Tuesday, April 8, 2014

أسلحة معاصرة

حينما التقينا في ساحة (سان ميشال) المتألّقة ليلا كالذهب، التقيتُ فيه ذكرياتنا الصاخبة، و روحينا المندفعتين بين جموع الطلبة الهادرة.. دعاني إلى مجلسه الصغير. توقف "السان" قريبا يتابع تدفّق الذاكرة من بين أعيننا. أما هو، فأشار إلى الحسناء الجالسة بجانبه، و قال :"راشيل، صديقتي." ابتسمتُ و أنا أسألها :"يهودية؟" فقالت بفرنسية أنيقة :"لم أعد كذلك. منذ غادرتُ تل أبيب تغيرت أشياء كثيرة." استدرتُ مندهشا إليه، فارتبك و لم يعرف كيف يرسم ابتسامته. و حينما سألت في استغراب "ماذا؟" استسمحها و هو يأخذني بعيدا، أو قريبا إلى النهر. قال لي في انفعال :

"ألا تتغير؟ لماذا كل هذه العداوة؟"
"هل غادرت تل أبيب نهائيا؟"
 ارتبك قليلا، لم يعرف ما يقول. نظر إلى النهر الصامت و قال "هي إسرائيلية، قد تعود ربما، أعني، قد يتوقف الأمر على علاقتنا. لكن ما لك و هذا؟ ما دخلها بالحروب؟"
"ألا تذكر تلك الشعارات التي هتفتَ بها صبيّا؟"
"صبيّا! ها قد قلتها! ألا تكبر يا رجل؟ لم تقتلنا إلا الشعارات، ماذا فعلنا بالشعارات هه؟ هل تريد أن تحاربهم؟ اذهب و احمل سلاحك، ماذا تفعل في هذا المكان الساحر؟"
ثمّ صمت و كأنّ كلامه لم يجد له صدى في قلبه الصدئ، فواصل حديثه متشنّجا "الحرب اليوم اختلفت، إذا أردتَ أن تحاربهم، فحاربهم بعلمك، بتقنيتك، بتأثيرك على المجتمع الدوليّ، أما العنتريات فلن تفيد شيئا."

"إذا أردتَ أن تحارب عدوّا، فعليك أن تذكرَ أولا أنه عدوّك. أهي باريس التي سلبت روح المقاتل فيك، أم هو أنت اتخذت شكلك النهائيّ؟ اِسمح لي، لكن السلاح سواء كان سيفا، أم قلما، لا يحمله إلا محارب. أما أنت فتثغو. حينما تمنحك الحياة عدوّا قويا، فالأجدى أن تشكر السماء، و أن تحارب. لكنّك تحبّ أن تحيا قطيعا، أن تأكل في سلام، و ترقد في سلام. علم؟ تقنية؟ تقدّم؟ تحضر؟ هذه تفاصيل ثانوية. أما ما يهمّ، فماذا ستفعل بالعلم و التقنية؟ هل ستحارب عدوّك؟ أم ستذعن له؟ أم ستقبّله في فمه، و تترشّف دم أخيك من شفتيْ سفّاحه؟
هل تسخر من أولئك الذين حملوا سلاحا رخيصا أمام أعدائهم؟ ربما كانوا حمقى، ربما كانوا يجهلون أن العوزيّ يصنعه أعداؤهم، و أنه لن يغير شيئا أمام ترسانة نووية. لكنّهم محاربون. إنهم يدافعون عن حقّ جيناتهم في البقاء، أما أنتَ فلا تملك شيئا من هذه الأنانية النبيلة. أنت وليمة تتلذّذ بما يقدّم إليها من كلإ في موائد السلام.
المحارب الحقيقيّ لا يتوقف عن القتال، حتى و إن بات عاجزا عن حمل سيفه، و حتى إن علا سيفه الصدأ، و حتّى إن صار زمن الليزر و الكمبيوتر. المحارب الحقيقيّ، لا ينسى، و سيكتب على جيناته حكاية معركته، و يرسم فيها صور المجازر، و أسماء الضحايا، و تواريخ المحارق، و خرائط الأرض.. المحارب الحقيقي و إن أقعده الزمن عن القتال، سيحارب الزمنَ في عيون أبنائه.


أنت تدعوني إلى أمر آخر. أنت تدعوني أن أنسى، أن لا أرى الدماء على وجه هذه الفتاة حتّى يمكنني تقبيلها. أنت تريدني أن أنسى، و ها إني سأحاول. من أجلك."
ثم صمتت قليلا، قبل أن أقول مندهشا :"عذرا من أنت؟ لا يبدو لي وجهك الغضّ مألوفا."

و حينما غادر المكان حانقا، استدرتُ إلى النهر المتوقّف عندنا، لكنّه لم يكن هناك أيضا..

مجزرة جنين نيسان ـ أفريل 2002

Sunday, March 30, 2014

أنا أكره التصنيفات!

اسمحوا لي بمقدمة تاريخية مملة يا سادة. يقولون إن الحكايات ممتعة، و هي أكثر متعة حينما تكون حقيقية "ترو ستوري" كما يقول الاخوة في هوليود الشقيقة. يقول المثل (الذي اخترعتُه أنا للتوّ) أن العادة تسبق القاعدة، أو أنّ الواقع يسبق تصوّرنا له، أو أنّ الحقيقة تسبق طريقة تصوّرنا لها. أو أيّ شيء بهذا المعنى. خذ لك مثالا، اللغة.
من الغريب أن أكتشف أنّ البعض يعتقد بوجود قواعد النحو و الصرف و غيرها قبل اللغة نفسها. لا أعلم كثيرا عن بدايات النحو و علوم اللغات الأخرى. لكن للنحو العربيّ قصّة شهيرة، مفادُها أنّ أبا الأسود الدؤلي (لا تخف من الإسم) سمع رجلا (الواضح أنه ليس عربيّا) يتلو القرآن فيقول :"إنّما يخشى اللهُ من عباده العلماء" فجزع الدؤلي، و فكـّر أنه من الضروريّ إيجادُ علم يمكــّن الناس من النطق بطريقة سليمة، و من تجنّب اللـّحن عند التلاوة. هكذا ذهب الرجل إلى عليّ بن أبي طالب ليسأله المشورة، فيقول له عليّ كرم الله وجهه :" الكلام كله اسم، وفعل، وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل." ثم يضيف :"اُنحُ نحو هذا." و هو ما شبّهه العبقريّ أحمد خالد توفيق بطالب دكتورا يتلقـّى التأطير من أستاذه العظيم.

المهمّ أن أبا الأسود حينئذ أرسى قواعد النحو، هل يعني ذلك أنّ الناس قبله لم تكن ترفع الفاعل و تنصب المفعول؟ هذا لغو طبعا، ما فعله أبو الأسود أنه أخبر الناس بقاعدة يستعملونها دون أن يشعروا مثلما أخبرنا نيوتن عن الجاذبية. و كما أنّ نيوتن لم يكتشف كل أسرار الجاذبية، فإنّ قواعد أبي الأسود لم تكن متناهية الدقة، و لم تفسّر الكثير من أسرار اللغة العربية. لك في "حتّى" التي أثارت حربا بين علماء البصرة و علماء الكوفة مثالا على ذلك.

أحدهم أرسل لي يتساءل أيهما مخطئ القرآن أم النحو، و ذلك بعدما لاحظ آيات تذكر جمع المؤنّث أو تؤنث جمع المذكر (من بعد ما جاءهم بالبينات). و هي مسألة شائكة معقدة ناقشها النحويون منذ عصر سيبويه ربما إلى اليوم، لكنّ ما أثار استغرابي هو السؤال الذي افتتح به قوله. فالقرآن قد نزل و لم يظهر علم النحو بعد. أما النحو فقد ظهر كما ذكرتُ سابقا استنادا إلى القرآن أساسا. فكيف يمكن أن يكون القرآن "مخطئا"؟ ثمّ ما معنى أن "يخطئ" القرآن لغويّا و قد جاء به رجل لغته العربية و لهجته التي رضعها هي الفصحى التي يتكلم بها العالم من حوله؟ و ما معنى أن "يخطئ" القرآن وسط هذا الجمع من الناس التي ولدت تتكلم بلهجته و حروفه؟

لكن دعونا نبتعد قليلا عن المسائل الدينيّة التي قد تزعج البعض، و دعونا نستمرّ مع اللغة. هذه المرة مع الشعر العربي. فالكثيرون أيضا يعتقدون بأن علم العروض سبق الشعر. و ربما كانوا يظنون أن عنترة العبسي و النابغة الذبياني، كانا يجلسان إلى الأرض الرمليّة يكتبان أبياتهما و يملآن المكان بالـ"شلطات" و الـ"عصافير" (تعرفون تلك الحركات التي نضعها تحت البيت لمعرفة تفعيلاته و استنتاج بحره). الواقع يقول غيرَ ذلك، الواقع يقول إنهما يفعلان ذلك دون أن يسمعا بالخليل بن أحمد الفراهيدي واضع علم العروض. فهل تغضب؟
كان الشعراء يعوّلون أساسا على موسيقى الكلمة، من الجميع أن أنظم لك قولا يبدو مؤقّعا و فيه رنّة. يقول أولئك الذين ينكرون الشعر الجاهليّ، أن الشعر الجاهليّ غير ممكن في بيئة لم تعرف الموسيقى تطوّرا قطّ. لكنّ الحجة تنعكس عليهم، فالثقافة التي لم تطوّر الموسيقى، استعاضت عنها بالوقع الشعريّ. ربما لذلك يبدو لي الشعر العربيّ أكثر وقعا من غيره. جرّب قصيدة في المتقارب، و ستدهشك خفّة إيقاعه، إنه يفرض موسيقاه فرضا. و لأنّ الاعتماد على الأذن لوزن الشعر "موسيقيّا" يعني تسلل الهنات، فإنّ العروض أقرّ بها و استوعبها فيما يعرف بالزحافات و العلل.
لقد ظلّ شعرا رغم "علله" اذا، ذلك أن من سبقوا العروض هم من صنعوه، أما حينما تأتي بعد الخليل بشعر علله غير معروفة مثلا، أو بحره لم يضعه نحويّ قطّ، فآسف، أنت تهذر بما ليس شعرا! هذه طامة النقد الفنّي، و هذا هو بيت القصيد!

يضع النقاد و الدارسون و الخبراء و الأساتذة و الدكاترة قواعدهم بناء على ما سبق دائما. مشكلتهم ليست افتقارهم إلى الإبداع، و إنما افتقارهم إلى القدرة على استباق الإبداع أو تخيل ما يمكن أن يكون. لذلك تخرج قواعدهم أضيق من الإبداع في كثير من الأحيان.

بعض الأدباء و الشعراء يضيقون ذرعا بالتصنيفات و القواعد، من ذلك ما كان يصرّ على ذكره طه حسين قبل أن يبدأ قصّة ما، أن ما يلي ليس قصّة و لا رواية و لا مسرحية إنّما هو حديث لا غير، و ذلك كي يتخلـّص من تصانيف النقاد العبثية أحيانا. أذكر أن أحد الأساتذة العظام، كان يصرّ كلما قرأ "محاولة" قصصية قدّمها شاب إليه، أن يبحث فيها عن "شروط القصة"، سألته ماذا لو أخلّ بأحد هذه الشروط، فقال إنه لن يعتبرها كذلك. لم أفهم ما معنى أن "لا يعتبرها كذلك". هل تتحول حينئذ إلى قصيدة مثلا؟ أو إلى هذيان محموم؟
أحدهم راح يعدّد لي شروط القصة القصيرة، فقال إنها يجب أن تعتمد على الكثافة، و أن تقلّ من الشخصيات، و أن يتمحور القص حول حدث بعينه، الخ.. كل تلك الشروط التي لم أجدها في إحدى المجموعات القصصية التي كتبها أستاذ له. من أين يتعلمون هذه الشروط إذا؟ أم تـُراها قوانين لنكرات الأسماء؟

لم أسلم أنا أيضا من التشريح الأكاديميّ، رغم كوني نكرة (أو ربما لأنني كذلك). و أعترف هنا أن أغلب من يمارسون ذلك بلا هوادة هم أولئك الذين لا يزالون في طور الحماس لما يدرسون. أغلب من هم في سنّ متقدمة، أخضعوا معارفهم للمساءلة، باتت أحكامهم أقل أكاديمية، و أكثر مرونة. أما الآخرون، فيحتاجون إلى التصنيف و التقسيم و التشريح حتى لا يتوهوا.

هل يعني ذلك أننا لا نحتاج إلى النقد؟ هل يعني هذا أن التصنيفات الأدبية هي تصنيفات عبثية؟ لا أظنّ ذلك طبعا. إن دراسة الأدب و تقنينه مهمان من أجل الغربال. من أجل فرز النقيّ من الهجين، و الجيّد من الرديء. لكنّ سنّة الفنّ أن يتجاوز نفسه، و كذلك نقده و دراسته يجب أن تتجاوز نفسها دائما حتى تستوعب جنوح الفنّ و جنونه.
إنّ إيجاد معيار ثابت نتبع به تجارب الفنّ و رحلاته فنشدّ على يد هذه الرحلة و نشذب تلك. لكنّ هذا يقودنا إلى فلسفات و مدارس قد لا يتسع المقام لذكرها. لكنّها هناك حتما. تلك التي استخدمها المحكّمون يوما في سوق عكاظ و تلك التي فاضل بها سيف الدولة بين أبي الطيب و أبي فراس. رحم الله أبا العتاهية، الأكبر من العروض!



أجل ! نحن أمازيغ!

ربما كانت تونس تملك أرقى أصناف الحداثة بالفعل، تلك الحداثة التي لم تتأثر قطّ بمرور السنين و العقود و القرون. تلك الحداثة الصامدة في وجه التغيرات و الافكار التي أتى بها القرن العشرين و ما بعده!
حاملو لواء الحداثة في تونس هم أبناء القرن التاسع عشر باستحقاق، و لو سمعت خطابهم عن العنصر و العرق، لما وجدتَ اختلافا كبيرا عمّا كان يقوله جول فيري "الفاتح العظيم" الذي وهب هذه البلاد المطحونة قبسا من الحضارة و الحداثة!

ستجد مثلا ذات الخطاب العنصريّ الدقيق، آسف هنا لا تحمل صفة "عنصريّ" أيّ معنى سلبيّ. إنّه العلم يا سادة! يقول العلم إنّ جيناتنا التونسيّة تحمل بصمات أمازيغيّة بنسبة أكبر نسبة البصمة العربية. و هو ما احتفت به بعض وسائل الإعلام المعروفة من خلال مقالات مغرقة في الدقة العلمية. (هذا على سبيل المثال)
بعضهم ذهب إلى الاستنتاجات الحداثية البديهية، نحن امازيغ و لسنا عربا. هناك من تعدّى ذلك إلى الحلول العَملية : اُخرجوا من أرضنا!
لا أعرف من يقصد بالقول، مادمنا كلنا أمازيغا فمن عليه أن يخرج إذا؟

لكن دعونا نعود إلى فكرة الجينات العبقرية هذه. هذا الصنف من الحداثيين، يعتقد إذا أن وجود جينات امازيغية أكثر من العربية، تعني ـ على الأقل ـ أن الامازيغ أكثر من العرب ( هكذا و كأن التونسي إما يحمل سلسلة جينية "امازيغية" و إما "عربية")، حسن ألا يعني هذا أن هناك وجودا عربيا في تونس؟ لماذا ننكرهم؟ لماذا نقول إننا "لسنا عربا"؟ أليس من الأجدى القول إذا إننا أمازيغ و إننا أيضا عرب؟

ربما لأنّ هؤلاء الحداثيين مثلا لا يحتملون هوية مركّبة، أو لا يستوعبونها (فكرة  تذكرني بهذا المقال) أو ربما لأنهم كما ذكرت أعلاه، في وفائهم لقيم الحداثة، الحداثة التي مجّدت الرجل الأبيض و واجبه الحضاريّ تجاه الأعراق المتخلفة، تعود إلى الجينات و الدماء لتحليل مشكلة الهوية، أو ربما في نهاية الأمر، لأنّ مشكلتها مع الهوية العربية تتجاوز المسألة العرقيّة و حتى مسألة الهوية (مسألة كهذه مثلا).
بعض هؤلاء يستغفلون الجهلة كما يستغفل جماعة "حزب ربي" مثلا جماعة آخرين، و كلاهما يحارب الآخر في ضراوة، ربما لأنهما يكرهان المنافسة، أو ربما لأن التنافس في النهاية يفرض ذلك. تجد مثلا صفحات فايسبوكية تلقى شعبية لا بأس بها، يتابعها في حماس خصوصا أولئك الذين لم يتح لهم التفكير إلا بعد سنّ العشرين للأسف. أولئك الذين لم يوفّروا لأنفسهم حدّا أدنى من المعرفة بتاريخ بلادهم يمكّنهم من فرز ما يقوله الآخرون لهم. يظلّون سجناء محيطهم و بيئاتهم خصوصا.

هؤلاء المستغفِــلون يعرفون جيّدا ما يفعلون، و لا يبدو أنهم يكتبون جهلا أو حمقا. من بين هؤلاء ستجدون مثلا هذه الصفحة. التي تنتسب إلى بورقيبة و تقول كل شيء من أجل محاربة العرب و "الوجود العربيّ" في تونس. تعتمد الصفحة في انتسابها إلى بورقيبة على "حربه" على العروبة و على الاحتلال العربيّ الممتدّ من 1300 سنة. طبعا فات هؤلاء أن بورقيبة هو أيضا لا يحمل أصولا "أمازيغيّة" أو لنقل بشكل أكثر يسرا، أن أصوله تعود به إلى طرابلس بعيدا عن الأراضي التونسيّة، و هناك يختلف الدارس و أغلبهم يذهب به إلى شرق أوروبا. المهمّ أن "الغزاة العرب" أعرق حضورا من بورقيبة على هذه الأرض مثلا. أما عن الحرب التي شنّها بورقيبة على العروبة في تونس فلعلّ أبرز عناوينها ارساء التعريب في البلاد، بعدما كان التعليم مفرنسا تماما. كان بورقيبة مشرفا على المشروع بشهادة محمد المزالي. لكنّهم لا يرون تفاصيل بسيطة كهذه، يرون فقط خلافه التاريخيّ مع عبد الناصر، خلاف على الزعامة العربية في الواقع، و خلاف على منهج التحرك العربيّ. لا يرون استقبال بورقيبة للمقاومة الفلسطينية، و لا يرون استقبال تونس للجامعة العربية بعد معرّة كامب دافيد. لكنّهم يعنونون الأشياء خلف الخلاف البورقيبي اليوسفي على الزعامة أيضا، و الذي لعب فيه بن يوسف على وتر العروبة ليكسب الدعم المصريّ الجزائريّ.. لم يكن بورقيبة بطلا قوميّا طبعا، لكنّه لم يتنصل قطّ من روحه العربية، و لم يدعُ تونس للهروب من حقيقتها العربية. لكنّها السياسة، السياسة التي يحسنها بورقيبة بأكثر مما يعقلون.

أجل نحن أمازيغ يا سادة، و نحن عرب أيضا، و كنعانيون، و ربما رومان، و ربما جرمان، و سلاجقة، و شركسيون، و أشياء أخرى كثيرة.. لكنّ الهوية في تعقيدها و كثرة وجوهها (و هو ما يخلق زينتها و ثراءها و تفرّدها أيضا) تملك وجوها أوضح من غيرها، و عيونا أكثر انفتاحا من غيرها يمكن للمرء أن يوجه لها الكلام. و أن يفسخ المرء وجها من وجوهه، أو أن يقرّر أن ينظر للأشياء بقفاه، فلن يقرّبه ذلك من القرن الحادي و العشرين مقدار أنملة.
إنّ من يريد التنكر لوجهه العربيّ بتعلّة إنه سبب تخلّفه الحضاريّ و التقنيّ، سيظلّ يلقي بالقمامة في الشارع حتى لو أصبح يتحدث باليابانيّة أو السويديّة. و ما الهوية العربية إن لم تكن هذه الملايين التي تتحدث العربية و تريد التخلص منها. هل تُـراها حينما تتخلص من لغتها و من أمثالها و من تاريخها و من متنبّيها و نزارها و شابّيها و درويشها ستصبح أقل رشوة و أقل جهلا و أكثر طهرا و تطهّرا؟ و ماذا لو فكّر هؤلاء القوم بصيغة مقلوبة مثلا؟ أن يقدّموا مثالا للعربي المعاصر المتحضّر، ألن يصبح "العرب" حينئذ كذلك؟


أجل نحن أمازيغ يا سادة، لكنّنا نحاول أن نكون أقل حمقا و أكثر مسؤولية لا أكثر.


محرقة عطور في شكل رأس للإله بعل ـ حمون
و هو مزج للاله الفينيقي بعل، و الاله البربري حمون أو آمون.
(المتحف الوطني بقرطاج)



Saturday, March 15, 2014

الشـيءُ و القــمرةُ

تململ القلم بين أناملي، و خطّ في امتعاض تلك المفردة الغريبة. لماذا تنظر إليّ هكذا؟ اكتب و لا تتدخل في ما لا يعنيك. لكنّ القلم كان من أهل التجارب فعلا. تتالت الرسائل و التعليقات، متسائلة عن معنى مفردة "قمرة" التي استعملتها. من أين أتيتَ بها و ماذا تريد بها أن تقول؟ أسرع القلم بتغييرها و هو يلهج بالأسف. معذرة يا سادة على هذا الخطإ التقنيّ. كان صاحبي يريد بالقول : كاميرا. لكنّ لسانه ينزلق عن العربية أحيانا.

يقول كهل تجاوز الأستاذية بكتاب أو ندوتين، أن ما في ذلك بأس، الشباب يخطئون، و المهم ما يمكن أن يقدّموه لاحقا. هذا شاب يكتب أشياء لا بأس بها. فلنشجّعه (أي فلنقبل رداءته).
أما أنا فقلتُ للقمرة إنني آسف، ربما لا مكان لكِ في العشرين. فهذا عصر اaلكاميرا. أما أنتِ فلكِ أن تعودي من حيث جئت، من القرن العاشر. قولي لابن الهيثم أنّنا أخذنا علم المناظر الذي وضعه للعالم، لكنّ تسمياته الركيكة لم تعد تناسبنا. ما الذي دعاه أن يسميَ غرفة العين المظلمة قمرة؟ ألأنها تشبه ظلمة القمر الذي ينير ليلنا مثلا؟ هذه أشياء شاعرية سخيفة، لا تناسب روحا علمية صارمة. انظر إلى الإخوة اللاتينيّين كيف أسموها من بعدك : كَامارا! ألا ترى كم الإسم مبتكر؟ ألا ترى كم هو لا يشبه ما أتيتَ به أنت؟ لذلك سنستخدم بعدك بقرون مفردة كاميرا للدلالة على جهاز التقاط الصور و سنضحك ساخرين من "قمرة".. إنها تبدو تعريبا ركيكا للكلمة اللاتينية الرقيقة : كاميرا!

حينما قال بن خَلدون تلك العبارة الشهيرة "المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه و نحلته و سائر أحواله و عوائده." لم تقف عبقريته عند هذا الرؤية التحليلية ذات النظرة البعيدة، بل إن المثال الذي ساقه كان بمثابة نذير لما ستؤول إليه الأحوال فيما بعد "كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم و شاراتهم و الكثير من عوائدهم و أحوالهم حتى في رسم التماثيل في الجدان و المصانع و البيوت حتى لقد يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء و الأمر لله."
فمثال الأندلس الحيّ الماثل أمام عينيه، كان نموذجا دقيقا لما يمكن أن يحصل في بقية المجتمعات العربية و مجتمعات شمال افريقيا خصوصا. و قد سبق بن خلدون سقوط غرناطة بأكثر من مائة سنة، لكنه كان يعلم أن "الاستيلاء" قد حصل بالفعل. و لئن ذابت الأندلس كأنما لم تكن، فلن أستغربَ أن تذوب تونس أيضا و ربما تحلّ محلّها "تينيزي"، فالاستيلاء حاصل بالفعل، و الناس لا ترى الا بأعين أسيادها، و لكن هذا ليس موضوعنا. ما يثيرني هو تلك الحجج الواهية التي يفتشون عنها و ينسجونها حتى يقنعوا بها أنفسهم و يناموا قريري الأعين بما صنعت أيديهم.

في كل مرة تحاول الدولة أن تتقدم خطوة في طريق التعريب، إلا و تواجه حملة شعواء سرعانما يتبناها العامّة، أولئك الذين يرفضون كلّ جديد من مبدإ أن ما اعتادوه هو الأفضل (إلا أن يكون قادما من الغالب كما تفرض قاعدة بن خَلدون). رفضوا تعريب التعليم الابتدائي بداية، ثم رفضوا فكرة التعليم الأساسي الذي مدّد استعمال العربية في العلوم إلى حدود السنة الثالثة من التعليم الثانوي (سابقا) أو السنة التاسعة بالنظام الجديد. و كانت حجّتهم في ذلك أن اللغة العربية غير قادرة على استيعاب العلوم، كما أنّ تغيير لغة التدريس قد يؤدّي إلى .. لا أعرف، من الواضح أنه يؤدّي إلى أمر خطير لا أفهمه.. و أذكر طبعا أيام السخرية من تدريس الرياضيات بالعربية في القناة الليبية. (و فد فاتهم أن علماء الفيزياء العراقيين الذين دأبت إسرائيل على اغتيالهم درسوا الرياضيات باللغة العربية..) ..
طبعا تجربة التعريب في تونس يمكن مناقشتها، و مناقشة مسائل عديدة فيها و خصوصا اختيار المصطلحات، كما أن تعريب العلوم في الدول العربية يشتكي خصوصا من غياب الجدّية في توحيد المفردات و تركيز استراتيجيا كاملة للتعريب.) لكن حينما نتحدث عن التعليم الثانويّ، فنحن نتحدث عن مسائل أساسية في العلوم ظهرت منذ أكثر من 3 قرون في أفضل الأحوال..
قال لي أحدهم بنبرة حداثية ساخرة " اي كومون تي فا اغابيزي لا تغيكونوميتغي؟" يعني و كيف ستعرّب علم المثلثات؟ طبعا ذلك على أساس أن علم المثلثات لم يكن علما معروفا عند العرب أصلا أخذه الإيطاليون عنــّا. أتخيل هنا، لو أن التلميذ عرف أن الـ Tangente نسمّيها الظلّ لأنها قسمة الضلع المقابل على الضلع المجاور و هما يبدوان كعمود و ظلّه، هل كان سيحتاج إلى أيام و أشهر لحفظ ذلك و استيعابه؟ و ماذا لو عرف التلميذ أن لفظة Sinus الغريبة التي حفظها هكذا، إن هي إلا الترجمة اللاتينيّة للعبارة العربية "جيب"، ألم يكن ذلك ليسهل الأمور و لو قليلا؟ ألم يكن ليضفيَ معنى لما يدرسه التلميذ؟

إن المسألة لا تتعلق بمعضلة الترجمة، أو بتخلّف العربية عن سباق الحضارة (و المسألة مطروحة بالفعل)، و إنما بتلك النفسية المنهزمة المغلوبة، بتلك الروح الصغيرة التي تصرّ أن تكون "سانشو" التابع، لا "دون كيشوت" صانع البطولة. إنها تلك الروح التي ترى في كاميرا لفظة أكثر أصالة من اللفظ الأصلي، لأنّ أصابع الإله الغربيّ امتدّت لها. تتصفّح رواية سمرقند للكاتب الفرنسي أمين معلوف فتطالعك قصّة "الشيء"، اللفظة التي كان عمر الخيام يستعملها للدلالة على القيمة المجهولة في معادلاته المعقدة، و التي كتبها الاسبان كما هي فيما بعد "Xay" لتتحول عند علماء الرياضيات فيما بعد إلى حرف X الشهير.. تبتسم في تأثر و تقول "ذيس از كيوت" أو هذا لطيف، لكنّك ستضحك كالمجنون لو رأيت حرف الشين في المعادلات الرياضية، أو قال أحدهم "شيء" عوض "ايكس".. ربما لو لم تقرأ ذلك بالفرنسية (سمرقند) لكنت قد ضحكت في جنون منذ سمعت بالفكرة أصلا. ذلك أن روحك الخانعة تكره أن تكون أنت. أنت شخص مهزوم، لذلك يجب أن تمّحي، يجب أن يحلّ محلّك "ظلّ التمام".. صورة معكوسة مثلا للأصل. يجب أن تظل مرآة للفرسان الحقيقيين، يرون فيها وجوههم.. ستقول إن بطولات دون كيشوت زائفة لم توجد إلا في مخيّلته.. ربما كانت الحضارة أيضا بطولات زائفة.. لكنّ اسم دون كيشوت بقي، بينما لا يُذكر عن سانشو إلا أنه كان تابعا..

قال لي الأستاذ، ما جعلك تستعمل اسماء أشهر شرقية، و لنا أسماء أشهر عريقة في تاريخنا، إلا حذلقة ما كان لها من داع. ما جعلني أفعل ذلك يا أستاذ، هو لسان العرب. و اعذر جهلي بما تعلمه، و لكنّ لسان العرب لا يعرف شهر أكتوبر هذا، و إنما يعرف شهر تِشرين، و حتى الشعراء يا سيّدي تمادوا في جهلهم، فإذا بنُ زيدون يقول
 

كيفَ اصطِباري وَفي كانونَ فارَقَنِي ـــــ قَلْبِي، وهَا نحن في أعقابِ تشرِينِ؟
 
و هو أكثر "غربا" منّــا، و أبعد عن الشرق منا! أما الشرق يا سيدي الكريم، فلعلــه أكثر "علما" من سيادتكم، فدول الخليج تقول "فبراير" عن شباط، و تقول "أبريل" كما نقول نحن "أفريل".. الفرق البسيط بيننا، انهم "سانشو" البريطانيين الذين يقولون Februar و April و نحن "سانشو" الفرنجة أو الفرنسيين الذين يقولون Février و Avril.. و حتى أجدادنا الذين عرفوا الرومان و عاشوا تحت سلطتهم، كانت أسماء الأشهر عندهم أقرب إلى العربية من أسماء الأشهر عندنا.. و لكن لا بأس، فأنت يا أستاذ تعلم ما لا نعلم.

تهمة الانغلاق جاهزة و معروفة، يمكن أن تردّ عليها قائمة قراءاتي يمين هذا المقال، لكن لا بأس من التأكيد على شغفي بتاريخ فرنسا و بكتب بريطانيا.. أنا فقط أكره التكرار لا غير.. 


Iori Yagami
15 آذار 2014

Sunday, February 16, 2014

سرقة موصوفة


لا يتّسع المكان و لا يضيق، و لكنّها سلطة الموقف... في حالتي هذه، تقف السلطة من حولي ببدلاتها السوداء الأنيقة وقفة تحجب عني تفاصيل المكان. الصبح لا يزال يفرك عينيه في تثاقل من وراء الأفق، أما أنا فلم أجد وقتا كافيا لأفرك عينيّ. الحصيّات الدقيقة اليابسة الملتصقة بمقلتيّ تجعل المشهد خشبيّا ضبابيّا و أكثر رهبة، يشهد بذلك تواتر صفير الربو من صدري العاري تقريبا.
لم أستطع أن أميّز عددهم بالضبط، و لا أعرف هويّاتهم، في الواقع، لم أجرؤ أن أسألهم ذلك. ملامحهم توحي بأن عليّ أن أطيع لا أن أسأل. كان أحدهم يملأ المكان جيئة و ذهابا و دخانا، و هي ممارسات لا تروق لي و لا لصدري، و أحيانا تصيبني بالاغماء، لكنني كنت شبه فاقد للوعي بالفعل، فأنا لا أفيق بهذه الطريقة في العادة، ثم إن السادة يبدون أخطر من هذه التفاصيل السخيفة، سلطة الموقف تحتّم أن أتغاضى عن السخف قليلا. كان كلّ شيء يوحي بدقة الموقف، لكنني لا أفهم شيئا منه..

فجأة توقف الرجل و قال :"أنت في ورطة."
لم أجد جديدا في ما يقول، و لكنني لا أحب الاستهانة بكلام رجال يلبسون بدلات سوداء و يخرجونني من غرفة نومي قبل أن تخرج الشمس إلى العالم، لذلك أبرزتُ علامات الفزع التي كانت هناك بالفعل، لعلّه يلحظها و يقدم لي تفاصيل أكثر. لكنّه اقترب من وجهي ليقول لي بلهجة مهددة : "سنسألك بعض الأسئلة، و عليك أن تجيب عليها جميعها، النسيان و عدم المعرفة اجابات غير مقبولة هنا، هل تفهم؟ انت في ورطة!"
و هل كنت لأخفيَ شيئا عن سادة كهؤلاء؟ هاتوا أسئلتكم. سأل أحدهم "اسمك" و آخر "اسم أمك." و طلب ثالث :"كم حجم حذائك؟" أما الرجل المكتنز العصبيّ، فسأل في اقتضاب :"حجم تبانك الداخليّ". أنا شخص سريع النسيان لكنني اجتهدتُ فعلا كي أجيب عنها جميعها. لم يبد أن إحدى الأسئلة يوحي بالورطة التي أنا فيها، لكن لا حيلة لي.

"بم حلمتَ الليلة؟"
هذا سؤال تصعب الإجابة عليه، علميّا يحلم الانسان طوال فترة نومه، و لكنه لا يذكر منها الكثير. هل قال إن النسيان إجابة غير مقبولة؟
"الحلم الذي أذكره جيّدا كان يخصّ لقاء في مقهى، مع خطيبتي السابقة."
"حاول أن تذكر كيف كان المقهى. لون المقاعد مثلا، شكل الفناجين، هل جلستما داخل المحل أم خارجه؟"
"كنا خارج المحل، و كانت المقاعد غير مريحة، خشبية بيضاء، أما الفناجين فكتبَ عليها Lavazza لكن لا أعتقد أن القهوة المقدمة كانت كذلك."
أحسستُ بلمعان عينيه من خلف النظارتين السوداوين، و اقترب بوجهه مني و هو يسأل :"المقهى، ما كان اسم المقهى؟"
كان السؤال صعبا و كان عليّ أن أذكر. ماذا كان اسم المقهى؟ كان مكتوبا على لائحة المشروبات الملقيّة على الطاولة. هل كان Starbugs ؟
"انت تقصد Starbucks أليس كذلك؟"
"اجل ربما."
"أجل، أم ربما؟"
"أجل."
"جيد. و ماذا كنت تفعل مع خطيبتك السابقة؟ أعني هل كنتما لا تزالان مخطوبين إلى بعضكما البعض في الحلم؟"
"كان لقاء فسخ الخطوبة. لم يكن شبيها بما حدث في الواقع طبعا، لكن حلمتُ بمشهد أكثر هدوءا و رقيّا مما حصل بالفعل. قلتُ لها إنني لا أزال أحبها، و حاولتُ أن ألقيَ عليها شيئا من شعر محمود درويش، لكنّها طلبت مني أن أخرس، و نزعت الخاتم الماسيّ الذي كانت تلبسه و رمته في فنجان قهوتي. كان حلما لا بأس به، الأحلام تجعل كل شيء جميلا. كانت خطيبتي تلبس فتسانا جميلا، و عقدا لا أملك ثمن النظر إليه من وراء الواجهة الزجاجيّة. ربما لذلك طلبت مني انهاء الخطوبة في الحلم. أما في الواقع، فأعتقد أن السبب أنها تحبّ شخصا آخر. ربما كان شخصا يملك ثمن ذلك العقد، لكن الحلم لم يدمج هذا التفصيل، و هو ما يجعله أجمل من الواقع. حينما تخبرك حبيبتك إنك لا تملك ثمنها، فلن تجد حجة واحدة مقنعة، فقط تركتُها تنهض و استرقتُ نظرة أخيرة إلى خصرها الشيطانيّ، و احتفظتُ بصمتي و خيبتي. و حينما غابت رائحة عطرها عن المكان، رنّ هاتفي، كانت أمي تهاتفني لتخبرني إنها وجدت محلا جيدا لكراء لوازم الأفراح."
"و ماذا كان نوع الهاتف؟"
"اوو.. أعتقد أنه كان نوعا أمريكيا. أيفون شيء ما."

ابتسم الرجل في رضا عن إجابتي، و استدار إلى زميل له ما انفكّ يكتب على آلة ما، و كأنه يتأكد أنه لم يفوّت شيئا ممّا ذكرت. ثم إنه عاد يتطلّع إليه بهدوئه المهيب، و قال أخيرا :"أنت متّهم بالسرقة."
أنا لا أذكر أنني سرقتُ شيئا، مظاهر الحياة في غرفتي تؤكد كذلك أيضا، لكنّ هؤلاء الرجال يعلمون ما لا أعلم. سألتهم في فضول حقيقيّ :"هل لي أن أعرف ماذا سرقتُ؟"
تطلّع بعضهم إلى بعض في قلق، هل هذا الرجل مجنون؟ لستُ مجنونا و لكنّني ـ أعذروني ـ فضوليّ بعض الشيء.
"آسف، أردتُ فقط أن أعرف، لم أقصد أن.."
"الحلم الذي وصفته، نسخة طبق الأصل عن مشهد سينمائي شهير، أنت خرقت قانون الملكية الفكرية، و استعملت مشهدا من إبداع غيرك استعمالا شخصيا من دون إذن صاحبه. هذا يعرّضك لعقوبة بغرامة مالية، و ربما قد تصل الأمور إلى السجن. أنت في ورطة."
"أنت تعني أن ما حلمتُ به، لا أملكه؟ أعني، لقد كنتُ أنا في الحلم، و لم يكن ذلك الممثل الوسيم. أنا لستُ بوسامته حتى أخلط بيننا، و إلا لما تركتني خطيبتي." 
"هل شاهدتَ نفسك في الحلم؟"
"كلا طبعا فأنا أنظر بعينيّ، أعني تقنيا لا يمكنني.."

"و هل أنت واثق من أن تلك الجالسة أمامك كانت خطيبتك؟ هل تذكر جيدا صورتها؟"
"ليس تماما، و لكنني أعرف أنها خطيبتي."
"هذه من ألاعيب العقل، لم تكن خطيبتك، ذهنك يخدعك. نحن نعرف."

هو يعرف طبعا، هو يعرف كل شيء، و الواضح أن معرفته بتفاصيل الحلم أعظم من معرفتي، ربما كانت التفاصيل مسجلة عندهم بإذن قضائيّ طبعا. الخصر الشيطانيّ إذا لم يكن خصرها. هذا يفسّر أشياء كثيرة..
"أنت ذكرتَ بالفعل تفاصيل المشهد تماما كما في الفيلم القصير، المقهى، المقاعد، المرأة، لباسها أيضا كان كما وصفت، و حقوق الملكية مسجّلة و محفوظة باسم الشركة الراعية، و هي كما تلاحظ لا تريد أن تتسامح كثيرا بشأن حقوقها. في الواقع لقد تسامحت كثيرا و تريد أن تضع حدّا للتجاوزات. الناس لا تفهم كثيرا أي مجهود يلقاه الفنانون اليوم كي يبتدعوا شيئا جديدا، كل شيء ابتدع بالفعل، و النقد لا ينفكّ يضيّق فضاء الابداع. بعضهم اعتبر أن كل القصص هي في الأصل قصة واحدة تتكرّر بقوالب مختلفة. صورة تجعل من القصص شيئا مملا. بعضهم حدد عناصر القصة بالفعل، إن خرجتَ عنها فلا يلتفتُ إليك أحد. رياضيا يوجد عدد من محدود من الاحتمالات تحصل عليه من خلط هذه العناصر و مزجها و تركيبها. و مع العدد الضخم من المبدعين اليوم، بات الفنّ عملية شاقة جدا، شركات الانتاج تخاطر بأموالها كي تقدم لك أشياء جديدة، و أقل ما يفعله المرء أن يحترمها."

"و لكنني اشتريتُ ثمن التذكرة بالفعل حينما شاهدتُ الفيلم."

"التذكرة تضمن حق المشاهدة، لا حق استغلال ما شاهدته. إنك تتميّز باستهتار غير مسبوق. اُنظر إلى عدد الاسماء التجارية التي استخدمتها، من سيدفع لها حقوق استخدامها؟ الشركة الراعية تفعل ذلك بالفعل. ألم تفكر بكل ذلك و أنت تحلم؟ ألم تفكر بكل ذلك و أنت تحاول استحضار صورة حبيبتك التي تركتك؟"
"أنا بالفعل لم أفكر في ذلك. معذرة، و لكنني لم أكن أقصد. لقد باغتني الحلم و .."
"هذا ما يقوله المذنبون في كل مرة. لم تكن تقصد. يتملّص الإنسان من مسؤولياته ملقيا بها إلى جانبه المظلم، يمارس كل رغباته الشيطانية خلف قناع واع و هادئ و أليف. لم تكن تقصد؟ من أدراك أنك لم تكن تقصد؟ أنت أحببت المشهد بالفعل، شيء ما في جسدك تفاعل مع المشهد هناك في قاعة العرض، و اختزنه في ذهنك، شيء ما رغب في استعادته على هذا النحو، فقط كونك جبانا ما جعل تلك الرغبة دفينة، تنصلك من المسؤولية ما جعلك "لا تقصد". إن الشعور بالعفوية ضرب من الفشل، أنت شخص فاشل، غير قادر حتى على صنع حلم مبتكر، تسرق أحلامك من صنائع الكادحين."

لكنّ ذلك لم يكن ما أفكر فيه حقا. كما ذكرتُ، أنا شخص فضوليّ، و كان السؤال الذي يجول في ذهني..
"ما شاهدتُه إذا ليس لي، ربما لا أمتلك أحلاما، و غير قادر على الحلم. هل سيتغيّر هذا الشعور إذا ما اشتريتُ لي حلما؟ هل سأشعر أنه منّي فقط لأنني دفعتُ ثمنه؟"
"من الجميل أن يعتقد الإنسان أنه يمتلك أحلامه، لكنّ الحقيقة أنه هِـبَـتُها. أنت لا تعيش خارج غرفتك و لكنّك حينما تدخل إليها، تجرّ وراءك أحلام مجتمع بأكمله، أفكاره، مخاوفه، ما يحبّ و ما يكره. يخرج الإنسان إلى مجتمع غارق في الأحلام بالفعل، بعضهم تعلق به أحلام أكثر ندرة من غيره، أو أكثر جنونا، بعضهم يحترم ما علق به، و بعضهم لا يحسن الانصات إلى نفسه. أنت مثلا. هل تذكر ما راودك من أحلام هذه الليلة عدا هذا المشهد؟ لا داعي للإجابة، فكلانا يعرفها. أنت اخترت النظر إلى الوراء، اجترار ماضيك و تزيين خيباتك ببعض الماس و الملابس الرقيقة. لكنّك حتى في هذه كنت فاشلا. المجتمع يقدم لك أحلاما مجانية، لكنّك تفضل المشاهد الجاهزة، عموما، هي متوفّرة قانونيا، و يمكن شراؤها كما يمكنني أن أؤكد لك، أنها من الاتقان بمكان فلا تشعرَ إلا أنها نابعة من أعماقك. حتى لو كنتَ تعرف عكس ذلك، فغريزتك المنهزمة ستتكفّل بتزييف الحقيقة."
"و ماذا لو أنني اشتريتُ الحقوق و لم أحلم؟"
"هناك خبراء يمكنهم التحقق إن كان السبب تقصيرا منهم، أم من خلل في جسدك. و اسمح لي أن أخبرك انك كشخص فاشل، معرض بشدة إلى هذا الاحتمال. عموما هناك شركات تقدم عروضا غير مكلفة و تضمن لك أحلاما لا باس بها. أحلاما مستعملة مثلا، أو أحلاما من الصنف الثاني."

"أن أشتريَ حلما. ربما كنتُ بحاجة إلى حلم ما حقا... هل يمكنني أن أشتريَ حلما مشخصنا؟ اعني، أختار تفاصيله كما أريد. كما ترى، لستُ خلاقا و لا مبدعا و لكنني كلاسيكيّ."
"هذا ممكن و لكنه مكلف بعض الشيء، ثم إنه يجب أن يمر عبر مكتبنا. نحن نكفل حرية أن تحلم، لكن كما تعلم، بعض الأحلام قد تهدد الأمن القومي. المتهورون كثر، و هم ينصتون كثيرا لأحلام ليست لهم، و أحيانا يسيؤون فهم ما يرون. نحن هنا لنرشد التائهين، أو من يعانون من سوء الفهم المفرط. يمكننا أن نقدم نصائحا لكنّنا لا نحب أن نبدوَ كمن يفرض شيئا ما على المواطنين. سنتركك تختار ما تشاء، ثم نتدخل عند الضرورة."
 أومأتُ برأسي في تفهّم، من الواضح أنّ أمثالي يسببون مشاكل ضخمة لهؤلاء السادة المحترمين. شعرتُ بخجل شديد، و الأسوأ أنني لا أملك المال الكافي للاستجابة إلى دعوته. خمّنتُ أن الحياة أهون من الحلم، كلاهما يبدو زائفا، لكن الحياة أقل إثارة و انفعالات. ربما لذلك هي أرخص ثمنا.. قلتُ لمخاطبي المحترم إنني أفضل أن أتناول عشائي باكرا و أتأكد من دفء جسمي حينما أنام.
"خيار فيه شيء من المخاطرة. إن أي خطإ سيجعلنا نعود. لا نحب أن نقصّر في عملنا، فالمجتمع في حاجة إلينا."
"و الشركات الراعية أيضا."
"هي جزء من المجتمع، كما ترى، هي خير من يسهر على ابتداع أحلام جديدة للمجتمع. من الجحود انكار هذه الحقيقة. و من الجحود أيضا أن نشجعك أن لا تحلم. لكن إن كنت عاجزا، و لن أستغرب ذلك، فهناك حبوب تضمن لك أن لا تحلم. ثمنها غير مرتفع. المهمّ الآن، كيف تريد أن تدفع الغرامة المالية؟ عبر أقساط أم دفعة واحدة؟


الناشر حاصل على حقوق نشر هذه الصورة طبعا


 فاروق الفرشيشي
16/02/2014
حقوق النشر و التأليف غير محفوظة

انشر و لك الأجر :D

Translate