستواه! ثم تنظر إليّ فأطرق برأسي خجلا.

كانت تتقبل جنوني على الورقة، تحتويه و تحاول توجيهه. أذكر أنني في ذلك الوقت أجرّب في اندفاع صبيّ. قد يخطر لي أن أمعن في السخرية، أو في المغامرة، أشحن النص بصور متأملة، بأسئلة و أفكار لا يزال ذهني مشحنا بها بعد قراءة هذا الكتاب أو ذاك. تنبهني إلى وجوب الإلتزام بالموضوع، لكنها لا تجزرني، يمتلكها الفضول لرؤيتي المشاهد التي أخلقها. ربما كنتُ بالنسبة لها تجربة فريدة، تنويعا مسليّا لكومة الأوراق المتشابهة كالخبز التي تصلحها. لكنني كنتُ أعتبر نفسي كاتبا، بل كاتبها المفضل!

حينما حملتُ إليها أول محاولة أكتبها في أدب السيرة، كنتُ فقط أنتظر أشياء من قبيل "جميلة" و "أحسنت" و "قد أصلحت لك أخطاءك"، لكنها بعد يومين نادتني و سألتني : أكل ما كتبتَ من وحي خيالك؟ و حينما نظرت إليها في استنكار، أضافت : أعني ما كتبته عن الإسكندر المقدوني، هل استندتَ إلى مراجع في ذلك؟ كان السؤال فاتحة حديث ذهلنا به عن القسم و عن ضرورة بدء الدرس، لكنها لم تنس أن تهمس لي في النهاية : "هذا نص يستحق النشر. لا يعقل أن لا تنشر أعمال كهذه. لا أعرف لكنني سأكلم المتفقدة بشأن ذلك.." طبعا لم أتذكر بعد ذلك شيئا من الدرس. كنتُ أحلم..

و لأن الحلم لا يدوم، فقد اختفت فجأة.. بل كنا نعلم. قالت لنا آخر السنة، إنها لن تواصل التدريس هنا. تحصلت على نقلة إلى مدرسة إعدادية في مدينتها. لم أحزن حقا لذلك. أنا لا أحزن ساعة الرحيل، و إنما ساعة الشوق و الافتقاد. ثم كانت هناك مشاريع تجعل ـ في نظر الصبيّ الذي كنتُه آنذاك ـ من الرحيل مسألة لا تعنيني كثيرا. سوف نظل حتما على اتصال. سوف ترسل إليّ بنجاح فكرة النشر، ربما ننشر قصصا أخرى. فلقد بدأت بالتفكير في حياة نابوليون.. ثم هناك مشروع الكتب المسموعة. عرضت عليّ أن نسجل "سهرت منه الليالي"، و كنتُ موافقا و متحمسا لجهاز التسجيل الذي أملكه و أريد الإفادة منه في خلق فنيّ ما، لكنها لسبب ما غامض لا أفهمه، أحجمت عن القدوم. ذكرت باسمة أشياء عن عائلتنا، و الإحراج الذي قد تسببه. ثم طلبت مني أن أجرب الأمر لوحدي... حينما أخبرتنا عن الرحيل، لم أفكر في كل ذلك لأنها الحقائق التي لا تتغير، و إن تغير مكانها. لكنني في السنة الموالية، استوعبت جدا معنى الرحيل..

سنوات مرت، و أنا أحمل صورتها في ذهني، مقترنة بقصة الإسكندر التي كتبتها صغيرا، ثم رحلت قبل أن أجد الوقت لأطورها و أحسنها مثلما تطوّرتُ. سنوات مرت، و أنا على يقين بأن شبحها سوف يظهر ذات مرة. حينما حللت بتلك المدينة التي اختطفتها، كنت أتلفت في كل اتجاه علني أخلق مصادفة سعيدة. النظارات ذات الإطار الغليظ، و العيون الذابلة، و الشعر الفاحم، كلها مقدّمة لذكريات طويلة عن قارئتي الاستثنائية، لكنني لا أعثر عليها. خمنتُ أنها تزوجت، و أنها ربما، باتت تدرس في المعهد، لكنني لم أفكر أبدا أنها تغيرت. ظلت صورتها الجميلة في ذهني كما هي، لم يمسها شيء من صدإ الذاكرة أو من رواسب التفكير المعقلن.
سنوات مرت، و فكرة أن أعثر عليها يوما، لم تمت البتة. يخفت بريقها أوقاتا طويلة، قبل أن تظهر فجأة في قالب جديد. لماذا لا أبحث عنها هنا؟ ماذا عن هذا الفضاء؟ أو هذه الجمعية؟ أتراها تزور هذا الموقع؟

سنوات مرت، و صار موقع فايسبوك امتدادا لحياتنا. امتدادا سيئا أحيانا.. كتبتُ اسمها هناك أكثر من مرة، و في كل مرة أرجع خائبا. ما الذي دفعني أن أعاود الكرة؟ كنتُ ناعسا أخترع السباب و الشتائم للبنّاء الذي أحال الحياة جحيما عند رأسي، حينما خطر ببالي أن أعيد البحث. لم أتساءل و إنما أطعت. هذه المرة، ظهرت لي صفحة امرأة تعمل بوزارة التربية. الإسم نفسه، لكنّ الصورة ليست لها. بل لا يمكن أن تكون اختيارها. هذه صورة توحي بذوق بسيط جدا، أو فقير جدا. ابتلعت ريقي، و فتحت الصفحة، قلت في نفسي إن تشابه الأسماء أمر وارد جدا، فاسمها ليس متفرّدا. ما هذا؟ هذه لافتة من تلك اللافتات البائسة التي تغرق الفايسبوك، تلك اللافتات التي تقول كلاما يوحي بالحكمة، و يبطن افتقارا حادّا للثقافة. لا، لا يمكن أن تكون هي. هناك في جزء آخر من الصفحة، اشارة إلى بعض ما تتابع هنا. صفحات كثيرة عن المعلومات المفيدة التي لا تعرف مصادرها، و أخرى عن الدكاترة أبطال التنمية البشرية، و صفحات دينية لم أشأ التوغل فيها... ثم .. فوجئت بصورتها، أو صورة شبح لها.
لممت شتات مخي حتى أتجاوز حدة نبضات قلبي، و رحت أعيد تركيب المشهد في صيغة أقل انفعالا، و أكثر موضوعية. إنها هي و لا شك. ربما تجاوزت الأربعين اليوم، بسنة أو سنتين. منذ تخرجها و هي غارقة في أطنان أوراق التلاميذ البائسة. ربما في مرحلة ما، فقدت شهية القراءة. ربما قبل ذلك، توقف وعيها بضرورة التطور، أو ربما بعد ذلك، تزوجت. هل هذه ابتسامة امرأة سعيدة؟ أعتقد أنها كذلك. شعرها الفاحم اختفى وراء حجاب لا يحجب مساحيق وجهها الذي ازداد بها بؤسا و ارهاقا.. أين النظارات؟ و أين ابتسامتها الساخرة؟ لماذا كل هذه الحكمة المفتعلة؟

و كما تستطيل الظلال وراء المرء في شارع خافت الإضاءة، تنامت فكرة مخيفة في ذهني، و أخذت تبتلع ذاكرتي. لم تعد الصورة الماثلة أمامي محلّ تساؤل، بل صارت ذاكرتي متهمة. و رحت أتساءل إن كان ما أذكره حقيقيا. تلك المشاهد المزروعة في رأسي، ليست صورا رقمية، و إنما التقطتها عينا صبيّ لم يعد له وجود. عيناي اليوم تعتمدان على تقنيات جديدة و ألوان جديدة و زوايا نظر جديدة، ربما أكثر تشاؤما، ربما أكثر دقة، أو ربما أكثر هستيريا، لكنها حتما ليست عينا الفتى الذي ترك لي تلك المشاهد في رأسي و ذهب.
ما الحقيقة إذا؟ أطلت النظر إلى الصفحة التي أمضيت سنوات في البحث عنها. أطلت النظر إلى زرّ طلب الصداقة، ثم فضلت أن أحتفظ بالحقيقة لنفسي..




Sunday, July 13, 2014

عن الذي ينقص

تأوه في سخط مع تسلل خيوط الشمس الأولى عبر ستائر النافذة، و تململ متثاقلا في رحاب سريره الحديديّ، و راح يلعن في سرّه زوجته المهملة. اللعينة تفعل ذلك عمدا حتّى لا ينعم بالنوم إلى الزوال. تعرف جيّدا أنّ الشمس عدوّه الأول، منذ أن كان يعمل في ظلام الأقبية و رطوبتها. لن يعتاد على النور بعد ذلك أبدا.

طاف في أرجاء بيته الضيّق مرتين كأنه تائه. عاود شتم زوجته التي لم تترك له شيئا من القهوة قبل خروجها. العاهرة، تـُـراها الآن تروي سيرة حياتها لجارتها! لم يشرب يوما قهوته في البيت، و لكن ماذا لو خطر له أن يفعل؟ ألا يحق له ذلك؟ أين بنت الكلب لتحقق له ذلك؟
فتح التلفاز و راح يحملق في الصور المضيئة و قد أخذته نفسه عن ما حوله.. كان يشعر بضيق بالغ يخنق صدره. يعلم في قرارة نفسه أن النهوض الباكر ليس السبب الحقيقيّ، فقد اعتاد في ما مضى أن ينهض قبل نهوض الشمس. ربما هي حاجته إلى التبغ و القهوة، أو لعلّه إحساسه بضيق المكان..

لفتحه شمس صباحية فتيّة، فأعرض عنها بقلنسوته الرمادية، و لزم جانب الشارع كي يجتنبها، و يمّم وجهه شطر مقهى الحيّ.
يكره كلّ فضاء مفتوح، حيث يجهل إحداثيّاته، و حيث عليه أن يؤمّن جهاته الأربع طوال الوقت.. في أقبية السجون، كلّ الممرات ضيقة، و كل القاعات و الغرف و العنابر ضيقة، النوافذ أيضا ضيقة، و كذلك العيون و النفوس.. كان يمكنه أن يسير مغمض العينين هناك، كان يشعر بالأمان كلما ضاق الفضاء و شحّ الضوء و الهواء، لذلك، لم يعتد الخروج كلّما أحسّ بضيق كهذا الذي يشعر به اليوم. و ربما كان العكس صحيحا، إنّ الهواء نفسه يسبب له الضيق و الانزعاج. هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

ألقى ما تبقى من لفافة التبغ في الشارع، و دهسها مواصلا طريقه. ربما كان بحاجة إلى أكلة دسمة. لقد مضى وقت طويل دون أن يأكل شيئا يصلح. جسده النحيف يشي بذلك. التبغ يغني عن الأكل في أكثر الأحيان، و ربما تدهورت صحته دون أن يعلم. سحقا لهذا العالم! حتى جسدك أنت بات يشعر بالوهن! إيه يا زمن الجرذان، خذلت فأحسنت الخذلان، و قد كنتُ رهبة السجون، و مرعب القضبان. ها أنذا اليوم أبحث عن قوت حتى لا أنهار كما زبائني.
خمّن أن يشتريَ لوازم غداء جيد مثخن بالخضار. سيكلفه ذلك ثروة صغيرة، و لكن لا بأس. لجسده عليه حقّ. لا يجب أن يشعر بهذا الوهن و هذا الضيق مرّة أخرى، لا يزال الوقت مبكّرا على الشيخوخة، لا يزال الوقت مبكّرا على شماتة الشامتين، سيفرح بأمهاتهم قبل أن يفعلوا.

وقف أمام أحد الباعة و تأمل بأعين مرتابة صناديقه و حركاته، فاستدار إليه البائع مرحبا، لكنه طلب شيئا من الطماطم دون أن يلطّف من حدة نظراته. لم تفته الريبة التي ارتسمت على وجه البقال، و لا الارتباك الذي تملّك يديه، لكنّه تجاوز ذلك كي لا يفوته الكيل. أبناء الزنا هؤلاء، لا يؤمن جانبهم أبدا.. و حينما استلم كيسه، فتحه متأمّلا فيما استلم.
لا تشبه حتما تلك القطع البائسة التي يسلمونها إلى المساجين. تذكر كيف اعتاد رفقة أصحابه البول على الطماطم قبل رحيها و تقديمها، ثم المراهنة على من سيأكلها.. ابتسم في سرّه متحسّرا على الأيام الخوالي، و على دعاباته القديمة.. في سنواته الأخيرة في العمل، لم يعد يطيق المشاكسة كثيرا، كأنه كان يفضل الاحتفاظ بطاقته لوقت الشدّة، و كثيرا ما كانت تأتي أوقات شدّة.. أما اليوم، فقد باغته شعور مفاجئ بالقرف من الحبيبات الحمراء الأنيقة المقدّمة إليه، فرمى بالكيس أمام البقال و غادر في صمت.
لم يسمع تعليقا من وراء ظهره، ربما لأنه تعرّف عليه، و ربما لأنه يفق من المفاجأة، و ربما علّق بالفعل لكنّ سمعه خانه.. هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

هذا الفراغ الذي يخنقه لا علاقة له بمعدته، بل هو يملأ رأسه. كيف يملأ الفراغ رأسه؟ لا يعرف، و لكنه يصدّق نفسه. هو ليس طبيبا على كلّ حال. كانت وظيفته دوما أن يقرّر هو ما يحصل مع الأجساد، و أن يكل للطبيب ايجاد تفسير لما قرّره. لذلك لم يثق قطّ بالأطباء.. لو ذهب لاستشارة أحدهم فسيقول أي شيء يضطرّه إلى شراء أدوية لا لزوم لها، بينما جسده وحده يقاوم و ينتصر. إنه أدرى من الأطباء بمعجزة الجسد. هو وحده من يذهب بها إلى حدود قدراتها، أما الطبيب، فلا يملك إلا كبت طاقتها بأدويته البائسة.. رأى أجسادا تقهر الزمن، و لئن كانت نادرة، فهو لم يشكّ في أن جسده إحداها. كان يبالغ في القسوة حتى يبلغ منتهاها، فإن حافظت على بقائها، يشعر بزهو غريب كأنما جسده من فعل!
يتذكر كل ذلك دون أن تمرّ صورة واحدة بذهنه، كأنما يصرّ رأسه أن يحافظ على فراغه. رأسه بات ممتلئا بالفراغ. و بدا له أنه في حاجة إلى شيء من الفوضى..

تسمّر أمام مغازة في شارع جانبيّ قليلا، ثم حسم أمره و توجّه إلى رواق الكحوليّات داخل المغازة. ليذهب جسده إلى الجحيم، اللعنة على الصحة و ما تفرضه من قرف. لقد مضى زمن طويل على آخر جلساته الخمرية. حينما غادر عمله، حاول الإبقاء على معارفه هناك. دعا بعضهم إلى سهرة أو سهرتين، لكن سرعانما فتر عزمه حينما لم يشعر بشيء من التجاوب. أبناء الزنا، كانوا يتهافتون عليه كبنات الهوى، و اليوم يخجل أحدهم من التردّد عليه.. قالوا له في الإدارة إن اسمه المعروف لم يعد ذا نفع في زمن حقوق الإنسان و كل ذلك البراز النتن الذي جاء به المرتزقة. و هاهو اليوم يشرب وحيدا، من حين إلى حين. يحرق حنجرته بما جاد جيبه من البوخة و المرناق، ثم يشتم كل من عرفهم، و أمهات من عرفهم، و ينام..

تأمل القارورة المستكينة بين أنامله، ثم ألقى بها في السلة المعدنية، رنّ صوتها في ذهنه، فأحدث صورا فاجأته. رأى عشرات الوجوه الملتاعة الصارخة.. أدبار كثيرة ألقمها زجاجا كهذه الزجاجة التي في السلة. عالج أدبارا حتّى بات يعرفها أكثر من وجوه أصحابها. أحيانا تبدو المهانة مرتسمة عليها قبل الوجوه. لذلك كان يؤمن دوما أنها الطريقة الأكثر نجاعة. بعضهم كان يعترف بمجرد أن يراه لهول التجربة. بعضهم ينخرط في بكاء مرير أو يغشى عليه. أما الحمقى الذين لا يعرفون، فكان يجب أن يقدّم له شيئا من الحكمة.. من الخلف..
عاوده القرف و هو يتأمل القارورة، و خيل إليه أنّ رائحة عنقها تصدّع أنفه، فطرح السلة أرضا و استدار مغادرا. لم تكن له رغبة حقيقية في الشرب، إنه ذاهل عن العالم أو قريب من ذلك بالفعل، هذا الاختناق الذي يحنقه يفرض على جسده استرخاء لا يطيقه. هناك شيء آخر ينقصه، فما عساه يكون؟

انتبه إلى رجل يتحسّس طريقه إلى الرواق. ضعف بصره، و لكنه يبدو مصرّا على النهل مما تبقى له من متع. لحسن الحظ أن خراب جسده قد بلغ عينيه، فلم يتعرّفه، و ربما لو عرفه لحصلت فضيحة لا يحبّ لها أن تحصل. أما هو، فلم يخطئ هويته من أول نظرة. إنه يحفظ وجوه "زبائنه" واحدا واحدا، بدءا بتلك المرأة التي كانت تنقل الرسائل إلى زوجها المختبئ و جماعته، انتهاء بذلك الغلام الطريّ الذي ظنّ أنه سيغيّر العالم عبر شاشة حاسوبه.

يحفظ وجوههم و ندب أجسادهم كما يحفظ الشاعر قصائده، و كما يحفظ النحّات تضاريس منحوتاته، و يمكن بيسر و ثقة أن يميّز بين ندبته و غيرها في الجسد الواحد. كم كان فخورا بذلك! إنه يقرأ الأجساد كما لا يفعل المرء مع جسده. عينه الخبيرة تعرف جيّدا مواضع القوة أو الوهن ، مواضع اللذة أو مواضع المهانة، تبوح له الأجساد بأسرارها قبل أن تبوح بأسرار أصحابها. الجسد صادق دوما، ثرثار لا يحسن التورية، لا يحسن الخداع، ارتعاش الانامل، تقوّس الظهر، اصطكاك الأسنان، حكاك الأذن، أرنبة الأنف، النفس الحار، و العرق البارد، حتّى سيلان الدماء يصبح نصّا بليغا.. علاقته بأجساد الآخرين أكثر حميميّة من علاقته بأرواحهم.

إنه لا يملك أصدقاء تقريبا، لا يملك أحدا، أتراه يشعر بالوحدة هذا اليوم؟ أتراه يشعر أخيرا أن عزلته و قد جرّد من عمله ستهلكه؟ أهذا سرّ الاختناق الذي يلازمه؟
سار بخطوات سريعة متلهفة إلى مقهى الحيّ. الجميع هناك يعرفونه، لذلك كان يتحاشى الجلوس إليهم. كان يفضل الإبقاء على هيبة زائفة، على أن يلمس أحقادهم. في عالم قذر كهذا، للهيبة قيمتها. لن يجرؤ طائش واحد أن يغدر به. سيفكرون كثيرا في أطرافهم قبل أن يفكروا في معاداته. لكنّ الهيبة أيضا تعني أمورا أخرى..
قرأ على الوجوه نفورا واضحا، انزعاجا لا يحتمل تأويلين. جلس حيث يجلس رجل وحيد منعزل. من الأفضل الجلوس إلى رجل واحد، فهذا يجعل من حديثهما أكثر حميميّة. لا يجب أن ينصت المقهى كلّه إليه منذ الجلسة الأولى.
لكنّ جاره كان مذعورا. حينما استدار إليه، لم يخطئ ملامح الفزع التي حاول إخفاءها وراء شيء من اللامبالاة. ثم إنّه سارع بارتشاف قهوته المركّزة و حياه قاصدا المغادرة، فهتف فيه :"اُقعد!"
ساد الصمت بعد هتافه المفاجئ، و بدا كأن كارثة جديدة ستحدث. جلس الرجل و قد فرّ الدم من وجهه. اللعنة عليك! اللعنة عليكم جميعا! لقد كتب عليه أن لا يخاطب الناس إلا بصيغة الأمر، و نبرة البلطجة.. لقد كتب عليهم أن ينزعجوا من وجوده.. فلينزعجوا، فليموتوا انزعاجا! إن البقر لا تفهم إلا هذه الصيغة. هؤلاء الجيف العفنة.. أتدّعون الفضيلة يا كلاب؟ أنا أعرف قذاراتكم واحدا واحدا. أيها الملاعين! كونوا رجالا على الأقل! كونوا رجالا و لا تدّعوا فضائلا لا تملكونها! إنني أشعر بالغثيان من الاختلاط بأمثالكم. ما الذي أفعله في هذا المستنقع الكريه؟ 

نهض دون أن يلقيَ بالا إلى الوجوه التي تراقبه سرّا، و غادر المكان و هو يعلم أنه (أي المكان) سيمتلئ بالتنهيدات و النكات السخيفة.. إن البشر لمقرفون، لا يمكن أن يفهم هذا إلا من اقترب من أجسادهم كما فعل هو طوال السنين الماضية. إنّ ما ينقصه شيء آخر فما عساه يكون؟

بلغ مسامعه صوت الآذان و هو في طريقه إلى المنزل، و خيّل إليه أنه يسمعه لأول مرة، أو هو انتبه إليه لأول مرة. ما الذي يعنيه ذلك؟ التوبة؟ و هل لمثله تقبل توبة؟ و كيف يتوب و قد أبعدوه قسرا عن عمله؟ لولا ضغوط تلك المنظمات اللقيطة التي جادت بها الثورة، لظل في منصبه إلى اليوم.
لكن ماذا لو أن التوبة هي ما يرومه بالفعل؟ ماذا لو أن سبيله للتخلص من الإختناق هو البكاء بين يدي ربه؟ ترى، أكل ما شعر به من اشمئزاز، سببه حاجته إلى التطهّر؟ إنه لم يعد يرى الصور في ذاكرته كما كان يراها.. بات يميّز طعم المرارة في كل مرة. و لئن لقيَ صعوبة في الجلوس إلى أجسام تثير قرفه، فإن الله لا جسم له، و له أن يحدثه قدر ما يشاء.

سرّ بمنطقه فهرع إلى المسجد القريب. تذكر أن الصلاة يلزمها وضوء، فسأل عن الميضة. أشار إليه شاب مندهش أن سر يمينا. فتابع طريقه في حنق خفيّ. و عاوده الإحساس بالقرف من البشر. هنا سيجد بعض ممّن عاث في أجسادهم فسادا. لعلّ بعضهم مات كمدا أو قهرا بالفعل، و لعلّ بعضهم اشترى لمحنته ثمنا قليلا و اعتزل العالم كله، بينما عاود الآخرين حنين إلى حلم السلطة. هؤلاء سيحمونه حتما، و سيمنعون عنه الأذى لو تعرّفه الآخرون..
حينما بلغ الميضة، طالعته أجساد الرجال المتهالكة على الحنفيات الشحيحة، تسارع بالتطهّر قبيل بدء الصلاة. و تذكر أنه نسيَ قواعد الوضوء، فبحث له عن مكان قرب شخص يتبعه. وجد على يساره رجلا نحيفا، خفيف اللحية ينزع جواربه، فانسلّ إلى جواره.

هذه الندبة خلف الأذن، و هذا الظفر المقتلع من منابته، ليس عمله حتما، لكنّه أعاد إلى ذهنه بعض الذكريات البعيدة.. و تساءل في سرّه، أين كان الله حينما كان هذا الرجل يدعوه سائلا الرحمة؟ أين كان الله حينما كان يذكره جزعا، فيتلقى صفعة تفقده وعيه؟ أكان الله يتسلى مثله أيضا؟
لمح اعوجاج قدمه اليمنى و هو يقدّمها للمياه، فعاوده الشعور بالغثيان. إن آخر ما يبحث عنه اليوم، هو حديث مع من لا يجيب. لقد أخطأ تأويل ضيقه، و ما ينقصه هو شيء آخر، فما عساه يكون؟

هذه الشوارع لا تجيب. كلما قصد ركنا من أركانها، إلا و ازداد اختناقا. ربما كان خيرا له لو ظل في فراشه منذ البداية. لم يطل به التجوال حتى قادته قدماه إلى داره من جديد. فبصق جانبا، و أشعل لفافة تبغ و دخل. زوجته اللعينة قد عادت أخيرا. و الأفضل لها أن يكون طعامها جاهزا.
فجأة، أطلت بعباءتها الملونة النظيفة، و ابتسامة مشرقة تعلو محيّاها. ماذا دهى المرأة؟ أخبرته أن الطعام جاهز و طلبت منه أن يجهز نفسه للمائدة.. حينما استدارت عائدة إلى مطبخها، ارتفع ثوبها قليلا، كاشفا ساقين قويتين، فانفجر السؤال في رأسه ككشف عظيم ..

أتراك تعود إلى صباك أيها الشقي؟ و إنّ لبدنك عليك حقا! هاله أنه مثله مثل "زبائنه"، لا يعرف الكثير عن جسده. متى فعل ذلك آخر مرة؟ متى التحم جسده بجسد آخر؟ لم يعد يذكر جيدا. خُـلقت أجساد الآخرين، ليكتشفها لا ليكتشف من خلالها جسدَه هو. خُلقت أجساد الآخرين ليكون إلَها عليها، يقرّر مصائرها و أشكالها. أما أن يعود بشرا، جسدا يرتعش بارتعاشة تلكم الأجساد، فما كان ذلك ليغريه..

أتراه اليوم كلَّ من كل ذلك؟ أضاق به عناده و استسلم لحقيقته؟ كان أجبن من أن يجرّب، لكنّ إحساسه بالاختناق أصبح لا يطاق. و حينما عادت المرأة بطبق الطعام، أمسك بساعدها في قوة و حسم، و سألها "عندك دمّ؟"
كانت نبرته المتحرّجة تشي بمعنى سؤاله، فظلت صامته تحملق في وجهه مندهشة، حتى إذا ضغط على زندها، أطلقت ضحكة مرتبكة خجولا مندهشة، و أجابت :"لا، مازلت."
دعاها إلى غرفة النوم بلهجة من لا يمزح. لا يلومها على حيرتها، فهو نفسه لا يعرف ما الذي يفعله. إنها مسرورة و لا شكّ، هذا الارتباك الذي يعتريها يعرف مكامنه و دواعيه. لا تزال قوية، متماسكة، و إن غيرت رحلة السنين بعض ملامحها، فضحكتها تجعل المشهد جميلا في كل محطة. هذه الأثداء لم تترهّل بعد، و لا تزال تخفي بعضا من عجائبها. هل تشعرين بشيء؟ أ نبدأ الرحلة؟ ليس لي يوم كامل لأضيعه في ترويض انفعالاتك و تحضيرك.
و بسرعة و ضجر، باعد ساقيها دون أن يبعد نظره عن وجهها. كان الجذل يُنحت رويدا على تفاصيل وجهها. تورد خدها، و بدا كأن حياة جديدة تدبّ فيه. أيتها اللعينة! لماذا أشعر بالضيق من كل هذا؟ الضيق اشتعل غضبا بداخله، و حينما أنّت مستزيدة، أصبح غضبه كفــّا قوية صفعت خدها بكل عنف. صرخت في ألم و قد أفاقت من عالمها، فازداد هياجه، و أردفها بصفعة أعنف أطلقت صرخاتها في المكان. رجته أن يتوقف، لكنها كأنما كانت تستزيده، فأمسك بها من شعرها الثائر كما تمسك الذبيحة، و لطمها لتعانق جدار الغرفة الضيقة. ظنّ أنها ستظل هناك، لكنها سرعان ما نهضت لتهرب بجلدها باكية.

كان مرهقا، كره أن يركض خلفها، فاستلقى على الفراش لاهثا. ما هذا الذي فعل؟ لا يملك جوابا. فقط ضحكة عصبية باغتته، و إحساس مدهش بالارتياح. فجأة بدا و كأن كل ضيقه قد تلاشى دفعة واحدة مع اختفاء خيوط الشمس الأخيرة من الغرفة.

13 تموز 2014

Saturday, July 12, 2014

ساعة من البرمجة

العالم يتغيّر..

لم تكن هذه الحقيقة بديهية و ملموسة بقدر ما تبدو عليه اليوم. افتح النافذة بجوارك و تأمل أقرب شارع إليك. ربما كانت أقرب نافذة إليك، تلك التي تطلّ من شاشة الكمبيوتر، نافذة Firefox مثلا، أو Chrome أو أي متصفح آخر تستعمله، لأنّ النوافذ اليوم باتت تحمل أكثر من معنى، كغيرها من المصطلحات الأخرى في هذا الزمن الالكترونيّ.
العالم يتغيّر، و هو حتما لم يعد ذلك العالم الذي لا يزال يتعامل باندهاش مع الكتابة. لقد تجاوز الانسان بالفعل الأقراص الطينيّة التي كان يستعملها في العراق، و أوراق البردى، و رقائق الجلد، بل لعلّنا نشهد تجاوز العالم للورق كوسيلة تواصل. لقد انتهى زمن الرسائل الورقيّة بالفعل، و بات التعامل أساسا عبر الشرائح الالكترونية.

قليلة هي الشعوب التي أدركت هذه الحقيقة بالفعل. قليلة هي الشعوب التي توصلت إلى حقيقة أن هذا عصر ما بعد الكتابة. إنه عصر البرمجة! و حينما نتحدث عن "عصر البرمجة" فإننا حتما لا نعني بذلك البرمجة كمجال اختصاص يمارسه بعض الشبان المهووسين أو بعض المهندسين ذوي الخبرات المريعة التي يحسبها الآخرون ضربا من السحر. إننا نتحدث هنا عن البرمجة كمهارة شعبية يمكن أن يمارسها الجميع مثلما يمارسون مهارة الكتابة و الحساب. هل يبدو هذا مفرطا في الخيال؟ بعض الدول بدأت خطواتها الأولى في هذا الاتجاه، و في الولايات المتّحدة الأمريكية، ظهرت إحدى أكبر الحملات الشعبية لتعميم مهارة البرمجة، كان ذلك من خلال موقع Code.org

ماهي Code.org؟
هي منظمة غير ربحية، و موقع ويب بذات الإسم أسسه الأخوان عليّ و هادي بارتوفي (و هما من أصل إيراني كما لاحظتم) بهدف تشجيع الناس و خصوصا طلبة المدارس في أمريكا على تعلم البرمجة. ظهر الموقع على شبكة الانترنت في جانفي (كانون الثاني) 2013، و كانت مهمّته الأولى حينئذ، تكوين قاعدة بيانات تضم كل المدراس و الهيئات و الفصول التي تقدم دروسا في البرمجة في كامل أنحاء الولايات المتحدة. و قد رافق هذا العمل مساندة بعض المواقع الاعلامية الالكترونية المتخصصة الشهيرة مثل تاكرانش (TechCrunch) و غيرها.
و في فيفري (شباط) من نفس العام، قدّم الموقع شريط فيديو قصير يظهر فيه بعض عمالقة وادي السيلكون كمارك زوكربارغ (مؤسس فايسبوك) و بيل غايتس (مؤسس مايكروسوفت) و جاك دورسي (مؤسس تويتر) و غيرهم من المبرمجين و باعثي المشاريع في عالم تكنولوجيا المعلومات. الفيديو قصير و لطيف، و يحمل معنى بسيطا : البرمجة ليست ضربا من السحر، تعال و جرّب تعلّمها لأنها لغة العصر. و قد لاقى الفيديو رواجا مذهلا في وقت قياسيّ، و تم تناقله في وسائل الإعلام الأمريكية حتى اعتبرته TechCrunch أحدث صرعات الشبكة الاجتماعية.

ساعة من البرمجة
الخطوة التالية، كانت حملة "ساعة من البرمجة"، و قد تزامنت مع الأسبوع الوطني لعلوم الكمبيوتر في أمريكا، أي بين 9 ديسمبر (كانون) و 15 ديسمبر (كانون) من السنة الماضية. و كان هدف الحملة، اجتذاب طلبة المدارس لمتابعة بعض الدروس البسيطة في البرمجة على الموقع، و المهيّأة في قالب ألعاب تحدّ لا يحتاج معها الطالب إلى أية معرفة مسبقة بعالم البرمجة.
أعلن عن الحملة قبل شهرين من موعدها، و قد ساندتها شخصيات معروفة، و كان أبرزها الرئيس الأمريكيّ باراك أوباما الذي قال في تسجيل فيديو محمّسا الامريكيين إلى التفاعل مع  الحملة : "لا تكتف بتنزيل ألعاب الفيديو، اصنع واحدة!"
و قد أعلن موقع Code.org فيما بعد أن أكثر من 20 مليون شخص شارك في الحملة، و أنّ ما كتب خلال "ساعة من البرمجة" بلغ نحو 600 مليون سطر من الكود!
اليوم تستعدّ الحملة للانطلاق في بريطانيا، احتفالا بمرور ربع قرن على بداية الشبكة العنكبوتية العالمية (WWW)، بذات الدعم و ذات الأهداف، و على الموقع نفسه.

البرمجة سهلة!
يحاول الموقع أن يتجاوز اللغة الانكليزية و أن يقدّم مادّته بمختلف اللغات العالمية. لكن يبدو أن المشروع لا يزال في بدايته، فهو فقط يترجم بعض العبارات الواردة بالموقع، دون أن يترجم التطبيقات/الدروس التي يستخدمها فعليّا زوّار الموقع. ربما لذلك كان نشاطه الأول خارج الولايات المتحدة مرتكزا أساسا على بريطانيا.
لكنّ الدروس متوفرة للناطقين بالانكليزية بالفعل، و هي متنوّعة و تحاول أن تتوجّه لمختلف الفئات العمرية، لتعويدهم على حلّ الألغاز و المسائل عبر تكوين خوارزميات بسيطة. تخيل مثلا لعبة الطيور الغاضبة الشهيرة (Angry birds) تتحول إلى شبكة أحجية (Puzzle) حيث على المستخدم أن يكتب سلسلة من التعليمات تجعل الطّير قادرا على بلوغ مكان الخنزير. و التعليمات طبعا بسيطة نحو "تقدم إلى الأمام" و "استدر يمينا" و "استدر شمالا" الخ.. سلسلة التعليمات التي يكتبها المستخدم تمثل الخوارزمية التي ستنفّذها التطبيقة، و هو أمر أقرب إلى اللعب المسليّ منه إلى البرمجة، لكن على يمين الشاشة ستجد زرّا يسمح بعرض الأوامر في شكل أسطر كود تعوّد المتعلّم على تقبل الأكواد، و على فهمها.

يعتمد الموقع في الواقع على لغة برمجة تصويرية تسمّى Blockly تقوم أساسا على تقديم مختلف عبارات البرمجة الأساسية مثل عبارة "if" أو "repeat" في شكل قوالب يركب بعضها ببعض تماما كالأحجيات المصوّرة (Puzzle)، و هو ما يجعل الأخطاء "النحوية" مستحيلة، و يجعل المستخدم يركّز أساسا على تكوين الخوازمية اللازمة لحلّ المسألة المطلوبة.
لكنّ الموقع لا يكتفي بذلك، و يقدم بالفعل دروسا مبسطة في لغات برمجة معروفة، مثل Python و javascript، و غيرهما. كما أن دعم الشركات الكبرى للمبادرة أوجد دروسا لصنع تطبيقات لأجهزة الهواتف الذكية و الويب. التطبيقات ليست معقدة أو ضخمة، و لكنّها تسمح للمستخدم أن يشعر أن تعلم البرمجة يمكّنه من صنع شيء حقيقيّ بالفعل. شيء يمكنه استعماله فيما بعد. و هذا الشعور هو الذي أولد موجة كبيرة من الحماس في أوساط الأطفال الذين تلقّوا تلك الدروس خصوصا. و هو الهدف الرئيسيّ من وراء المبادرة.

يعتقد مؤسسا الموقع، هادي و عليّ بارتوفي، أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تعاني نقصا كبيرا في نسبة مهندسي البرمجيّات. و تفيد الأرقام التي يقدّمها الموقع، أنه في الوقت الذي لا يتجاوز فيه عدد الطلبة المتخرجين في مجال علوم الكمبيوتر 3% من مجموع الطلبة المتخرجين، يتنامى حجم عروض الشغل في البرمجة إلى ضعف حجم المعدل الوطنيّ لعروض الشغل. لذلك يحاول الرجلان من خلال هذه المبادرة أساسا، تعويد التلاميذ في المدارس الابتدائية و الثانوية على فكرة البرمجة، و تقديمها في صورة أقل نمطية من تلك التي تقدمها شاشات التلفاز، و أكثر مرحا. لكنّ الأمر لا يتوقف على ذلك.
إن المشكلة الأساسية أن التقنية اقتحمت كلّ المهن بالفعل، و باتت مختلف الميادين في حاجة إلى تطويع تكنولوجيا الكمبيوتر. الطبيب اليوم في حاجة إلى رسوم بيانية ديناميكية و حيّة للأنشطة الحيوية في جسم الإنسان، و المحامي في حاجة إلى متابعة مختلف التشريعات الطارئة المتجددة يوما بعد يوم و المدرّس في حاجة إلى مراقبة مستمرّة لمردود تلاميذه يوما بعد يوم، و هي في أحيان كثيرة حاجيات بسيطة يمكن للانسان تحقيقها من دون الحاجة إلى شخص متخصص في البرمجة لإنجازها.

حملة Code.org مهمّة في المشهد الأمريكيّ، لأنها تدلّ على شعور الأمريكيين بخطر ما تجاه ما يحدث في عالم تكنولوجيا المعلومات و ما تطرحه من تحديات. و حينما يقدّم الموقع مقارنة بين حال علوم الكمبيوتر في الصين و الولايات المتحدة (في الصين يتعلم كل الطلبة أساسيّات البرمجة مهما كان اختصاصهم) فإنك تعلم أن المسألة تأخذ بعدا لا سياسيا فحسب بل استراتيجيا أيضا. كما أن للمسألة الاقتصادية حضورها البارز هنا. فالتركيز على قيمة سوق الشغل في عالم تكنولوجيا المعلومات، خصوصا من قبل النواب الأمريكيين الذين ساندوا الحملة، يدل على قلقهم بخصوص تنامي البحث عن مهندسي الكمبيوتر من خارج أمريكا. و هي مسألة يمكن طرحها في دول أوروبا الغربية أيضا. في المقابل تقدم دول مثل الهند و الصين، هذا النوع من اليد العاملة.

ماذا عنّا نحن؟ بعض الدول العربية تقدّم بالفعل عددا مهمّا من مهندسي الكمبيوتر إلى أوروبا الغربية، بل إن بعض الشركات الكبيرة باتت تفضل فتح فروع خارجية لها حتى تتفادى مشاكل الهجرة و تظفر في الآن ذاته بيد عاملة ذات كفاءة. من المهمّ القول هنا إن هذه الحملة تنذر بتقلص نسبة البحث عن هؤلاء. لكن من يعلم؟ 

Sunday, July 6, 2014

نشيدي أنا

أقاسم طيرا فتات المدى،
و أرسم سرّا مسار الهرب.
و أقتل جبني إذا ما بدا،
و أرسل كفّي وراء السحب.

أ أسمع صوتيَ خلف الجبال؟
أ أقرأ حرفي بُعيدَ الزمن؟
و من همُّه بعض اسم و مال
يعش رغده تحت سقف الكفنْ

لي أمل ماجنٌ مستحيلُ،
عزمُ باقِ و مهجة لا تطيعْ
و القلمُ المقاومُ و الخليلُ،
لي رقصة طفل رضيعْ

دروبي؟ لستُ أعرفُ ما دروبي
و واحتي، حين يرهقني المسيرُ
متى سافرتُ قد يممتُ صوبي
و أرضيَ حينما الحِلُّ الأخيرُ

آوي حروفا فتأويني،
أسحبُ روحي من تليدي
أعيدُ ملامحي و تكويني
و الحيّ يولد من رمادِ

أقاسم طيرا فتات المدى،
و أرسم سرّا مسار الهرب
و إن سألوا أين يمضي الفتى
فقل خلف ما قد كتبْ

انشر و لك الأجر :D

Translate