Sunday, November 2, 2014

بنت الباردي

لم يطرف لها جفنٌ طوال الليلِ، و هاهي أنفاسُ الفجرِ الجديدِ تتسرّب في هدوءٍ من الشرفة المطلّةِ على الحديقة الواسعةِ. تأملت تفاصيل هيئتها التي سوف تواجهُ بها العالم بعد قليل، و تناوبتها مشاعر شتى من السخط و الرضا و التوتّر و الحماسِ، مثلما تناوبتها تناقضات كثيرة أخرى طوال الليلة المحتضرة، فأقضت مضجعها و جعلتها تفارق فراشها أبكر من ساعتها المعتادة.
هذه الملامحُ هي نفسها، كما اعتادت أن تراها كل يوم، عينان ضيّقتان في طرفيهما، واسعتان عند المقلتين، كأنهما ضابطا استجواب، و الفم الصغير العابس يكمل مشهدا يصف في مهارة و دقة جينيّة عجيبة صرامة أبيها و سطوته على الخلق. ينادونها "بنت الباردي" لا تذكيرا بما يجمعها بأبيها من قرابة بقدر ماهو تذكير بما ترثه عنه من سلطة و نفوذ. تأملت سروالها الفضفاض ذي الحمائل (Salopette أو Overall) و فكرت أن تفكّ إحدى الحمّالتين منذ الآن. تحتها ظهر جزء من صورة مريبة اختفى أغلبها تحت لباس الدجينز، و هو مشهد كفيل بإحداث فوضى لا بأس بها لها اليوم. يسعدها دائما أن تفتعل جنون القوم و سخطهم الصامت العاجز عليها، يسعدها أن تستغل قوة اسمها لتمارس مرحها على نفوس الخلق الذين كانوا سيسخطون عليها حتى لو لم ترسم جرأتها على جسدها المكتنز.

انتبهت إلى أنّها تعتصر ما بين يديها في عصبية، فأخذت نفسا عميقا و غادرت موضعها من أمام المرآة الفضية إلى الشرفة المطلّة على الحديقة. لم يعد يمكنها أن تخفي توتّرها، أسوأ لحظات الترقب آخرها. ساعة على الأكثر و تعرف الحقيقة، ساعة و يتسرّب الاعتراف الذي تنشده من بين عينيه غصبا عنه. ساعة على الأكثر، و تظفر بالمعركة الأخيرة. اِرتعش قلبها للمشهد المرتقب، و أصاخت بسمعها لنغمات السنونو المترنّم من خلف أكمة الأغصان الناعسة. لعلـّه أيضا يعاني من الأرق مثلها، لعلّه أيضا يفكّر بشكله الذي سيظهر به أمامها..
ـ سارة، لا تقلقي، سنعتني به جيّدا.
ـ هذا ما يقلقني في الواقع.
ـ سارة؟! ما الذي تريدين منه؟
ـ لا شيء.. لن تفهم..
لا أحد سيفهم، لكن ما كان عليها أن تُبدي قلقا أمام "البوعزيزي" و هي توصيه به. لا تريد له أن يفهم، لا تريد له أن يعرف تفاصيل ما يدور في ذهنها. هي نفسها لا تعرف ما يدور في ذهنها. ماذا تريد منه؟ ماذا تبحث فيه؟ عساها تعرف حينما تحين لحظة المواجهة الأخيرة..


و متى كانت المواجهة الأولى؟ عادت بذاكرتها إلى لحظة الولادة، إلى التجلي الأول. كان الجميع يرتقب ظهورها، و لم تكن هي ترتقب ظهور أحد. أكان للعبة المفاجأة دور في تحديد قواعد العلاقة فيما بعد؟ أكانت الأدوار ستنقلب لو فاجأته مثلما فعل؟ بل إنه لم يفعل شيئا، و كذلك كان البدءُ. وسط القوم المهلّل بحلول بدرها عليهم، كان هناك شاردا، محدّقا في كنه غامض لا يدركه من حوله، ينظر إلى شيء ما لا يراه الآخرون. لم تعرف كيف تستقبل رفاقها و الفضول يملأ ذهنها بشأنه، خافت أن تكلـّمه، كأنه من كوكب آخر لن يفهم قولها، خافت أن تشير إليه كأنه مرسوم فقط في خيالها. شارع الأقواس بيتها الآخر. بألوانه الباهتة، و أقواسِه التي تغمر بظلالها عناق العشاق و تعبيراتهم الآملة بغد مختلفٍ. تعرف أغلب روّاده، و رسوماته الحائطية، و قصص الحب المحفورة في أعمدته و كلّ من ترك علامة 2PAC كبيرة في إحدى زواياه. تعرف أغلب أعلامه، فهي واحدة منهم. و لعلّ حلقتها وسط مريديها من أشهر حلقات الشارع الأزليّ. كلّ ما في الفتى، ينبئ أنه لا ينتمي إلى هذا الشارع، لكنّه هنا، أمامها، كأنّ هناك من جاء به إليها، كأنه لفتة من السماء. اِنتبهت إلى أنّ أحدهم يحدّثها، عادت إلى الوجوه التي تألفها، و إلى معابثة هذا، و النيل من ذاك، تحدّد لحظة الضحك و لحظة الجدّ، تقرّر النكتة الظريفة و النكتة السمجة، لكنّ طرفي عينيها لم يبرحا موضع الفتى الغائب بحضوره. أحيانا يشارك بابتسامة لا معنى لها، فتزداد فضولا و شوقا.. لماذا لا يرانا؟ لماذا لا يهتم لقولنا؟ ما ذاك الذي يشغله؟ و هل يعلم أنه بين يدي بنت الباردي؟ يحنقها أن يتجاهلها أمثاله، تكره أن تعامَل كما الآخرين، إنّها ليست كالآخرين! حاولت أن تطعنه بعجرفتها المألوفة، حاولت أن تجعل منه موضوع الجلسة و طرفتها، و ما أكثر ما فعلت ذلك، لكنها لم تقو إلا أن تديرَ إليها الرقاب بملاحظة ساخرة فيها ما فيها من التردّد و التخاذل :
ـ و هذا ما باله يعتزلنا؟ أفيكم من ضربه؟
و قبل أن يضحك القوم، أجابها الفتى مبتسما كأنه كان ينتظر سؤالها
ـ أنا بخير، شكرا لاهتمامك.
تركت إجابته أثرا عنيفا في داخلها. لملمت ركام مشاعرها و هي تحاول أن تفهم ما لا تفهم. كيف فضح دواخلها بكلمات قليلة بسيطة متقطعة؟ كيف تجاوز كل جدران العدوانية و الرهبة ليغوص عميقا في ثنايا قلبها؟ سوف تسخر من قوله الحالم، سوف تفسّر لهذا المغفل كيف أن سارة لا تهتمّ لأحد، سوف تعلّمه نواميس شارع الأقواس التي لا يعلم، فقط لو تحلَّ عقدة من لسانها.. اِكتفت بالابتسام، بينما تكفّل أحدهم بإجابته فلم يردّ، أما هي، فقد عادت إلى نوازعها علّها تفهم ماذا يحدث لها، أجابها الزمن أنّها عبثا تحاول، فلبعض المشاعر مذاقات لا تُدرَك ..

تركت بيضتين تتراقصان وسط ماء مغلـّى، و راحت تعدّ صحفتها من رقائق الـ"Grain d'or"، يقولون إنه غنيّ بستة فيتامينات و بالحديد، لكنّها لا تحتاج إلى هذا كلّه، تتناوله على سبيل العادة، و على سبيل استهلاك الوقت بانتظار اللحظة الموعودة. ماذا عنه؟ ماذا تراه يأكل؟ لم يرَ حتما هذه الرقائق إلا على شاشة التلفاز. ربما يأكل بعض الخبز و حليبا يشتريه والده من لبّان يسكت الجميع عن غشه مضضا. ربما يجد عسرا في ابتلاع الطعام، و ربما يذكرها كلّما ضاق حلقه بإحدى اللـّـقم، أو لعلّه يذكر ما دار بينهما عند دكان العم يوسف.

تحبّ دكّان العمّ يوسف كثيرا، و تحبّ شطائره البسيطة المليئة بسُجُق الديك الرومي و الجبن، و تحبّ الوقوف عنده مع رفاق السوء الذين تنتمي إليهم. إنها تعرف ما يتهامس الناس به، عن غطرستها و ميلها إلى تذكير الجميع بمقامها، لكنّها تستمتع بذلك، طالما أنها لا تشعر بوجوده في عيون رفاقها. حينما رأته هناك، انتابها فزع مباغتٌ. دقّ قلبها في وجل لم تعرفه حتى مع ناظر المعهد. تذكّرت أنها فقدت سيادتها عند ضفاف هذا الفتى الغريب منذ أيام. تحوّل وجلها إلى غضب و تصميم أن تنتقم لصورتها، أن تعيد الهيبة إلى "بنت الباردي" و لو إرضاء لنفسها. كان كعادته هادئا، سابحا بعينيه في نقطة من الفضاء تذهب به خارج الزمان.. عاودها فضولها بشأنه، و خفق قلبها و هي تفكّر أن تسأله مرّة أخرى عن حاله، لكنّها نفضت عنها حماقاتها في عنف و هي تقول له بصرامة افتقدتها "إسمع، خذ لي واحدة "كولا"، لا تبطئ!"
استدار إليها مندهشا، سدّد إليها نظراته المُربـكة، ماذا يفعل بي؟ وجدت نفسها تصرخُ في حدّة "شبيك! مالك تنظر إليّ هكذا؟!"
اِنتبه الرفاق إلى ما يحدث، عرفوا أن الفتاة تمارس عدوانيّتها من جديد، فاندفع أحدهم يحاول احتواء الموقف.
"لا عليك، سآتيك بواحدة."
"أردتُ مساعدته لا غير، قلت لعلّه يحتاج إلى المال ليشـ.."
فاجأها ارتطام معدنيّ عند قدميها، استدارت لتجد العلبة الحمراء هناك، بينما غادر الفتى الجمع في هدوء مستفزّ. ناداه أحدهم محاولا تأنيبه، لكنّ حدّة نظرات الغريب و جسده المتين جعلاه يتراجع.. هذا الفتى لا يتكلم حتى و هو غاضب. لماذا لا يقول شيئا؟ لماذا لا يشتمها، ربما ستشعر برهبة أقل، ربما سيغادرها هذا الشعور الممضّ بالنقصان كلّما تذكّرته. ربما سيخفت هذا الذي تعاظم أكثر في قلبها.. اِزدردت لعابها بصعوبة، و رأت نفسها بحجم العلبة الحمراء الساكنة أمامها و بنفس وحدتها.. و من داخلها، تعالت حقيقة لم تملك مناصا من مواجهتها : إنها تريده هو و من العبث إنكار ذلك.

إنها تريد شيئا من الهدوء قبل المواجهة.. ألقت بالصحفة الفارغة في الحوض، و مضت إلى غرفتها باحثة عن شيء من السكينة. و أي معنى للسكينة حينما يكون المرء عاشقا؟ أضناها انشغالها بشأنه طويلا، و ألزمها أن تجد لنفسها مهربا، و أن تسترجع كلـّما سلبها إيّاه دونما استئذان، و ما أكثر ما سلب. اِستهلكت فيه كلّ فضولها تجاه العالم، سألت فيه عن عوالم لم تكن تهتمّ بها، حاولت أن تتقرّب منه خفية دون أن تلحظ هي نفسها ذلك، كان مع وجدي، حينما سألته متصنّعة سخرية مرتبكة "مازالت غاضبا؟" فاكتفى بابتسامة رقيقة تاركا نظراته تحفر عميقا في صدرها. تذكرت أن وجدي تحدّث عن ولعه بالصيد، فاندفعت تقول "عندي صنّارة لا بأس بها، صناعة ألمانية، لو شئت أن تجرّبها". اِعتذر لها لأنه يصطاد غطسا في مياه البحيرة، فابتلعت باقي الأسئلة، حتى إذا جنّ الليل غرقت فيها جميعا. تمثـّلت لها صورا و قصصا بعضها تخجل من تذكره. كيف سلبها ولعها بنفسها ؟ كيف جعلها تفكّر في رأيه المحتمل الصامت، كلما عزمت على أمر بسيط؟

نظرت إلى معالم غرفتها كأنها تراها لأول مرة، كان الجدار المقابل يعرض معلّقة ضخمة لملكة الـبوب (Pop) مادونا. هذه النظرة العابثة هي كل جميل في الحياة. تحب أن تلهوَ مثلها بمشاعر الآخرين، أن تصدمهم، أن تثير جنونهم، و أن تتسلى بعجزهم، تحب أن تبدوَ مثل مادونا غامضة، مثيرة، قريبة، لا تُنال. لم تكن تتخيّل أن يأتي اليوم الذي تنقلب فيها الأدوار..
ألقت بنفسها على سرير متدثّر بصورة فتاة مثيرة لم تهتمّ بمعرفة هويّتها، و استدارت تتأمل معلّقة فرقة BSB قبالتها. تمنّت لو أنه سادس هؤلاء الفتية المثيرين، لو أنه يتطلّع إليها كلما استلقت في فراشها، مثلما تتطلع إليه في خيالها. أي صور يعلقها في غرفته يا ترى؟ و هل تراه يملك غرفة لوحده، أم أن إخوته يشاركونه إياها؟ ربما وضع صورة "مارادونا" أو "عادل السلّيمي" أو لاعب كرة آخر من بين هؤلاء الذين تسمع الأولاد يتهافتون على أسمائهم.. ربما يضع صورة دراجة نارية يحلم بامتلاكها مثل أقرانه. حمّى الدراجات تعمّ كل أركان المدينة هذه الأيام، حتّى إنها فكرت في امتلاك واحدة.. لكنّها لا تتخيل غرفته إلا خالية، زاهدة مثله. هل كان يمكن أن تقبل بالعيش مع شخص مثله؟ و كيف تعيش في غرفة هي أشبه بقاعة للرياضة؟ إنّما الغرفُ بما تحتويه. الهاتف متربع على طاولة النوم، من ذلك النوع اللاسلكي الذي يمنحها حرية التنقل، و تلفاز Thomson الصغير الموصول بلاقط فضائي TTS يصلها بالعالم الذي لا يعرفه الآخرون. أما أجمل ما في غرفتها، فهو حتما جهاز البث الصوتي Stereo، الذي يقرأ الأقراص المدمجة. رغم امتلاكها لجهاز Walkman أصليّ، يحسدها عليه كل من يراها، فإنها تفضّل دائما استعمال مكبّرات الصوت الرهيبة المنتصبة في غرفتها. كانت تلك طريقتها لاعتزال العالم، و الانفصال عنه و لو لحين.
على جانب فراشها الأيسر، اِصطفت مجلات كثيرة ذات عناوين متشابهة، Elles، Jeune et Jolie، Stars Club ألخ.. تحب قراءة أخبار النجوم، و خفايا الكواليس، تحبّ "باريس هيلتون" كثيرا، و تجد متعة في قراءة أخبار عبثها و فضائحها، كأنّما تقرأ أخبار انتصاراتها. لا يسمع رنين النّصر إلا صاحبه و قد خبرت ذلك مرّات كثيرة.. هناك أيضا أشرطة فيديو VHS تستأجر بعضها و تنسى أن تعيدها. أصحابها أيضا ينسون أو يتناسون أن يطلبوها. بعض الأشرطة تسجيلاتها هي، و بعضها نسخ أصلية اشترتها لتعلقها بالفيلم. تحبّ أفلام جان كلود فان دام، لذلك بدأت بجمع أعماله. وعدها وجدي بصورة عملاقة لفيلم Double Impact حيث يوجد "كلودان" بدل واحد!
غرفتها المزدحمة بالكنوز الصغيرة توحي بأنها تملك كل شيء، لكنّ هاتفا خفيّا داخلها كان يهمس لها بالحقيقة المفزعة، إنها مفلسة! من دونه كانت تشعر بالإفلاس، و بأن كل ما يحيط بها لا يكسب معناه إلا حينما يذكّرها به. كيف استطاع هذا الفتى المعدوم أن يسحب منها عالمها؟ كيف استطاع من دون أن يفعل شيئا ملفتا، أن يجعلها عاجزة، بحاجة إلى الرحمة؟ كيف استحال عالمها الجميل حديقة جرداء فقط لأنها عجزت مرة على الظفر بما تريد؟
من يوم أن تهاوى كبرياؤها أمام علبة الكولا، اِنتابتها رغبات غريبة و مفزعة، كانت تجد متعة مرَضيّة في شعور الضعف الذي يعتريها، كانت تستمتع بتهاوي دفاعاتها أمام عينيه المربكتين. و في غمرة صرخاتها المحتجة الصامتة، كانت ترغب أن تجد لرأسها مكانا صغيرا بين خده و كتفه. هاج ضعفها و تمرّد فارضًا تعاليمه عليها، بحثت عن سبيل خفيّ إليه وحده، إنّ من لا يهتمّ لقوّتها، لن يستغلّ ضعفها.
ما كانت قادرة على اﻹقتراب منه كثيرا، فهي لا تحبّ أن تفسد الأمور بعبارة طائشة أو سوء تفاهم، و لا تحبّ إثارة انتباه المتطفّلين لما يجري، لا خجلا من علاقة ممكنة، بل خجلا من فشل ممكن.
وجدي! وجدي هو الحل دائما. وجدي مستودع الأسرار، و يمكنها أن تأمنه سرّها. لم تهتمّ كثيرا لدهشته، و هي تشرح في اقتضاب ما تريد. لا تسأل كثيرا يا وجدي، فقط اِفعل ما أطلبه، أريده غدا، هناك وراء "البابّاصات". ليكن الرابعة مثلا، لا تجعل أحدا يشعر بذلك. قل له فقط إنّ سارّة تريدك، بل قل : ابنة الباردي تريدك. الرابعة يا وجدي!

تقلّبت في الفراش في ضيق و قد ذهبت بها الذاكرة إلى ذلك اليوم الكئيب.. بدت و كأنها شخص آخر تماما، كانت على استعداد لتقبّل الأرض بين قدميه و كانت الفكرة تثير هلعها. بدا لها خروجها للقائها أشبه بالانتحار، لكنّها أشارت إلى السائق أن يصحبها إلى حيث "مدرسة الأخوات". أعطته مالا، و طلبت منه أن يتركها في السيارة و "يرتاح قليلا".
الثالثة و النصف..
بدأ التوتّر يسري في جسدها. إذاعة تونس الدولية تبثّ أغان ركيكة على غير عادتها.
الثالثة و خمس و أربعون دقيقة.. توقّعت أن يبكّر في القدوم.
الثالثة و خمس و خمسون دقيقة..
بدأت تنظر حولها كل عشرين ثانية، كأنها خائفة أن يتوه عن نظرها وسط الخلاء.
الرابعة..
و ماذا ستقول له؟ أفزعها أنها حقا لا تملك قولا و لا فكرة، و أن أسئلتها سخيفة جدا.
الرابعة و خمس دقائق..
سوف تسأله عن تأخره، و أنها تكره أن يتأخر عنها أحد، حتى لو كان هو. حتى و الشوق إلى صدره يحرق قلبها. كيف هو دفء صدره؟
الرابعة و سبعة عشر دقيقة..
أفاقت من على صدره الذي رسمته في خيالها. أحست بإرهاق من كان يركض. للغائب عذره، و عليها أن تنتظر قليلا.
الرابعة و النصف.. أحقا أخبره وجدي بما يجب إخباره؟
الرابعة و خمس و ثلاثون دقيقة..
أغنية الجزيرة الجميلة La Isla Bonita تنساب إلى أذنيها. ذابت مع الأغنية، ذابت معها عيناها دموعا.. تثاقل جسدها و انكمش كالكرة غائصا في المقعد الخلفيّ.. تعالى بكاؤها مترنّما مع الأغنية، طغى صراخها على صراخ رفيقتها العابثة.. لم تعرف أن في البكاء سلوى قبل تلك اللحظة.. طرقات على النافذة انتفض لها جسدها و استعاد نشاطه، رأت من وراء الضباب السائق يستشيرها في المغادرة..
الخامسة..

نظرت إلى الساعة، لا يزال هناك مساحة صغيرة من الانتظار. لم يغمض لها جفن هذه الليلة أيضا، لكنّ شوقا من نوع آخر وراء أرقها. هل هي خائفة من المواجهة؟ بل هي ألف خائفة، لكنها تعلم أنها لن تُردّ مهزومة هذه المرة.
ماذا لو جرّبت شيئا من المرح؟
ركّبت لعبة "النزال المميت" ( Mortal Kombat) على جهاز Sega الموصول بجهاز التلفاز، شغلت الآلة. منذ شهرين كانت قد اشترت تلك اللعبة الجديدة التي تعمل بالأقراص المدمجة، ماذا كان اسمها؟ SP أو شيء كهذا. لقد جُنّ العالم بمنتج سوني Sony الجديد، لكنها لا تزال تفضّل هذا الجهاز العتيق. يمنحها حماسا أكبر حين تلعب. ذلك الغبيّ، لم يعرف هذه المتع يوما. ربما جرّب بعضها في قاعات الألعاب حين يجود عليه جيبه المخروم ببعض المال. لكنّه لم يعرف متعة اللعب المنزلية أبدا..
اختارت Johnny Cage خصما لها، ذلك الفتى المغرور الذي يظنّ نفسه أفضل من الجميع. ستعلمه الشقراء الجميلة Sonia درسا في التواضع. جوني يهيم حبّا بسونيا، لكنّها في هذا النزال ستجعله يندم على ذلك. راحت تكيل له اللكمات و الركلات، و الحقد يملأ عينيها، لماذا أوصت "البوعزيزي" أن لا يبالغ؟ إنّ عليه أن يبالغ، هؤلاء المعدَمون المتغطرسون، يجب أن نبالغ حينما نشرح لهم موازين الحياة، لأنّهم لا يفهمون بيسر. اضربيه يا "سونيا"! اِضربيه عله يفهم أنه تطاول كثيرا، اضربيه حتى تعرف عيناه أنّ لهما أفقا آخر تشردان عنده، أفقا آخر أدنى إلى الأرض و أقرب مسافة.. 
"Fatality!"
تصاعدت الصرخة الرهيبة طالبة منها الإجهاز على خصمها، لكنّ جرس الهاتف أخرجها من عالم الفانتازيا الذي انغمست فيه. لقد آن الأوان إذا، و ستتولّى هي أمر "الإجهاز" بدل سونيا..

يكفيها أن ترى بعض الحسرة في عينيه، يكفيها أن ترى رأسه مطأطأ، أو شفتيه منفرجتين عن نية يائسة لإعلان التوبة. يكفيها أن يعود العالم طبيعيّا منطقيا كما تعوّدت دائما أن تراه. ستظلّ تسأل نفسها ماذا حملها على التهافت على فتى رقيع مثله لا يملك شيئا واحدا يغريها به، لكنّ التساؤل عمّا مضى أهونُ و أرحم... عيناها تتجنبان النظر إلى كل من تعرفه، لا تريد أن تخاطب أحدا قبل أن تراه. لا تريد أن تعود إلى عالمها قبل أن تجهز عليه بابتسامتها العابثة. هو ذا! أدهشها أنها تعرفت عليه رغم ما طرأ على وجهه من أهوال.. قبضات البوعزيزي و رفاقه مريعة حقا.. زيّنت الزرقة انتفاخ عينيه حتى بات يصعب التمييز ما بين انفتاحهما و انغلاقهما، أما شفتاه فقد اتخذتا شكلا جديدا هو إلى النقانق أقرب. و في مكان ما جنوب أذنه اليسرى، اِرتفعت أكمة صغيرة أفسدت ما بقي من شكل وجهه.. خفق قلبها و هي تتقدّم نحوه، يجب أن ينظر إلى بنت الباردي، يجب أن ينظر إلى من سامه الذلّ و تركه يعرج ككلب منبوذ. اُنظر إليّ! هل تعرفتني؟ اُنظر إليّ!
كان شاردا كما عرفته دوما، ينظر إلى شيئا ما في الأفق لا تزال تجهله، و حينما مرّت بقربه، نظر إليها كما ينظر المرء إلى الظلال، كأنها ليست توحي له بشيء. اتسعت عيناها في خوف و هو يقترب منها. ارتسم في عينيها المطعونتين، رجاء و توسّل، لكنّه بذات الملامح الخاوية استلّ عينيه من وجهها، و عاد يحدّق في مكان ما.. لا تعرف كنهه.. 




فاروق الفرشيشي
18 تشرين 2014


ملحوظة : لا تمتّ القصة لغير ذاكرتي المريضة و خيالي الهستيريّ بصلة. أرجو أن تكون فاتحة الكتيبِ الجديد.

Thursday, October 23, 2014

حيرة ناخب

أنظر إلى الساعة، تشير إلى يومين قبل الانتخابات، تذكرتُ أنني لا أعرفُ شيئا، أو أنني أعرف أكثر ممّا ينبغي، لماذا عليّ أن أنتخب أصلا؟ اللحظة تقترب، أنا لا أعرف شيئا، بل ربما أعرف أكثر ممّا ينبغي، أحزاب صغيرة، وجوه واعدة، الكتل الحزبية الكثيرة تشبه فقاقيه الصابون، و الخوف ممّا سيحدث مستقبلا، الكل يقرّر لنا، ماذا تخبئُ لنا أمريكا؟ هل أنا موبوء بمرض المؤامرات؟ ماذا عند صندوق النقد؟ و الإملاءات التي تزداد اجحاف كلما أضفتَ قرضا؟ من يطلب القروض؟ ماذا نريد؟ هل يجب أن ننتخب؟ على أساس سأنتخب؟ قائمات، أحزاب، رؤوس أموال، إيديولوجيات، قوى خارجية، رؤوس قائمات، تحالفات خفية و معلنة، 18 اكتوبر، 9 جانفي، 23 أكتوبر، هذه بلاد تقرر مصيرها في أول الخريف أو في أول الشتاء. يومان، كيف سأفكر؟ سأحاول أن أفكر..

1 ـ في أن المقاطعة ليست أفضل من الإنتخاب
أعتقد أنه يمكن حصر أسباب المقاطعة، فأوّلها عطن رائحة الطبقة السياسية كلها. الكثير من التونسيون باتوا يشمئزّون من السياسة، من كل ماهو سياسيّ، و ذلك بالنظر إلى رداءة المشهد السياسيّ عموما. حسن، الكلّ رديء فعلا، الكلّ منشغل في الصراع لأن أغلب السياسيين أمضوا حياتهم في الصراع ضد الأنظمة السابقة، هم أناس تعودوا على أن العمل السياسيّ هو صراع قبل كل شيء، و لعلّهم أناس جبلوا أصلا على الصراع و لا يجيدون البناء. الكلّ رديء لكنّ الرداءة أنواع، هذه الإنتخابات تخيّرك بأي الرداءة ستقبل، هل ستقبل بمنوال اقتصاديّ رديء؟ أم بتعامل رديء مع الحريات العامة؟ هل ستقبل برداءة المناخ الاجتماعيّ و اشتداد التفاوت بين الطبقات؟ أم ستقبل بوضاعة الحالة الأمنية و العيش في خوف دائم؟ في هذه أجدُني مضطرّا للاختيار، و هو اختيار أرحم قليلا من اختيار المدان طريقةَ موته، لو كنتَ مدانا، أسيان عندك الموتُ الرحيم و الموتُ حرقا؟
ثاني الأسباب هو عدم الدراية، أنا أيضا عزفتُ عن متابعة السياسيين منذ فترة، لا يمكنني معرفة كلّ كبيرة و صغيرة عن كل شخص و حزب، و لكن لو فكّرنا بمنطق اقصائيّ، فهناك الكثير من المرشّحين ممّن لا يحتجون إلى علم و دراية لاقصائهم. لا أحبّ أن أذكر أسماءً هنا، و لكن من ذا الذي يقبل بانتخاب شخص لا يكاد يجيد التعبير عن أفكاره؟ من ذا الذي يقبل بانتخاب شخص يعدكم ببيع الخبز بنصف ثمنه؟ هذه مسائل لا تحتاج إلى دراية كبيرة، و حينما تقصي الذي يستحيل أن تنتخبهم، ستبقى أمامك سبعة قائمات على الأكثر مهما كان توجهّك الفكريّ.
ثالث الأسباب هو أن النتيجة معروفة مسبقا، و أن هناك قوتان ستقتسمان الكعكة بفضل اتفاق قوى خارجية إلى غير ذلك، و أعتقد أن هذه أوهن الأسباب، فالغالب على الظنّ أن التزييف لن يحصل (إلا بمقدار ما سيحدث من انتهاكات معزولة هنا و هناك) و أن الدعم إن وجد (و أنا أؤمن بوجوده) فقد وجد قبل يوم الأحد، أموال، طرق عمل و مناهج لكسب الرأي العام، إعلام، حروب نفسية، تجييش المشاعر، الخ الخ.. ترسخت بالفعل فكرة أن الانتخابات بين شقين كبيرين و هل أنت معنا أم علينا التي هي ليست غريبة عن الذهنية التونسية، باتت الشعار الأكثر تداولا في صدور الناس. فهل المقاطعة هي من سيغير هذه المعادلة؟ أم المشاركة و انتخاب شق ثالث يفسد هذه المعادلة؟ أعتقد أن الأمر واضح.
السبب الرابع الذي عاينته، هو رفض المشاركة في المهزلة القادمة. في الواقع، المهزلة حاصلة شاركتَ أم لم تشارك، الفرق هنا، أن مشاركتك قد تعني تقليص حجم المهزلة، أما عدم مشاركتك فلن يعنيَ أنك لم تكون مسؤولا عنها. ثمّ ألا ترى من الأنانية أن تتجنب المشاركة فقط لتشعر أنك "على حق" ؟ أنك البطل الذي من حقّه أن ينتقد نتائج الانتخابات لأنه لم يكن موافقا عليها منذ البداية؟
يجب أن نفهم شيئا هنا، هذه الانتخابات، لن تكون الوحيدة التي ستحصل بهذا الشكل، كل ما سيأتي بعدها، انتخابات بالطريقة نفسها، و بالدستور نفسه، و بالقوى السياسية نفسها (تقريبا) و لو لم تشارك اليوم لهذه الأسباب، فأنت لن تشارك في غيرها لنفس الأسباب، و هذا يعني أنك ترفض هذه المحاولة الديمقراطية من أساسها. الانسان لا يولد كهلا.
سأفترض أيضا أن الجميع قرر المقاطعة، ماذا سيحصل حينئذ؟ تعاد الانتخابات؟ كيف تعاد؟ لماذا؟ كيف سيغير القانون الانتخابي؟ متى؟ ما وضعية المجلس التأسيسي الذي يفترض أن ينتهي بنهاية هذا الشهر؟ ما وضعية الدستور و ما شرعيته؟ من سيمسك البلاد و من يملك أصلا الشرعية لمسك البلاد حينئذ؟ حرب؟ سلاح؟ ليبيا؟ هل المقاطعة حقا أفضل من الانتخاب؟
تريد أن تعلن رفضك؟ تريد أن تظهر غضبك؟ ماذا عن الورقة البيضاء مثلا؟

2 ـ في طبيعة الانتخابات
أتحدث طبعا عن التشريعية، لأنها الأكثر تعقيدا. بالنسبة للانتخابات الرئيسية فهي تبدو سهلة، و مهما فعلت لتقنع الناس، فالمسألة لن تحيد عن فكرة : من هو (هي) الأفضل، من هو(هي) الأكثر مروءة (رجلة) لا غير. أما الانتخابات التشريعية، فنحن نتحدث عن قوائم انتخابية و قوائم مستقلة، و رؤوس أعمال، و أحزاب كثيرة كثيرة. كيف يكون الاختيار وسط هذه الفوضى؟ ربما وجب التأكد أولا من طبيعة الانتخابات.
الانتخابات التشريعية اليوم، تأتي لإنهاء المرحلة الانتقالية الثانية. الدستور موجود اليوم، و المسألة السياسية شبه محسومة، الحديث عن السياسة سيتقلّص شيئا فشيئا، خصوصا مع الحاجة الملحة للتونسيين، للانتقال بالخطاب إلى جوانب أخرى مهمة. مسائل مهمّة كثيرة في المرحلة السياسية لم تأخذ حقّها، مثل الهوية، و الحريات العامة، و حقوق الإنسان، و حتى العدالة الانتقالية غابت تماما عن المرحلة التي يفترض أن تهتم بها أساسا، لكنّ هذا اليوم لم يعد أولوية.
مهمة المجلس التشريعيّ القادم تتعلق بأمرين : تكوين حكومة مهمتها الرئيسية إطعامنا من جوع و تأميننا من الخوف، فنحن لا نزال نطلب هذين العنصرين البدائيين. و الأمر الثاني هو تشريع القوانين الإصلاحية طوال السنوات الخمس القادمة. إعادة هيكلة البلاد تقريبا.
أنت أيها الناخب، ستختار من يقرّر عنك هذين المسألين. ستختار من يصنع حكومة تركز على الأمن و الاقتصاد، و تختار من يكتب القوانين الاصلاحية الملائمة للبلاد.

شاءت الأحزاب و المجلس التأسيسي و خبراء الانتخابات و أصحاب السوابق و الخبرات، و السادة العظام أن يعتمدوا نظام انتخابات القوائم، مع احتساب أفضل البواقي بالنسبة للقوائم الخمسة الأولى. لا، لن نناقش النظام و مساوئه لأنه من الماضي، و لأننا لن نغيره قبل اربعة أيام من الانتخابات، لكن ربما علينا أن نفهم ماذا يعنيه هذا النظام، و ماذا يترتب عنه.
نظام القوائم يعني أن النتائج ستسيطر عليها الأحزاب، فالمستقلون لا يمكن أن يواجهوا الآلة الحزبية الضخمة. كم من مستقل وجد له مقعدا في المجلس التأسيسي ؟ نفر قليل، و أقلّ منهم أولئك الذين سينتخبهم الناس في هذه المرة. يصعب على المستقلين أيضا أن يقدموا مشاريع قوانين تستند إلى دراسات معمقة، ذلك أنهم لا يملكون الموارد البشرية الكافية لإعداد هذه الدراسات. المسألة دوما متعلقة بالموارد البشرية، العمل الجماعيّ أكثر نجاعة. ربما تجد من بين المستقلين صوتا نورانيا صادقا الخ الخ لكن هل النقاء وحده ينفع في مناقشة شروط القروض الدولية؟
نظام أكبر البواقي أيضا مهمّ، فهو يعطي شيئا من التفضيل لفكرة اقتسام المقعد بين عدد أكبر من القوائم، لكنّه ـ عكس انتخابات المجلس التأسيسي ـ عدد محدود أيضا، لأن المستفيد من أكبر البواقي في كل دائرة انتخابية لن يتجاوز الأحزاب الخمسة الاولى. لذلك، أعتقد أننا لن نجد أكثر من 10 أحزاب في المجلس التشريعي القائم، ربما خمسة من هذه الأحزاب لا يحصل مجموع مقاعدهم ال10% من العدد الجملي. لذلك نظام الانتخاب، يدعوك أن تفكر بالأحزاب العشرة الأكثر حضورا و شعبية (حتى لو كان أغلبها قذرا، اتفقنا على هذا) حتى لا يذهب صوتك سدى.

أخيرا، و هذا الأهم، فالانتخابات أيضا تقوم على الدوائر الانتخابية و هي دوائر جهوية، لذلك فالمرشحون لا يمثلون في البرلمان أحزابهم فقط، بل أيضا جهاتهم. لذلك يجب التفكير في كل هذه العوامل قبل الاختيار. الحزب أم الشخص؟ الجهة أم الوطن؟ التصويت المفيد أم التصويت العاطفيّ؟ التصويت على أساس البرامج أم على أساس الإيديولوجيا؟ الأسئلة لا تزال كثيرة!

3 ـ في التصويت للأحزاب أم للأشخاص
كما ذكرتُ سابقا، فإن العمل الفرديّ لا يمكنه أن يقدم أو يؤخر. شخص واحد لا يمكنه أن يقدم مشروع قانون متاكل ضافي الجودة. و شخص واحد لا يمكنه أن يضمن تمرير قانون بمفرده. العمل التشريعيّ ليس فرديا و لا يمكن أن يكون فرديا لذلك فالشخص الذي ستختاره سينضوي حتما تحت كتلة برلمانية لم تتكوّن قبل اختيارك و بذلك لن تعرف خياراتها و أفكارها و أهدافها. أما الحزب، فأنت تعرف مسبقا مبادئه و أفكاره و الشخص الذي ستنتخبه سيلتزم بتلك الأفكار و يمضي فيها خلال تصويته.
يلتزم؟ مهلا، هنا يجب أن نسترجع التجارب التي عرفناها في المجلس التأسيسي، العواصف الهوجاء التي تقتلع أعضاء الأحزاب و تلقي بهم في أحزاب أخرى. نواب كثر تسكعوا بين أحزاب كثيرة، و منهم من باع نفسه لمن يدفع أكثر، بعض الأحزاب لم تحصل على مقعد واحد، و لكنّها مع ذلك تضمّ أكثر من عضو في المجلس التأسيسي. هذه التجربة لا يجب أن تُنسى حينما نفكّر في الانتخاب. اختيار الحزب لا يجب أن يلغي قيمة من يمثّل ذلك الحزب. حينما تريد التصويت لحزب ما، فاُنظر أيضا إلى رئيس قائمته، أتراه يصلح أن يمثلك في المجلس؟ (أجل كلهم لا يصلحون، لكن أتراه أقلهم سوءا حقا؟) ما نسبة تأكدك من أنه لن يهجر الأفكار التي نادى بها حينما اخترته؟
النظر إلى رئيس القائمة مهمّ لسبب آخر، فالحزب الذي يعيّن رؤساء قوائمه، يفترض منه أن يقدّم أناسا من ذوي الكفاءة، أن يقدّم أفضل ما عنده من رصيد بشريّ لتلك الدائرة، و حينما تجد أن رئيس قائمة تلك الدائرة ليس مهمّا جدا داخل الحزب، فاعلم أن الحزب لا يركز كثيرا على دائرتك، ربما لا يرصد لها اهتماما تشريعيا في ما بعد، و ربما لا يملك عنها المعلومات الكافية ليهتم بها أصلا. بمعنى آخر، قيمة رئيسة القائمة داخل الحزب، تعكس جدّية هذا الحزب في دائرتك الانتخابية. لذلك فبالنسبة لي، الاختيار حزبيّ، و المعيار فرديّ.

4 - في التصويت للجهة أم للوطن
هناك من يختار الحزب الذي يقدم أفضل الخيارات الوطنية، و هناك من يحكم على الحزب الذي يقدم برنامجا جهويا واعدا. في الواقع المفارقة صعبة جدا هنا. أعتقد أن الخيارات الوطنية اليوم، محدودة بعض الشيء، الجميع يعرفها، و الجميع يتفق على عناوينها. أما التفاصيل فالواضح أنها غائبة عن خطابات الأحزاب. ناهيك أن انتخابات هذه المرحلة كما ذكرت، تتركز أساسا على التنمية الاقتصادية و توفير الاستقرار الأمني و السياسي. منوال التنمية الوطني لن يتغير على ما يبدو مهما كانت الجهة الحزبية الفائزة، لكن الاختلاف سيظهر في الجهات، في مشاريع الجهات و الأفكار المرصودة قبل الأموال. الوطن هو ما تكوّنه الجهات، لذلك فأنا أفضل نوابا يعرف كل منهم جهته فقط تمام المعرفة، على نواب يعرفون وطنهم معرفة عامة لا تغرق في التفاصيل. المسألة لن تكون صراع جهات أيضا، لأن الانتخابات سيكون بين أبناء الجهة الواحدة، من أفضل من يمثلها، من أفضل من يدافع عن المشاريع التي تليق بها؟ تلك هي المسألة.

5 - في التصويت المفيد
فكرة التصويت المفيد تحيلنا على حزب بعينه. و رغم أنني لا أحب الخوض في الأسماء حتى لا أؤثر على أحد، فإنّ هذه الفكرة تقترح منهجية للتصويت، لذلك لا يمكنني أن لا أفكر فيها و أنا أبحث عن حلّ لمن سأصوّت. ما جال ببالي أمران رئيسيان، و هنا سأفترض أنني شخص أريد أن أصوّت ضدّ حركة النهضة، سأتساءل مالفرق هنا بين أن يحصل حزب "ألف" على 30 مقعدا، و حزب "باء" على 20، و كلاهما خصمٌ للنهضة، و بين أن يحصل حزب "ألف" على 45 مقعدا و حزب "باء" على 5 مقاعد؟ الفرق في رأيي، أن الناخب سيخسر خصوصيات حزب "باء" التي هو فعلا مقتنع بها، في صالح الحزب "ألف" التي قد يتقاطع فيها مع حركة النهضة. بمعنى آخر، فتصويته كان مضرّا. الأمر الثاني يتعلق بالحسابات التي تثبت أن الأحزاب الكبيرة تستفيد أكثر من نظام أكبر البواقي. و أعتقد هنا أن المسألة لا تتعلق حقا بأكبر البواقي، فنظام القوائم يشجع على تعدد الاحزاب، و يقلص من هيمنة حزب واحد، و هنا يمكن أن نذكر أن الكثير من المقتنعين بحزب النهضة، صوّتوا للمؤتمر، ما جعله صاحب المرتبة الثانية في الانتخابات، بهذا المنطق، يمكن أن يفيد هؤلاء من وجود حزبين أو ثلاثة، مثلما يمكن أن يتضرروا من تشتت أصواتهم على أحزاب كثيرة. باختصار، التصويت المفيد ليس مفيدا لأن وجود حزب واحد، يشبه كثيرا وجود أحزاب كثيرة. بمعنى آخر، يمكن أن يكون التصويت مفيد، حينما يقتسم التصويت على حزبين أو ثلاثة.

6 - في التصويت على البرامج أم الإيديولوجيا
في هذه حسمتُ أمري منذ فترة، فالإيديولوجيا لا يمكن أن تناقش وسط التعصب، و نحن منذ ثلاث سنين، نعاني افراطا شديدا في التعصب و الشيطنة يجعل من الحوار أمرا مستحيلا، لذلك ألقيت بإيديولوجيتي جانبا و أنا أفكر فيمن سأصوت. سواء نجح الإخوان، أم اليساريون، أو التجمعيون أو حتى يسار الوسط، فالنمط الاقتصادي و الاجتماعي لا يمكن أن يتغيرا كثيرا في السنوات القادمة. مهما كانت الجهة الفائزة، فالنمط الاقتصادي سيظل شبه رأسماليّ، يعتمد على المؤسسات الصغرى و المتوسطة، و يعتمد على الاستثمار الاجنبي و السياحة، مع بعض الدعم للفئات المتوسطة، و المنوال المجتمعي، سيظل ذلك الذي اتفق عليه القوم في الدستور. حتما كل سيحاول الجذب قليلا إلى جهته، لكنّ هذه التفاصيل على أهميتها لن تكون بقدر قيمة أن يجد المرء أناسا قادرين على التنفيذ، قادرين على الانجاز. أنا مستعدّ لأن أختار من يحمل كل الايديولوجيات التي اكره، لو كان هذا الشخص يحمل من الأفكار و المهارة ما يمكنه أن يوفر للوطن استحقاقاته القادمة. و أن يعدّ البرامج التي تليق.

7 - في البحث عن المصطفى
و لا أتحدث هنا عن سيد الخلق صلى الله عليه و سلم، و إنما أتحدث عن الحزب / الشخص الذي سأسطفيه ليمثلني، عن القائمة المناسبة. إنني أعرف خياراتي، لكن كيف أعرف أي المرشحين أنسب لها؟
عليّ أن أكون بسيطا و مختصرا للطرق و المسافات، طريقة الاقصاء جيّدة جدا، حينما تقصي القوائم التي لا تصلح في حدّ ذاتها أن تمثّل في المجلس (بعيدا عن خياراتك) فلن تبقى لك إلا القوائم الممكنة، و سيكون عددها محدودا جدا. و كما قال دُويْل على لسان هولمز : لو استبعدنا المستحيلات، فستبقى الحقيقة مهما كانت غريبة. و أعتقد أنك ستجد نفسك في النهاية أمام شيء غريب فعلا.
أهمّ عنصر أعتمده في الإقصاء هو الجديّة، قائمة ليست جادة، لا تعنيني، يمكن أن تلمس الجدية في أشياء عديدة، بداية باسم القائمة (قائمة البؤساء)، مرورا بمعلّقة القائمة (صور رديئة، تصميم سوقيّ أو بدائي أو يفتقر للذوق). أحقا يمكن أن يحكم المرء على "تفاصيل ثانوية" كهذه؟ في الواقع هذه ليست تفاصيل ثانوية. إن تواصل القائمات مع المواطن يتمّ في الأساس عبر أداتين رئيسيّتين، الأولى هذه المعلقات و الثانية هي الدقائق الثلاث التي تقدم كل قائمة فيها نفسها على شاشة التلفاز. و لأن أصحاب القوائم يعرفون أن هذين الآليتين هما أهم ما يتاح لهم للتواصل، فهم يدركون قيمتهما و يدركون قيمة الإعداد الجيّد لهما. بمعنى آخر، غدا في مجلس نواب الشعب، سوف ينتقي نائبك كلماتك مثلما انتقى تصميم معلقته، و سوف يقترف في خطاباته لاقناع زملائه ما يقترف أمامك اليوم على شاشة التلفاز من أخطاء، و سوف يستنبط الأفكار و المشاريع بنفس الروح التي استنبط بها خطابه القصير، و سوف يتعامل مع خبراء في الاقتصاد و الاجتماع و غير ذلك، في قيمة الخبراء الذي استعملهم لاعداد معلقاته و نشرياته.. لذلك كلّه اُنظر جيّدا إلى المعلقات، و استمع جيدا إلى كلمة الدقائق الثلاث.

8 - في الوعود الانتخابية
الجميع يعد، ما يجعل من الوعود الانتخابية أمرا مضحكا، و تهريجا سخيفا. كيف يمكن الاستفادة مع ذلك من الوعود الانتخابية؟ الوعود أيضا تعكس جدّية المترشحين. حينما يعدك أحدهم بخبز بنصف ثمنه، فمكانه الأنسب مشفى المجانين لا مجلس الشعب. و حينما لا يتقدم أحدهم بوعود للجهة التي يترشح عنها، فهو شخص لا يملك أفكارا، حتى لو قدم لك جردا كاملا بكل مشاكل جهتك، فلا تهتم له. لأن النائب مطالب بايجاد حلول لا بجرد المشاكل [فقط]. أما عرض الحلول، فتكمن جديتها في منطقيتها أولا، و ثانيا و خصوصا، في تميزها عن الآخرين، في اقتراحه لما لم يقترحه الآخرون، فهو في ذلك يعكس بحثا ذاتيا جادا حول مشاكل منطقتك، عوض الاكتفاء بتقليد الآخرين و عرض نفس مقترحاتهم.

اختصارا، الطبقة السياسية سيئة، و من سننتخبهم اليوم، لن يمثلوا الحلّ، لكنّهم خطوة للأمام، لا نملك خيارا أفضل منها، فالأفضل أن نخفف من الأضرار و أن ننتخب عوض أن لا نفعل. يمكن ممارسة سياسة الاستبعاد، استبعاد المستحيل، لترك الممكن مهما بلغت مرارته. يمكن الاستفادة هنا من وضعية الاحزاب و اختيار الاحزاب الأكثر قوة لتبقى في السباق لو خفت من تفرق الأصوات، هذا ليس قط ترجمة لفكرة الانتخاب المفيد التي دعت إليها بعض الأحزاب. تخلّص من الإيديولوجيا و خمم في الركيزتين الأساسيتين اللتين تمثلان المرحلة القادمة : الأمن و الإقتصاد. ابحث عن الأطراف الأكثر جدّية في هذين المسألتين. كن جهويا هذه المرة، لأنك و ان انتخبت برامجا حزبية، فأنت أيضا تنتخب أناسا يمكن أن يتنقلوا بين الأحزاب، و أنت تنتخب برامج جهوية، فالمسألة الاقتصادية مسألة جهوية بالأساس. أنظر ممّن بقي في سباق خياراتك من هو الأكثر جدية عبر التطلع إلى مقترحاته و حلوله و عبر طريقة تقديمه لنفسه (معلقات، خطاب). غمّس اصبعك في الأزرق و لا تندم، فمهما كان اختيارك خاطئا، فقد كانت نيتك سليمة، و لسوف نتعلم يوما.



23 تِشرين 2014

Friday, September 26, 2014

حديث الجميلة و الوحش

حديث الجميلة و الوحش سهل قصير، كلما شددتَه و ضغطت عليه، انكمش أكثر و غاص في نفسه حتى لا يبدر منه غير وجه الجميلة و زمجرة الوحش، و كلاهما كافيان لتبيّن كل ما في الحكاية من نفاق توارثه الأوّلون. لكنّك لو تمعّنت فيه و أخذت تلوك عناصره لاتسعت رقعة الكلام، و لعلمتَ منه ما لم تعلم. ففي القراءة فنّ يقارب في إبداعه فنّ الكتابة، حتّى إنني لا أملك أن أحدّد طبيعة هذا القول، إن كان قراءة أم كتابة، لكنّه في كلّ حال، لا يحترم قواعد الكتابة و لا يكترث لمنطق القراءة، فلا تنشغلوا ببنية القول و لا تبحثوا عن خصائصه، و كفاكم التّفكّر، فبعضُ البناء أثمنُ و أنفسُ إن تقوّضَ، و بعض الـ...
"هدوءا يا سادة!"
أطلق ديزني Disney هتافه المرح، و راح يتأمّل كتّابه البارعين في رضا و حماس. هؤلاء هم من صنعوا بأفكارهم و عرقهم اِمبراطوريته التي لا تغيب عنها ضحكة الأطفال، هؤلاء هم كنزه الذي جعل منه أيقونة سيحفظها التاريخ. فتل شاربه الرفيع و قال بوداعته الأسطورية : لا أريد بداية أدبية عميقة أو باردة. لا أريد بداية مخيفة كتلك التي قدمتها الكونتيسة دي بومون De Beaumont. أريد شيئا يدخل البهجة على قلوب الصغار. أريد ألوانا زاهية كثيرة، و موسيقى. أجل! أريد موسيقى! ما رأيكم بغنائية نقدّم بها سياق القصة؟


و الحقيقة أن الحياة التي تحياها الجميلة في قريتها الصغيرة لا تليق أبدا بغنائية كتلك التي في مخيلة الرجل. إنّنا نتحدث عن قرية نائية في منطقة الروشيل La Rochelle في القرن الثامن عشر، حينها باتت الثورة التي غيّرت وجه العالم على مشارف سنوات قليلة. فهل لكم أن تتخيّلوا حجم عذابات فتاة جميلة وسط عالم كهذا؟ لا تفعلوا، اُتركوني أرسم لكم ذلك.

حسنٌ، لنبدأ بوالدها. لم يكن الرجل سيئا جدا معها. ربما كان يفضل ولدا يساعده في ورشة النجارة، لكنّه قنع بتكفّلها بتلك المهام الثانوية البسيطة التي ترفع عنه الحرج و تمكّنه من شيء من الوقت. و بينما تشرف الفتاة الصغيرة على الطبخ و الكنس و الغسيل و البستنة و قتل الفئران و الأفاعي و صيانة الأبواب و التزويق و طرد المتسوّلين، ينشغل الأب بالمهمة الأكثر صعوبة : مزاولة مهنته في ورشته و الحصول على المال. لكنّه مع ذلك صابر و تجلّد و اكتفى بما تقوم به الفتاة ريثما يحين وقت المهمّة الأعظم : الزواج.
و لأنه امرؤ يقدّر المقادير فيصيب، فلقد عرف أن ابنته ليست بطنا وجب التخلّص منه عند أقرب خاطب، و إنما هي بذرة تبشّر بصفقة قد تغيّر حياته. و قرّر الرجل لذلك عدم التفريط في ابنته إلا لو طرق بابه ثريّ حقيقيّ. إن هذا الجمال الذي يتشكل أمامه كنز ثمين، و إنه سيغامر بالانتظار و لو لسنوات من أجل حلمه. الناس يتكلّمون؟ ومتى لم يفعلوا ذلك؟

الناسُ ثانيَ عذابات الجميلة. تمنحهم ابتساماتها العذبة، و تحيتها الطفولية الخجول، و طيفها الرشيق كنطّ الغزال، تسحب ستائر الليل عن طرقات القرية و ترسم في أركانها نسائم الصباح الأولى، فيسارع الرجال في الخروج إلى أعمالهم طمعا في صوتها، أو صورتها، أو ريحتها التي تشي بمرورها. يمتنّون للحياة التي منحتهم كلّ ذلك سرّا في قلوبهم، و تمطّ نساؤهم شفاههنّ في حنق و حقد. و ما إن يذوب آخر عبق للفتاة في المكان، حتّى تحلّ الشياطين محلّها، و تشرع في عملها في قلوب البشر. إشاعات، أقاويل، حكايات تتنافس أيها الأكثر هولا.. كلّ رجل من هؤلاء يتمنّى لنفسه الجميلة، و يعلم علم اليقين أنه لن يظفر بها إلا في أحلام اليقظة، (ففي الليل زوجة قد تكشف أمره)، و كلّ رجل من هؤلاء يعلن أنه لا يرغب في الجميلة و أن ما خفي وراء مظهرها الجميل ما يروّع المؤمن من أمثالهم. إنها القصة نفسها التي تتكرّر منذ عصر هيلانة.
تتسابق النساء في احصاء عيوب جسمها، و يتسابق الشباب في حفظ تضاريسه. بينما راح الرجال يتراهنون حول ذلك الذي سيظفر بها. كانت المراهنات ترجّح كفّة "غاستون" Gaston زينة شباب القرية. و كان "غاستون" ثالث عذابات الجميلة.

"من هو غاستون يا سيّدي؟"
تلقّى ديزني السؤال من أحد عباقرته فلم يفهمه، نظر إليه مستفسرا فأضاف موضّحا :
"لا أجد غاستون هذا في القصة الأصلية، من تراه يكون؟"
"غاستون هو فكرتي عن شرير هذه القصة. تعرفون أن الوحش هنا هو البطل، لذلك يجب أن نقدّم نقيضا للبطل، يحاربه و ينتصر عليه." 
"لكنّ البطل هو الجميلة هنا يا سيدي"
"البطل هو من يقرّره دافع راتبك يا فتى، الجميلة هي الشخصية التي ستتماهى معها الفتيات الصغيرات، الوحش و غاستون هما الآخر الذي سيتعلّمن كيف يحكمن عليه. هذا هو الدرس الخالد. لا يجب الحكم على المظاهر. إذا غاستون سيكون نقيض الوحش حتى نقدّم المثال المعاكس."
كان ديزني بليغا، و دقيقا شأن كلّ الأمريكيين، و حينما رسم غاستون، لم يبدُ بين وسامته فرق كبير مع هرقل سليل الآلهة، كان وسيما، قويّا، فارع الطول، نافر العضلات، في عينيه ذكاء و غرور لا ينطفئان، و في قلبه تعلّق شديد بالجميلة لا يجهله إلا غريب عن القرية. الجميلة هبة غاستون. هكذا كان الجميع يعتقد. كلاهما جدير بالآخر، كلاهما يليق به. و صار القران مسألة وقت فحسب. و لأنّ العمر أخذ يتقدّم بالجميلة، فلقد كثر الهمس، و اختلفت التأويلات. كانوا يلحظون حيل الفتى للتقرّب منها. حيل خائبة، لكنّها صادقة تفضح رغبته القويّة. و لم يشكَّ أحدهم أن أمرا ما غريبا يدور بعقل الفتاة. في الحقيقة، كان ما يدور بعقلها آخر عذاباتها و أشدّها وطأة على نفسها.
تقول ابنة النجّار لنفسها إن غاستون على ذكائه جاهل لا يكاد يجيد قراءة اسمه، و إن شغفه بالكتب مثل شغفها هي بلعبة البايسبول. هي لا تعرف لعبة البايسبول لأنه لا وجود لها في تلك الفترة، و لكن من قال إن غاستون يشعر بوجود شيء اسمه الكتب؟ لسائل أن يسأل عن قيمة أن يكون العريس مثقّفا حين تكون العروس فتاة ريفيّة مغلوبة على أمرها. و لكن لو أنّه اطّلع على مكامن قلبها لأدرك أنّ الكتاب حجة واهية، و أنه صورة معقلنة تقنع بها نفسها ليس إلاّ. فللنساء غريزة أكثر عمقا و أكثر تجرّدا تتجاوز سطحية العقل و حِجاجه الساذج. 
هكذا بحدس نقيّ تعرف أن غاستون ليس الرجل الذي يريده جسدها. اُنظري يا جميلةُ لهذا الصيّاد الوسيم. أيبدو شرسا؟ أيبدو فحلا حقيقيا؟ أليس فيه شيء من رقّة النساء و رهافتهنّ؟ أهذان الذراعان خشنان بما يكفي ليسريَ خدر الحب في جسدك الغضّ؟ كلاّ إنه غير كاف.. كانت كلّما تخيّلت نفسها بين ذراعيه، أحست بنقص لا يمكن إشباعه، و لا يمكن تفسيره، لكنّ الكتب تقول : حدس النساء لا يخيب!

كذلك حاولت الجميلةُ أن تتجنّب الصياد العاشق ما استطاعت، و كذلك حاولت أن تقنع والدها بأن غاستون لا يليق بها، و من حسن حظّها أن والدها يشاطرها الرأي و إن اختلفت الأسباب.
لكنّ حياة المرء في جماعة صغيرة كحياة الولد الصغير في عائلته. ترف الحريّة فيها ضيق و عسير، و الجميع له عندك حقٌّ. يقول بن خَلدون : كلّما قلَّ أفرادُ المجموعة، كلّما اشتدّت لحمتهم و تقاربت نفوسهم و سرت كلمة الغلبة فيهم سريان الحكم الذي لا يُرجع فيه. رأيتُ القولة على صفحات الفايسبوك، لذلك فهي حتما صحيحةٌ..
أما أهل القرية فما كان همسهم ليتجاوز حدوده، و الوشاةُ كثرٌ يتسابقون لنيلِ رضا الصيّاد المتجبّرِ، و كذلك الوشاةُ في كلّ زمن. لكن ما كان ذلك ليخفى على الأب كليمان Clément و الاعترافات تأتيه من كل ركن من القرية. يقوم الأبُ في ذلك الزمن، بوظيفة المشرف العام على قاعدة بيانات فايسبوك في عالمنا الحاضر، حيث تتجمّع عنده أسرار الخلق و فضائحهم، و يكتفي هو بالربط المحكم بين شظايا الكلام و التنسيق بينها ليجد أمامه قصة العالم بأدق تفاصيلها.. هو الآن ـ أعني الأب لا المشرف ـ يعرف أن الموضوع قد زاد عن حدّه و أن عائلات هنا و هناك قد تتفكّكُ بسبب تهافت الناس على الفتاة و انشغالهم بها. إن من شاهد فيلم "مالينا" الشهير، يعرف عمّ أتحدث جيدا.

"يجب أن تتزوّج الجميلة"
قال ذلك لوالدها في لهجة تقريريّة لا تدعو إلى النقاش. هل إنّ الأب كليمان هو من يسطّر قيم القرية؟ أم إنّه واجهة بشريّة للقيم التي سطّرتها القرية لنفسها؟ يبدو السؤال مربكا، لكنّ ارتباك والد الجميلة كان لسبب آخر تماما. في النهاية قرّر أن يصارح الأب برؤيته الطموح.
"إنّ العيب يا أبانا، أن نلقيَ بهبة الربّ على قارعة الطريق. لقد تعبتُ في تربية الفتاة و ها أنت ترى كيف أينعت، أفلا أجازى بخير من الصياد؟ و هل أرض الربّ إلا هذه القرية الفقيرة؟"
كلماته الماكرة وجدت لها طريقا سهلا إلى قلب القسّ، من قال إنّ التلاعب بالكلمات لا يحدث إلا في الاتجاه المعاكس؟ فكّر الأب كليمان قليلا، قبل أن يقول في تردّد :
"يقال إنّ في تخوم الغابة قصرا عظيما لا تعرف نهايته، فيه مخلوق رهيب، لا يبرح مكانه قطّ، لكنّ ماله كثير و الأهمّ من ذلك أنه لا يلقي لكثرة ماله بالا. قد يدفع بسخاء من أجل أن لا يظلّ وحيدا."
فكر والد الجميلة طويلا، إن القسّ يعرض عليه نفي ابنته تماما، ربما هو يقترح عليه إعدامها مقابل المال.
"إنّه قدرُها يا بنيّ، و عليها أن تواجه أقدارها."
لا يعرف الكثيرون دور الأب كليمان في لقاء الجميلة و الوحش، ربما لأنّ مقصّ الرقابة قام بهمّته في زمن لايزال للكنيسة فيها بعض هيبة، أما في نسخ القرن العشرين..
"لحظة يا سادة! اسمحوا لي أن أذكّركم أنني أقدّم قصة أطفال بهيجة. "أوكاي" شيطنة رجال الدين أمر جميل و لكن لا داعيَ له هنا. فكرة أن يبيع الأبُ ابنتَه ستجعل الأطفال مروّعين من آبائهم و ستسبّب لهم عقدا نفسيّة، أنا هنا للتسلية فحسب."
"ماذا نفعل إذا؟"
"أنتم خبراء في تصوير لعبة الحظ، تفعلون ذلك دائما مع توم و جيري، 'كومووون'! اجلبوا ليَ الجميلة إلى منزل الوحش!"

و قبل أن يبدأ الرجالُ عملهم الدقيق، استطرد ديزني قائلا :"لحظة واحدة، ربما كان عليّ أن أبديَ هذا منذ البداية، لكنّني تردّدت طويلا قبل أن أحسم أمري. شكل الجميلة لا يروق لي كثيرا يا سادة. أوكاي، للفرنسيّين فكرتهم الغريبة عن الجمال، خصوصا في القرن الثامن عشر، ربما يعود ذلك للأجبان الكثيرة التي يقبلون عليها، لكنّنا سنجري تعديلات بسيطة، لا داعي لأن يكون جسمها ممتلئا بهذا الشكل المبتذل، ثم إنّ فيه مفاتنا لا تليق بقصص الأطفال. أريدها أكثر نحافة، و طولا."
والت ديزني ذكيٌّ و يعرف نواميس متعة الإستهلاك المرئيّ. و معه، تتحول الريفيّة الفرنسية الجميلة، إلى فتاة أنيقة أقرب إلى إليزابيث تايلور، ملهمة هوليود التاريخية. فكّر أن يسحب منها كتابها الذي تصرّ على اصطحابه دائما لكنّه لاقى معارضة كبيرة من فريقه. مشكلة الكتب أنها تنافسه في تقديم المتعة للأطفال، و من العيب أن يقدم لها إشهارا مجانيا، بل هي الرذالة بعينها من منطق رأسماليّ. لكنّه كليبراليّ عريق، يحترم الديمقراطية مثلما يحترم الرأسمالية.

تبدو الجميلة الآن أكثر تألّقا و اندفاعا و تحرّرا. و بدا من الصعب إخضاعها لنواميس القرية، لذلك تلعب الصدفة لعبتها الخالدة، ليجدَ والدُها نفسه سجين الوحش، بينما يلوذ حصانه بالفرار حتّى إذا بلغ منزل سيده، كان دالّة الجميلة إلى قصر الوحش المهيب. و تدخل الفتاة في شجاعة نادرة إلى القصر الذي بدا مهجورا، و مسحورا، حتى تنتهيَ بها المغامرة إلى الالتقاء بأبيها و من ورائه سيد القصر المخيف. و ما يهمّنا من هذا القسم من الحكاية إلا تلك المقايضة الشنيعة و الغريبة التي قدّمها ديزني ببرودة القتلة. و إذا بالأب المنكسر الحزين يترك ابنته الجميلة الغضّة بين يديْ الوحش و يلوذ بالفرار. هل رأى أحدكم بربريّة مثل هذه؟ إنّ فكرة بيع الفتاة لتبدو فكرة طبيعية أمام هذا المشهد المقزّز، بل إن فكرة بيع الفتاة للوحش كانت أساس القصة الأصلية التي قدمتها دو فيلنوف De Villeneuve. و منذ أن كنّا أمام صرخة امرأة في وجه رجال يقرّرون عنها مصائرها، إذا بنا أمام صورة لا إنسانية للحبّ تعشّش في قلوب أطفالنا، صورة يتشبّث فيها الهرِمُ بالحياة مقابل أن يكون الشابُ فيها قربانا. هل تذكّركم هذه المقابلة بمكان ما من الأرض عزيز؟ ليس ذلك موضوعنا على أية حال..
ميزة الثقافة الأمريكية أنها تتجاوز الصورة الفجّة البدائية التي تجزع لها النفوس البسيطة، ذلك أنها تحتاج إلى خيال مفرط لتبيّن هولها. مشهد رأس مقطوعة مثلا، هو مشهد مرعب و لا يحتاج المرء أمامه إلى الكثير من الشعيرات العصبية ليتبيّن ذلك. أما رئيس شركة أدوية عالمية، فهو ببدلته الأنيقة و كلامه المنمّق الرقيق، و كومة شهائده المعترف بها في كل شبر من الأرض، يحجب عن أذهان البسطاء قائمة الأوبئة التي أطلق عقالها لتحصد آلاف الأرواح في بلاد الجهل و الفقر. إننا سنظهر تقديرا كبيرا لقائد مقاتلة لا نعرف كم أطلقت من قنبلة عنقودية أو فسفورية على الأرض و البشر، ربما يعتبره بعضنا رمزا لتقدّم الإنسان و تفوّقه، بينما نتخلع قلوبنا لرؤية ذلك الذي يمارس بأيديه ما يمارسه الطيّار بضغطة زرّ، و إن كان الثاني أكثر دقّة و أقل فتكا بالأرض و الطبيعة..
هكذا يتخلّى الوالد المحبّ المسكين بقلب محترق عن ابنته من أجل أن يعيش هو، و هكذا تبدأ حياة الجميلة في قصر الوحش..

خصّص المخرج الفذّ قاعة مكتبة ضخمة في قصر الوحش، كلّفت المنتج ثروة صغيرة، و رغم تذمّر ديزني في البداية من تعلّق الجميلة بالكتب، فلقد وجد في النهاية أنها طريقة مناسبة لإثارة اهتمام الجميلة بشخصية الوحش. إنه على عكس "غاستون" مثقّف و يقرأ الكتب. هل يعني ذلك أنها تمضي الوقت في الحديث عن كلام الأولين و مناقشة مقالة المنهج؟ كلاّ، و لكنّ أغلب النساء يحبّذن حَملة الكتب مثلما يحبّذن الزمرّد أو حقائب اليد شانيل Chanel. هل شعُر أحدكم أن الوحش يملك شيئا من الحكمة أو الثقافة؟ كان دوما منفعلا، متوثّبا، حانقا، صارخا، ساخطا، لم تعلّمه مكتبته الضخمة فنّ التعامل مع النساء و لا علّمته الزهد فيهنّ، بينما الجميلة العميقة الفهم، تلك التي لا تنظر قط إلى ظواهر الأمور، لا تلحظ ذلك. يكفي أن يملك الرجل مكتبة ضخمة حتى تؤمن أنه يهتمّ للقراءة و يمارسها. لا توجد مظاهر هنا أبدا!


لكنّ المتمعّن في حقائق الأمور و بواطنها يعرف أن مشاعر الجميلة أعقد مما يبدو بكثير. من الطبيعيّ أن الخوفَ كان مسيطرا على الفتاة المسكينة، بالأمس كانت تفكر بأمر كعكة التوت البريّ التي تحاول تعلّم طبخها، و اليوم هي بين يدي وحش رهيب يملك أن يجعل من جسدها كعكة التوت البريّ إياها. كانت خائفة و إن لم تبدِ جزعا، و كان خوفها يعود إلى جهلها لما ينتظرها. إن المجهول هو كلّ ما يخاف منه الإنسان في النهاية، الليل البهيمُ، الحشرات التي لا نقدر على تبيّن ملامحها أو التنبؤ بسلوكاتها، ذواتُنا..
و مع بداية تغيّر سلوك الوحش، و محاولاته الفاشلة أن يبدوَ على شيء من التحضّر، بدأت الجميلة تألف فكرة وجودها في ضيافته الإجبارية، و بدأت تكتشف في نفسها أشياء ما كانت لتعرفها من قبل. فالرجفة الخفيفة التي تهزّ جسدها حينما تسمع زمجرته، لم تكن رجفة خوف، و ذلك التموّج الصاخب بداخلها كلما تخيلت قدرات الوحش الكامنة وراء هدوئه المصطنع، ليس نتاج التهيب من الخطر. و لمّا جاءت اللحظة التي تلقفها فيها و هي تسقط من سلّم المكتبة، أدركت أن الحرارة المنبعثة من جسدها لها علاقة وطيدة بهرموناتها. إن مارد الحبّ فيها يتكاسل مستعدا للنشاط، و هي لا تزال مصدومة، فلتلذ بغرفتها!
أمضت الفتاة فترة عصيبة تحاول فيها تجنّب الوحش قدر الإمكان، فازداد هو حنقا و يأسا. أنتم تعرفون أن الجميلة كانت فرصته الأخيرة ليعود بشريّا. هذه هي الضيفة الأولى التي لا تبدي ذعرا حقيقيا لرؤيته، و كان أمله في اقناعها يتعاظم في كل يوم جديد، قبل أن تقرّر تجنّبه. هل يحبها؟ سؤال خبيث جدا تحاشاه جميع الرواة، فالمقصد من حجز الجميلة عنده، هو أن يعود بشريّا من جديد. فهو يحتفظ بذاكرته، و وعيه كبني آدم، و ذكائه و كل قدراته، بل لقد ازداد قوة و صلابة و شراسة. فما ذلك الذي يبحث عنه في بشريّته؟ صورته الجميلة مثلا؟ لاحظوا أن الرجل لا يزال يحتفظ بذائقته الجمالية الانسانية.. لا، لا تظنّوا بالرجل الظنون، فلقد تعلّم الدرس بعد كل هذه السنين، و بفضل عقوبة الساحرة العجوز، فَهِم أن المظاهر لا تعني شيئا أبدا!

لكنّ سيد القصر كان حقا عديم الفهم بأمر النساء، و ما كان ليفهم سرّ نفور الفتاة و قد بدا أنها تألفه و تهتمّ لأمره. لقد اقتحم الحب قلب الجميلة كأسوإ ما يكون الاقتحام، و فرض عليها من الأسماء أعجبها و أغربها. و إذا بها في شراك هوى مسخ يجزع المرء لمجرّد التطلع إلى سحنته. ماذا دهاها؟ و ماذا ولّد الحب فيها؟ هي التي رفضت أعزّ الرجال مكانة و أحسنهم خَلقا، ماذا وجدت في هذا الرجل مما لم تجده في الرجال؟ أهي عقوبة من الربّ على غطرستها؟ و هل كان لها الخيار؟ ما كان ذنبها إذا وجدت في الصياد رقة لا تليق بالرجال؟ و هل أعجبتك هيئة الوحش الشرسة يا جميلة؟ فوجئت بارتفاع حرارتها و هي تفكر في ذلك السؤال. تلك الزمجرة الخافتة التي تخفي قوة رهيبة، و تلك اليدان اللتان انتشلتاها كأنها لعبة صغيرة.. ابتلعت ريقها و هي تحسّ بشيء ينهش داخل جسدِها. إنها تذوب عشقا في مخلوق لا يشبه البشر، فمن عرف شذوذا مثل شذوذها؟

كانت لا تزال تحاول تجنب الوحش لأنها لا تزال مصدومة من مشاعرها، و تخشى أن تسيء التصرّف فتندم بعد ذلك كثيرا، لكنّ عينيها لا تنفكان تراقبان في هيام و اهتمام حبيبها الغريب. لاحظت أنه يعتزل في غرفة قصيّة من القصر، فأخذها فضول الأنثى القاتل إلى معرفة سرّ الوحش. ها هي القصة المعتادة التي تتكرّر في كل مرة. افعلي كلّ شيء ما عدا هذا. حسنٌ، ما أنا فاعلة شيئا غير هذا! و في غرفة الوحش المحرّمة، وجدت سرّه الرهيب، و عرفت أنه أمير وسيم، مُسخ عقوبة له. و لأن لا أحد يفهم منطق الأنثى العاشقة، فلقد كان انكسارُها عظيما أمام الحقيقة. و قد تتحمل المرأة سجنها أو أسرها، و قد تتحمل طبائع الرجال الأكثر شذوذا، لكنّها تكره أن تُخدع أو أن يتلاعب أحدهم بمشاعرها.
وقف الوحش في أسى و قد عرف أنه جاء متأخرا، رأى وجه فتاة من المحال أن يفوز بقلبها. فقال لها في خيبة و قنوط : اذهبي فأنت طليقة.

لم يكن همّ الجميلة أن يظل الوحش وحشا للأبد، بل ربما فضلت في قرارة نفسها أن يظل كذلك. أليس ذلك هو شكله الذي أحبته عليه؟ لكنها حينما سمعت بحملة الصياد غاستون، للظفر بحبيبها، عادت أدراجَها لتحذيره. و هذه طبعا من لزومات الدراما. غاستون الشرير الآتي لقنص الوحش البريء، هذا الوحش الذي أسرها لأيام طوال بات بفعل الحبِّ، أو بفعل البطولة الدراميّة، ضحية مسكينة.
ديزني ككلّ الأمريكيين بارع في توصيف المعارك لذلك ما من داع لفعل ذلك، إنما هي متعة للناظرين، تسلية لا بدّ منها، حتى يبدوَ مشهد النهاية أكثر "ملحميّة" و إثارة. إن أكثر الروايات ذهبت إلى أن القبلة التاريخية التي حدثت في الوقت بدل الضائع بلغة أهل كرة القدم، هي التي أعادت من فورها الوحشَ إلى شكله الأول. لكنّ النسخة الأولى أكثر دقة و ترويّا في هذا الأمر، ربما لأنها لم تكن للأطفال، أو ربما لأن فكرتها كما أشرتُ سابقا، تتجاوز المغزى التي دعت إليها النسخ المزيّفة الأخرى في ما بعدُ.
لقد عرفتُ قصصا شعبية كثيرة تدعو إلى فضيلة عدم التطلع إلى المظهر، و الاهتمام بجمال الروح و العقل و الخُلق، لكنّ قصة الجميلة و الوحش كما أعيدت صياغتُها، هي الأكثر نفاقا و زورا. بل ربما هي الدليل الأكبر على نفاق البشر حين الحديث عن الجمال. فكان لزاما على الوحش أن يتعلـّم أن المظهر لا يعني شيئا حتى يستعيد مظهره الجميل، و لأن المظهر لا يعني شيئا، فلقد ظل الرجل يقاتل سنين طويلة من أجل استعادته كأنه لم يكن يملك غير ذلك. و في غمرة احتفاء القصة بتبليغ المعنى، تعيد النهاية صورة الوحش الأولى، إذ لا يجب أن يبقى البطلُ قبيحا بشعا، حتى حينما نريد أن نثبت أن البطولة ليست بالمظهر.

أما السيدة دو فيلنوف، فلقد كانت تبحث عن غير ذلك في قصة الجميلة، و لقد حاولت عبر ليالي الجميلة التي قضّتها مع حبيبها الوحش، ما حاولت فعله شهرزادُ مع زوجها شهريار منذ مئات السنين، إعادة الحضارة إلى قلبه. و لأن الجميلة التي وضعها ديزني غير الجميلة التي صاغتها الكاتبة الفرنسية، فإني أرى بعين الخيال نهاية أكثر تعسا و شذوذا مما تتخيله الأولون، لكنّها ـ ربما ـ أقل تعاسة مما قدّمته السينما الأمريكية لملايين الأطفال في العالم، كما فسرتُ.
لقد خرج ديزني من الأستوديو حاملا شريطه، راضيا عن نفسه و عن العالم، تاركا بقية قصة الجميلة تنسج نفسها بنفسها. و مازالت الجميلة تنعم في كل ليلة بوحشها الشرس، الذي يحتوي كل هياجها و اندفاعها و عطشها، و مازالت ملامحه تتدرج في كل ليلة إلى هيئة أقرب لهيئة البشر، حتى إذا بات الرجل أقرب للبشر منه إلى الوحوش، صار عجزه عن متابعة نسق زوجته أكبر و أكثر وضوحا. في داخل هذه المرأة وحش يرسم جمالها ليغري به الرجال، وحش يطلب وحشا مماثلا لينازله، و هو ما عاد وحشا.

لاحظ الوسيم أن زوجته باتت أكثر تبرّما، و أكثر عزوفا عنه، كأنها تواجه ظمأها بالصوم الطويل. و أقرّ لنفسه أنه ربما أخطأ باستعادة هيئته القديمة، فما قيمة الجمال إذا كان الآخر لا يقدّره، بل ربما يبخسه. و كانت الجميلة في ذلك القصر المعزول عن العالم، هي "الآخر" كلّه. سمع تهامس الخدم، و حاول الاطلاع على التفاصيل من دون جدوى، هناك أمر يحدث عنه خفية، و الجميلة باتت أكثر انشراحا و شرودا. ما كانت تقبل عليه كثيرا، لكنّ الحال غير الحال. سرت فيه رعشة الأنفة و الغضب، بحث عن الرجل الخفيّ فلم يجده، طال به التفكير و كاد يضيق ذرعا و يصارح زوجته بشكوكه حولها، لكنّه لم يفعل، لا يهمّه أن يكون لها عشيق بقدر ما يهمّه أن لا يكون مغفلا، فعلى أية حال، لن يكون الزوج المخدوع الأول في عالم الأدب الفرنسيّ. هذا عالم يتزوّج فيه الناس ليداروا علاقاتهم الأخرى. 
لكنّ الجميلة أخفت عنه الحقيقة رحمة به و بها. لقد كانت المرأة صادقة مع نفسها و واجهت حقيقتها بشيء من التجرّد و الصلابة. سألت نفسها السؤال البديهيّ، لماذا تحبّ امراة وحشا؟ و ما فيه ما يميّزه عن البشر غير كونه لم يعد بشريّا؟ إن القراءة فنّ يقرب للكتابة، و ما اخترعتُ شذوذ الجميلة و إنما قرأتُه كما كتبه الأولون. هذه فتاة تميل لغير البشر، و لو كانت غير ذلك لقنعت بغاستون الصياد الوسيم القويّ، لكنّ ما أيقظ مكامن نفسها كان وحشا لا يشبه البشر، و كذلك ظلت، لكنّها رفقا بزوجها، أخفت عنه احتفاظها بالحصان القويّ الثائر الذي بلّغها القصر المهيب، و أخفت عنه زياراتها الخفية إلى الاسطبل، و تجاهلت تهامس القوم، لأنها تعلم أن الحقيقة أغرب من الخيال أحيانا.



فاروق الفرشيشي
انتهت في 26 ايلول 2014

Saturday, September 6, 2014

التقديم في منزل بورقيبة

السلام عليكم،

"عصفور من الشرق."
منذ ستة عشر عاما تقريبا، دخلت إلى قاعة المكتبة العمومية بمنزل بورقيبة لأول مرة. هذا ليس حدثا فريدا طبعا، لكن كنت أحسّ و أنا أخطو خطواتي الأولى بين الرفوف المزدحمة أن كل وسائل الإعلام تتبعني في جولتي، تلتقط صوري مع توفيق الحكيم، و نجيب محفوظ، و علي الدوعاجي، و جان راسين و موليير. كانت تلك البطاقة الصغيرة التي حرمتُ منها سابقا لأنني لا أزال تلميذا في المدرسة، تجعلني أشعر أنني أهمّ شخص في العالم، و أنني قاب كتابين أو أدنى من الحقيقة التي ضحى بروميثيوس من أجلها. بعد هذه السنين، أعود لأضيف كتيبا صغيرا إلى الحقيقة.

"لن تحدث حرب طروادة"
 قرأتُ كثيرا من هذه المكتبة، نهلت الكثير من صفحاتها، اشتكوت من نقائصها و هي كثيرة. طلبتُ المزيد من الكتب، انتظرت الجديد منها، رغبت أن أتصفح عناوينها رقميا، بعض النسخ مهترئ إلى حدّ التلف، و بعضها اختفت صفحاته بفعل فاعل، لكن الدخول إلى هذه القاعة فقط، كان مثل دخول المرء اليوم إلى شبكة الإنترنت، إذا ما حذفنا من الانترنت مواقع الدردشة و التنصّت الاجتماعيّ و جعلنا غوغل أكثر بدائية بكثير. كانت الدخول إلى هذه القاعة مثل الدخول إلى العالم، بل ربما كان الخروج منها خروجا من العالم..

"ثرثرة فوق النيل"
عدتُ و بيدي كتيب صغير من مائة صفحة و نصف المائة من الصفحات، أخرجتُه منذ سنة تقريبا عن دار ورشة19 للنشر، و هي دار نشر حديثة النشأة يحاول صاحبها أن يخطّ طريقا موحشا و صعبا بل مضنيا، من دون كتب مدرسية موازية، و من دون ملصقات و لا منشورات من قبيل "كيف تصبح نجما في أربعة أيام". بدأتُ في كتابة هذه المجموعة القصصية سنة 2007 و انتهيت منها في بداية السنة الماضية بكتابة الأقصوصة العاشرة "المصلحة". و مثلها مثل أخواتها التسع، حملت الأقصوصة ما حملت من هذه المدينة و من وجوه أناسها، و من وجوه مبانيها و نظامها و أحداثها، بعضها حمّلته قصدا و بعضها اتخذ له مجلسا بين السطور عنوة و أحيانا دون أن أعي. لكنني مع ذلك لا أشعر أنني كتبت ما يكفي عنها، و لعلّني فاعل ذلك غدا، فهذا المكان الذي قدّم لي ذلك الكم من القراءات و العوالم، له من العناصر و الثراء ما يكفي لأن يصبح كتابا يقرأه الآخرون في مكتبات أخرى.

"حليمة"
أعود بهذا الكتيب و أنا أعرف قيمة ان يتخذ له مكانا بين رفوف المكتبة. على هذه الأرض الطيبة، حيث يكسل الناشر عن نشر كتبه، و الموزع عن توزيعها، و حيث يفضّل الكتبيّ أن يهتمّ بأدوات التلميذ و بالكتب الموازية، و حيث لا تجد سبيلا يذهب بكتابك إلى أطرافها (أطراف هذه الأرض)، و حيث يبخل جيب المواطن بثمانية دنانير على الأدب و على الكتابة، فربما كانت المكتبات العمومية أهم وسيلة يجد فيها الكتاب له قرّاء.
هل يعرف القائمون بالشأن الثقافيّ قيمة المكتبات العمومية؟ و هل هم على وعي بطبيعة العلاقة التي تربط هذه المكتبات بالمواطنين؟ هل توجد دراسات جادة تبحث سبل دعم المطالعة العمومية، لا للأطفال، و إنما للشباب و للكهول الذين نعتبرهم للأسف "فات فيهم الفوت" ؟ لا أملك اجابات دقيقة، و لكنني أملك شيئا من الأمل، و من الرغبة في المقاومة رغم كل هذه العوائق. مثلما يقول توفيق الحكيم "أملي أكبر من جهدي، و جهدي أكبر من موهبتي، و موهبتي سجينة طبعي، و لكني أقاوم.."

"عودة الروح"
هو اسم كتاب مثله مثل غيره مما ذكرت، جادت به عليّ هذه المكتبة العمومية، و لا أزال أذكره و أذكر لحظات الانفعال الجميلة التي أهدتها إياي تلكم القراءات. اِسمحوا لي أن أشكر ختاما أناسا ما كنتُ لأجلس مجلسي هذا لولاهم، شكرا صفاء، و غادة و كامل مجموعة Key-Tab التي عملتُ معها على هذا اللقاء منذ بداية السنة، كما أشكر غيث و نادي المسرح للقراءة التي قدموها، أما سي فتحي الدريدي مدير دار الثقافة بيرم التونسي، فأنا أستحثه على مواصلة مشروعه الجدّيّ الذي يريده لهذه المدينة، مشروع عناصره ثورية تقوم على الشباب، و الأفكار الجديدة، و الاستقلالية و الجودة. يبقى جهد التطبيق و الصبر الطويل، لكنني مؤمن و متفائل.

اقرأوا يرحمنا و يرحمكم الله، اقرأوا يرحمنا و يرحمكم الله. 
فاروق الفرشيشي
منزل بورقيبة في 
6 أيلول 2014

Thursday, August 21, 2014

سنة على الخروج عن الخط

هذه ليست مساحة للشكوى و البكاء، أصلا أشمئزّ من تسوّل الكتاب و عويلهم المستمرّ، أعتبر دوما أن الكاتب قادر على بذل جهد أكبر و فرض نفسه لو درس الساحة جيدا. بالنسبة لشخص مثلي لا يستثمر من الجهد إلا ما الحدّ الواجب تقديمه لا غير، فهذا ما اعترضني : 

الكُتبيّ : يمكن أن تصل نسبة ربحه الى 35% لو تسلم النسخ مباشرة من الناشر، مع ذلك هو لا يفضل أن تتكدس عنده النسخ (هو لا يشتريها أصلا، هو لا يدفع ثمنها إلا بعد أن يبيعها) اصلا هو لا يحبذ بيع أدب الخيال. يفضل عموما الطباشير و العطورات، و الكتب المدرسية في موسم العودة موعد رزقه الأكبر. أدب الخيال بالنسبة له يعني شيئا واحدا = قصص الأطفال التي يطلبها المدرسون.

الموزع : يحصل الموزع على نسبة تقارب النصف من ثمن البيع (يقتسمها مع الكُتبيّ) مقابل ماذا؟ مقابل أن يحمل بعض النسخ من جملة ما يحمل في شاحنته إلى المكتبات. أي أن كلفة النقل تكاد تكون صفرا، مع ذلك، هو لا يفعل، و يفضل أن يكدس النسخ في مخزنه، ما يستهلك من ماله و موارده. قد تنضب النسخ من المكتبة، لكنه لا يهتم، لا يسأل، و لا يبعث بنسخ جديدة..

الناشر : صاحب حقوق التأليف و البث و التوزيع و التصرف و التملك الخ الخ.. لو أن له مشروعا ثقافيا، فأنت شبه محظوظ. في حالتي، أنا شبه محظوظ فعلا، لكن "الشبه" مجالها كبير نوعا ما. الرجل يواجه مصاعب مالية، له بعض المنشورات، أكثرها مبيعا ـ قدر ما لاحظت ـ كتابي المتواضع، المركون في خزائن موزعه الثاني، مع ذلك لا يحرك ساكنا. "ماذا تريدني أن أفعل" هو كل ما يملك قوله. الغريب حقا، أنه هو من يخسر ماديا، و ليس أنا. هو الذي يحتاج إلى الربح المادي و ليس أنا.

الإعلامي : لأنني لا أملك أن أتصل بالقنوات التلفزية، أصلا لا أعرف برنامجا واحدا يصلح. فقد حاولت قليلا مع الصحافة و الإذاعات، بعضهم أصدقاء لطفاء، ما إن تحدثهم عن الأمر، حتى تنشق الأرض و تبتلعهم تماما. طبعا لست من الصنف اللزج، أحد الاذاعيين قال إنه يكرس برنامجه للشباب، لذلك فقد تكرم عليّ باستضافة خاصة : سجل بعض مقاطع من الكتاب بصوتي، و قال إنه سيبث المقاطع. لا أعرف ما حصل لأنني لم أتابع البرنامج.. ثم إنهم جميعا يتمسكون بتلقيبك بالـ"شاب" إلى درجة تجعلك تحسب نفسك مغني راي لا كاتبا.

النقاد و أهل الادب : طبعا ستجد منهم التشجيع على سبيل المجاملة، لا شيء أسهل من الكلمة الطيبة عندهم، حينما تسألهم الخوض في الكتاب، ستفاجئك جدّية أغلبهم.. أحدهم أفردت مقالا كاملا في الإجابة عن قراءته العميقة للكتاب. عميقة إلى درجة أنه قرأ كلمة "سطح" كما نقولها بالعامية، و نهرني عن استعمال العامية. لم أعرف ما أقول له، كيف أكتب "سطح" بالفصحى دون أن يقرأها هو بالعامية؟
بعضهم يقرأ لك على أنك "الشاب" فلان، تجده لم يفهم حتى الحكاية لكنه مع ذلك يمطّ شفتيه في امتعاض عميق و هو يحلّل و ينتقد..


نوادي الأدب و الجمعيات الثقافية : هي الأكثر فاعلية، و الأكثر حماسا بين كل أطراف الحلقة، خصوصا إذا كان القائمون عليها من الشباب. خلال تجربتين مع نواد مشرفوها كهول، كانت النتيجة في المرة الأولى كارثية تماما، ربما توفر الامكانات و رغم كون المناسبة، هي الأكبر و الأفضل بالنسبة للكتاب. أما في المرة الثانية، فما كان ليكتب لها الولادة (كما الاولى) لولا بعض الشباب المتحمس. نوادي الكهول تملك الأموال و العلاقات التي تجعلها قادرة على ما لا تقدر عليه النوادي الصغيرة، مع ذلك فقد كانت لقاءاتي بهؤلاء هي الأكثر امتاعا.

القارئ : أعلم جيدا أن القراء كانوا كثرا، بيعت أكثر من 200 نسخة ربما، أغلب هؤلاء من الشباب المتواجدين على الشبكة، قمت بكل شيء ممكن حتى أظفر بتفاعلهم، في النهاية حصلت على عدد بائس يربو على ال20 ببعض التفاعلات الشفاهية..

لا ألوم أحدا من هؤلاء، لكن القراءة في تونس لا تتسم بالجدية إطلاقا. لا ألوم أحدا لأن على الكاتب إن كان يؤمن بضرورة أن يستمع الناس إليه، أن يعرف كيف يشدهم من آذانهم و يمارس صراخه الهستيريّ. لا يمكن أن تلوم القارئ، لأن وظيفتك أن تغريه. لكن ماذا عن الناشر؟ ماذا عن الناقد؟ ماذا عن الموزع؟ و ماذا عن الإعلامي؟ لماذا كل هذا التواني؟ لماذا هذا الاستهتار المقرف؟ ربما كنتُ محبطا، لكن الدهشة تفوق احباطي بمراحل.. لماذا أجدُني في النهاية غير سعيد بينما حجم الطلب يفوق العرض بمراحل؟ أي عالم هذا؟

انشر و لك الأجر :D

Translate